لا تغتر بالدنيا
(وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها وما عند الله خير وأبقى أفلا تعقلون) الدنيا زينة خادعة جعلها الله لك مزرعة للحسنات فلا تجعلها مقبرة لحسناتك ولا تجعل الدنيا همك فطوبى لمن كانت الدنيا بيده وليست في قلبه، فلا تغتر بها، فهي متاع قصير، تزول سريعا (وما عند الله) من النعيم المقيم والعيش الكريم (خير وأبقى) أي أفضل في وصفه وهو دائم ابدا، ومستمر (أفلا تعقلون)، أفلا تكون لكم عقول بها تزنون اي الامرين أولى بالايثار؟ أي الدارين أحق للعمل لها؟
الثقة بوعد الله
يقرب الله عز وجل لنا اكثر فيقول (أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه كمن متعناه متاع الحياة الدنيا ثم هو يوم القيامة من المحضرين) السورة فيها الثقة بوعد الله، فهل يستوي مؤمن يعمل للآخرة وهو على ثقة بوعد ربه له بالثواب الحسن والجنة وما فيها من نعيم من غير شك فيه لأنه وعد من كريم لا يخلف الميعاد، مع (كمن متعناه متاع الحياة الدنيا)، فهو يأكل ويشرب ويتمتع كما تتمتع البهائم واشتغل بدنياه عن آخرته.
فهو يوم القيامة (من المحضرين) للحساب وقد علم أنه لم يقدم خيرا لنفسه وإنما قدم جميع ما يضره.
سؤال التوحيد
(ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون) التوحيد هو باب النجاة الاول، فتقوم الشياطين وكل من ادعى انه مشارك لله تعالى يقولون نحن نتبرأ من هؤلاء الأتباع.
في هذا اليوم ينادي الله تعالى من أشركوا به شركاء يعبدونهم ويرجون نفعهم ودفع الضرر عنهم فيناديهم ليبين لهم عجزهم وضلالهم.
(فيقول أين شركائي) وليس لله شريك ولكن حسب افترائهم وزعمهم.
كلمة العذاب
(قال الذين حق عليهم القول ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم...) الآية، قال الرؤساء والقادة في الكفر والشر وعبدة النار وعبدة الشمس وغيرهم من الكفار، لما رأوا العذاب حلت عليهم الندامة وتمنوا لو اطاعوا الرسول، وقالوا نحن برآء منهم ومن عملهم وما كانوا يعبدون أي يعبدون الشيطان.
يوم العرض
(وقيل ادعوا شركاءكم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم ورأوا العذاب لو انهم كانوا يهتدون) حلت عليهم الندامة وتمنوا لو اطاعوا الرسول. لم يسمعوا النداء الأول وهو اثبات التوحيد ولا النداء الثاني نداء النبوة ولما رأوا العذاب الذي سيحل بهم بأبصارهم بعد ما كانوا مكذبين به منكرين له علموا انهم كانوا كاذبين مستحقين العقوبة.
(ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين) ضاعت حجتهم وفقدوا الحجة حتى انهم يسألون بعضهم البعض، فإذا اردت ان تكون من اهل الفلاح فلابد من التوبة والاستغفار ولابد من الايمان والعمل الصالح.
نفاذ مشيئته عز وجل
ثم يخبرنا الله عز وجل عن تفرده بالخلق والاختيار فيقول: (وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون) الله يختار لك ايها الانسان الخير، واعلم انه ليس لأمرك شيء ولا حول ولا قوة الا بالله والتوفيق من الله.
فلا يفرح الانسان لقوته او عمله بل يرجع كل ذلك الى الله.
إحاطة علم الله
يعلم الله عز وجل ما يجول في النفس، يعلم خائنة الاعين وما تخفي الصدور، وهو وحده المتفرد بالألوهية فهو سبحانه محمود بذاته وصفاته في الدنيا والآخرة، منزه عن كل ما يشركون به، من الشريك والولد والصاحبة وكل ما اشرك به المشركون، وانه العالم بما تكنه الصدور وما أعلنوه، وهو وحده المعبود المحمود في الدنيا والآخرة، ولهذا قال (وإليه ترجعون) فيجازي كلا منكم بعمله من خير وشر.
امتنان الله على عباده
قال عز وجل (قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة.. الآية 10) ينبههم الله عز وجل، انظروا الى هذه الآيات التي من رحمة الله والتي اعتادها الانسان، هؤلاء قد ألفوا نعم الله فنسوا المنعم يقول الله تعالى ان هذه السنن الكونية التي انشأها الله من العدم تلزم النظر والاعتبار وشكر المنعم الذي من رحمته ان جعل لكم النهار لتبتغوا من فضل الله وتنتشروا لطلب الرزق، وجعل الليل لتهدأوا فيه وتستريحوا فهذا من فضله ورحمته بعباده، هذه النعم تستوجب شكر المنعم.
سؤال توبيخ
(أفلا تبصرون) ألا تنظرون نظرة اعتبار؟ ومن البلاغة القرآنية عندما لفت الله الى معجزة النهار قال (أفلا تبصرون) وقال في الليل (أفلا تسمعون) لأن السمع في الليل ابلغ من البصر وعكسه النهار وفي الآيات تنبيه للإنسان انه ينبغي له تدبر نعم الله والتفكر فيها حتى ينتبه عقله لمنة الله عليه ونرى ان عبادة التفكر في خلق الله عبادة منسية.
لا مجيب لهم
(ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون) لا مجيب، يوم ينادي الله المشركين به الذين يزعمون ان له شركاء ينفعون ويضرون ويستحقون ان يعبدوا، في هذا اليوم يوم الحساب، يوم الدين، يتبين فيه الحق وتنجلي الأشياء على حقيقتها.
الشهداء
(ونزعنا من كل أمة شهيدا فقلنا هاتوا برهانكم.. الآية) يأخذنا الله عز وجل الى مشهد من مشاهد يوم القيامة، فهم اذا حضروا أبرز الله من كل أمة مكذبة شهيدا يشهد على ما جرى في الدنيا من شركهم فانقطعت حجتهم، وعلموا ان الله قد عدل فيهم حيث لم يضع العقوبة إلا لمن يستحقها، فعلموا ان الله هو الحق، وقد قيل ان الشهداء هم الأنبياء وقيل شهيد من هؤلاء الكفرة يشهد عليهم.
عاقبة الكبر
(إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم.. الآية) قصة رجل تجاوز حده في الكبر، يخبرنا الله عز وجل عن قارون الذي كان من قوم موسى عليه السلام وطغى بما آتاه الله من الكنوز حتى ان مفاتيح خزائن أمواله لا يقدر على حملها الجماعات القوية فما ظنك بالخزائن؟
(إذ قال قومه) ناصحين له ومحذرين من الطغيان: (لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين) أي لا تفرح بهذه الأموال وتفتخر بها وتلهك عن الآخرة إن الله لا يحب الفرحين.
المنهج الرباني
ثم يبين لنا عز وجل المنهج الإسلامي القويم وهو الاعتدال في كل شيء والاستمتاع بالحلال في حياتك وحسن استثمارك له لآخرتك فقال: (وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا.. الآية) فتصدق ولا تقتصر على نيل الشهوات في الدنيا ولا نطلب منك التصدق بجميع مالك بل انفق لآخرتك واستمتع بدنياك استمتاعا لا يضر بآخرتك (وأحسن) الى عباد الله كما أحسن الله إليك بهذه الأموال، فالمقياس رباني وليس بشريا (ولا تبغ الفساد في الأرض) استغراق في الفساد ونحن نرى دولا تنهار تحت ضغوط الربا وكل ذلك بسبب سطوة المال.
القيت المحاضرة في مسجد فاطمة الجسار بالشهداء