أحالت لجنة الشؤون التشريعية والقانونية إلى مجلس الأمة تقريرها السبعين عن مدى دستورية الاستجواب المقدم إلى سمو رئيس مجلس الوزراء من النائب شعيب المويزري المتعلق بفشل وزارات الدولة وإداراتها في إدارة الكوارث ومواجهة الأزمات.
وجاء في التقرير ما يلي.. الإحالة:
بتاريخ 12/11/2018 وجه النائب شعيب المويزري استجوابا إلى سمو رئيس مجلس الوزراء من محور واحد هو فشل وزارات الدولة واداراتها في إدارة الكوارث ومواجهة الأزمات (مرفق صورته)، وأدرج هذا الاستجواب على جدول أعمال المجلس بجلسة 27/11/2018، وفيها قرر المجلس إحالة موضوع الاستجواب إلى لجنة الشؤون التشريعية والقانونية للنظر في مدى دستوريته.
وقد وجهت اللجنة دعوة إلى السيد العضو شعيب المويزري مقدم الاستجواب لحضور اجتماعيها بتاريخي 5/12/2018، 10/12/2018 للاستماع إلى وجهة نظره، إلا انه لم يحضر أمام اللجنة أو يقدم اعتذارا رسميا لها.
اجتماعات اللجنة:
عقدت اللجنة لهذا الغرض عدة اجتماعات بتواريخ 5/12/2018، 6/12/2018، 10/12/2018، 23/12/2018، 7/1/2019، 29/1/2019 حضر جانبا منها بدعوة من اللجنة:
وزارة العدل:
1- د.فهد محمد العفاسي ـ وزير العدل ووزير الأوقاف والشؤون الإسلامية
2- المستشار عبدالمنعم أحمد إبراهيم ـ رئيس المكتب الفني
وزارة الدولة لشؤون مجلس الأمة:
1- عادل الخرافي ـ وزير الدولة لشؤون مجلس الأمة
إدارة الفتوى والتشريع:
1- المستشار صلاح المسعد ـ رئيس ادارة الفتوى والتشريع
2- المستشارة هدى الشايجي ـ مستشارة بإدارة الفتوى والتشريع
الخبراء الدستوريون والقانونيون:
1- د.محمد الفيلي
2- د.عبدالله الرميضي
3- د.نواف الياسين
رأي الجهات المعنية:
وجهت اللجنة دعوة إلى الجهات الحكومية المعنية والخبراء الدستوريين والقانونيين للاستماع إلى وجهة نظرهم حول الموضوع، حيث قدم البعض مذكرة بالرأي أرفقت ضمن التقرير، والبعض الآخر أبدى رأيه أثناء الاجتماع، ونوجز أهم ما جاء فيها من آراء على النحو التالي:
الجهات الحكومية:
أولا: وزارة العدل
قدمت الوزارة مذكرة بوجهة نظرها جاء فيها ان الحق في الاستجواب لا يجوز أن تكون ممارسته خارج إطار الشرعية الدستورية، ذلك ان احترام النصوص الدستورية والمبادئ القانونية والأعراف المستقرة واجب ترسخ واستقر وفق المبادئ الدستورية والأعراف البرلمانية وهي مسؤولية مجلس الأمة بأعضائه جميعا بمن فيها الحكومة.
ثم أسست رأيها على تأكيد اختصاص لجنة الشؤون التشريعية والقانونية بمجلس الأمة بالجانب الدستوري من أعمال المجلس ومنها الاستجواب، وانه اختصاص أصيل لهذه اللجنة بوصفها أداة المجلس تقدم له العون في تفسير نصوص الدستور، وانه لا يجوز تحديد موعد لمناقشة استجواب في حالة مخالفته لأحكام الدستور طالما انه لم يكن مستوفيا لشرائط الاستجواب كما حددها الدستور وحددتها اللائحة الداخلية لمجلس الأمة.
وأشارت الى تقارير سابقة للجنة الشؤون التشريعية والقانونية تضمنت رأيها بأنها صاحبة اختصاص أصيل بالجانب الدستوري في أعمال المجلس بوصفها أداة المجلس في تفسير النصوص الدستورية وذلك طبقا للمادة 43 من اللائحة الداخلية.
كما أشارت الى النصوص الدستورية والقانونية التي تحكم الاستجواب واستعرضت مواد اللائحة الداخلية لمجلس الأمة في هذا الشأن كمبحث أول.
٭ النصوص الدستورية: (100، 101، 102، 108، 123، 127، 130).
٭ مواد اللائحة الداخلية: (80، 134، 135).
وأشارت في مبحث ثان إلى شروط وضوابط صحة الاستجواب المقدم وفق القرارات التفسيرية الصادرة من المحكمة الدستورية أهمها:
- ان المسؤولية الوزارية عن مباشرة الاختصاصات كما قررتها المحكمة الدستورية في طلب التفسير الدستوري رقم 3 لسنة 2004 حددها الدستور في نوعين: مسؤولية فردية أمام الأمير وأمام مجلس الأمة، ومسؤولية بالتضامن مع رئيس الوزراء وباقي الوزراء عن السياسة العامة للدولة أمام الأمير.
وتفعيلا لحرص الدستور على تأكيد هذا المعني في تحديد مسؤولية رئيس مجلس الوزراء عن السياسة العامة للحكومة وحدها، جاء في مذكرته التفسيرية تعليقا على المادة 99 منه ان «الأسئلة المنصوص عليها في هذه المادة، انما توجه الى رئيس مجلس الوزراء عن السياسة العامة للحكومة.
أما الهيئات التابعة لرئاسة مجلس الوزراء أو الملحقة بها فيسأل عنها وزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء.
أما الوزراء فيسأل كل منهم عن أعمال وزارته».
- إعمالا للمبادئ الدستورية المتقدمة أكدت المحكمة الدستورية في قرارها في طلب التفسير رقم 10 لسنة 2011 الصادر بتاريخ 20/10/2011 أن كل استجواب يُراد توجيهه لرئيس مجلس الوزراء ينحصر نطاقه في مجال ضيق، وهو في حدود اختصاصه في السياسة العامة للحكومة، دون ان يتعدى ذلك الى استجوابه عن أية أعمال تنفيذية تختص بها وزارات بعينها أو أي عمل لوزير في وزارته، وإلا أصبحت جميع الأعمال التي تختص بها الوزارات المختلفة محلا لاستجواب رئيس مجلس الوزراء عنها، وهو ما يتعارض مع صريح حكم الدستور، ويفضي الى سيل جارف من الاستجوابات لرئيس مجلس الوزراء.
- أوضحت المحكمة الدستورية في قرارها التفسيري المقصود بالسياسة العامة للحكومة التي يُساءل عنها رئيس مجلس الوزراء بالتالي: «أما السياسة العامة للحكومة التي يرسمها مجلس الوزراء فهي تعني الإطار العام الذي تتخذه الحكومة نهجا لها في توجيه العمل الذي تسير على خطاه وزارات الدولة ومصالحها، وما تنوي الحكومة النهوض به من أعمال ومشروعات وخطط مستقبلية في المجالات المختلفة، والتي تضمنها الحكومة برنامجها، وتقدمه الى مجلس الأمة عقب تشكيل كل وزارة جديدة حتى يتيسر للمجلس الإلمام بهذا البرنامج وإبداء ما يراه من ملاحظات عليه».
ـ قررت المحكمة الدستورية في طلب التفسير رقم 8 لسنة 2004 بتاريخ 9/10/2008: «وجوب أن يكون موضوع الاستجواب واضحا، ومنصبا على وقائع محددة، وألا يكون غامضا مبهما، إذ من شأن هذا الغموض والإبهام تعذر حصر المعلومات التي يلزم جمعها استعدادا لمناقشته، فضلا عن ان المسؤولية الوزارية يجب ان تقوم على عناصر واضحة كي تثار مسؤولية المستجوب بشأنها، تُحصر أسانيدها فلا يؤخذ على حين غرة، ومن ثم فإنه لا يجوز إقحام موضوعات جديدة أخرى على طلب الاستجواب أثناء مناقشته، إلا ما كان متعلقا بوقائع تفصيلية ترتبط بحكم اللزوم بموضوع طلب الاستجواب».
وفي المبحث الثالث في الرأي المقدم من وزارة العدل أشارت الى العيوب والمخالفات الدستورية التي شابت الاستجواب المقدم على النحو الآتي:
المخالفة الدستورية الأولى: وجوب أن يكون الاستجواب محدد الوقائع والعناصر:
حيث إنه بالاطلاع على الاستجواب الماثل يتبين انه قدم عن محور وحيد بعنوان «فشل وزارات الدولة وإداراتها في إدارة الكوارث ومواجهة الأزمات» وذلك بتعميم الادعاء عن فشل وزارات دون تحديد هذه الوزارات ودون بيان اوجه او مظاهر الاتهام بالفشل الذي يدعيه او وقائعه والمقصود به والأدلة على وجوده وأسانيد الفشل - ان صح - التي يمكن نسبتها الى سمو رئيس مجلس الوزراء، وبما يجعل الاستجواب اتهاما مجهلا ومبهما، ويخفي حقيقة انه مساءلة عن مسائل تنفيذية لم يتم تحديدها تدخل في صميم اختصاص وزارة او وزارتين على وجه التحديد ولا تدخل في الاختصاص الدستوري لرئيس مجلس الوزراء الأمر الذي يجعل هذا الاستجواب مخالفا للدستور والأعراف البرلمانية.
المخالفة الدستورية الثانية: عدم الالتزام بنطاق المسؤولية السياسية لرئيس مجلس الوزراء:
حيث يخرج محور الاستجواب عن الاختصاص الدستوري المقرر لسمو رئيس مجلس الوزراء والذي ينحصر نطاقه في حدود اختصاصه في السياسة العامة للحكومة دون ان يتعداها الى اعمال تنفيذية تختص بها وزارات معينة، ذلك ان الاستجواب قدم عن محور وحيد بعنوان «فشل وزارات الدولة وإداراتها في إدارة الكوارث ومواجهة الازمات».
ومن ناحية أخرى فإن قيام الاستجواب على الادعاء بمسؤولية رئيس مجلس الوزراء عن القصور في أداء واجباته في الاشراف والتنسيق بين الوزارات يخالف الأحكام الدستورية، ذلك ان رئيس مجلس الوزراء وفقا للمادة 127 من الدستور يتولى رئاسة مجلس الوزراء وليس رئيسا للوزراء وبالتالي لا يملك ما تملكه السلطة الرئاسية من اختصاص الاشراف على مباشرة الوزير اختصاصات وزارته وأعمالها التنفيذية ومتابعة حسن أدائها والاشراف عليها المنوطة بالوزير عملا بالمادة 130 من الدستور، وتبعا لذلك لا تتاح له من السلطة ما يملك به التنسيق بين الوزارات أو الوزراء في مباشرتهم هذه الاختصاصات التنفيذية المنوطة بهم، ومؤدى ذلك واقعا وقانونا ان تنصرف عبارة الاشراف على التنسيق بين الوزارات الواردة في المادة 127 من الدستور الى ما يستطيع رئيس مجلس الوزراء ان يبسط سلطته اليه وذلك فيما يدخل في اختصاصه بشأن السياسة العامة، وهو الأمر الذي لا يتعلق به الاستجواب الماثل.
المخالفة الدستورية الثالثة: انه لا يجوز ان يكون محل الاستجواب ما هو مطروح على احدى اللجان البرلمانية الا بعد ان تقدم هذه اللجنة تقريرها.
حيث ان مناقشة الاستجواب الماثل تعد تجاوزا على حكم المادة 80 من اللائحة الداخلية لمجلس الامة ومصادرة لحق المجلس في استجلاء الحقيقة والدراسة المتأنية للموضوع ذلك انه يتعارض مع قرار المجلس بإحالة موضوع تداعيات الامطار الى لجنة تحقيق برلمانية.
ثانيا: إدارة الفتوى والتشريع:
أكد ممثلو ادارة الفتوى والتشريع في اجتماع اللجنة تضامنهم مع وزارة العدل في رأيها المقدم الى اللجنة.
ثالثا: وزارة الدولة لشؤون مجلس الأمة:
قدم وزير الدولة لشؤون مجلس الامة تقريرا احتوى على محورين على النحو التالي:
أولا: شبهة عدم دستورية محور الاستجواب:
توجيه الاستجوابات الى رئيس مجلس الوزراء او الى الوزراء هو حق دستوري مقرر لعضو مجلس الامة الا ان ذلك الحق قد احاطه الدستور بعدة ضوابط وفق قرارات تفسير المحكمة الدستورية ومنها:
- ان يكون الاستجواب في شأن من شؤون الدولة العامة.
- ان يكون موضوع الاستجواب واضحا منصبا على وقائع محددة وألا يكون غامضا او مبهما.
- ان تكون المسؤولية الوزارية قائمة على عناصر واضحة.
- ان مفاد نص المادة 55 من الدستور يتولى الامير سلطاته بواسطة وزرائه ومؤداها ان تلقى تبعة هذه الاعمال على عاتق الوزراء فيسألون سياسيا عنها.
ولما كان اختصاص رئيس مجلس الوزراء يقتصر نطاقه على رئاسة جلسات مجلس الوزراء والاشراف على تنسيق الاعمال بين الوزارات المختلفة دون ان يتولى اي وزارة، كما لا يطرح في مجلس الامة موضوع الثقة به وفق ما نصت عليه المادة 102 من الدستور فإن المسؤولية السياسية انما تقع بصفة اساسية على عاتق الوزراء فرادى بخلاف المسؤولية التضامنية لرئيس مجلس الوزراء والوزراء جميعا عن المسائل المتعلقة بالسياسة العامة للدولة، وهي تلك المسائل التي لأهميتها كانت موضوع بحث مجلس الوزراء او ان من المفروض فيها ان تكون موضوعا بحثيا.
كما قررت المحكمة الدستورية في طلب التفسير 10 لسنة 2011:
٭ أن كل استجواب يراد توجيهه لرئيس مجلس الوزراء ينحصر نطاقه في مجال ضيق وهو في حدود اختصاصه في السياسة العامة للحكومة لاعتبار ان رئيس مجلس الوزراء هو الذي يتكلم باسم مجلس الوزراء ويدافع عن هذه السياسة امام مجلس الأمة دون ان يتعدى ذلك الى استجوابه عن اي اعمال تنفيذية تختص بها وزارات بعينها او اي عمل لوزير في وزارته وإلا اصبحت جميع الأعمال التي تختص بها الوزارات محلا لاستجواب رئيس مجلس الوزراء عنها.
٭ السياسة العامة للحكومة التي هي محل مسؤولية رئيس مجلس الوزراء أمام مجلس الامة تعني الاطار العام الذي تتخذه الحكومة منهجا لها في توجيه العمل الذي تسير على خطاه وزارات الدولة ومصالحها وما تنوي الحكومة النهوض به من اعمال ومشروعات وخطط مستقبلية في المجالات المختلفة.
ويجب ان تكون تلك السياسة العامة للحكومة قائمة ومستمرة.
وبتطبيق تلك الضوابط الدستورية المشار إليها على صحيفة الاستجواب المعروضة وما تضمنته من وقائع في محوره الوحيد يتبين ان الاستجواب يشوبه شبهة عدم الدستورية، حيث ان الوقائع التي ذكرها المستجوب بصحيفة استجوابه لا تتعلق بالسياسة العامة للحكومة ولا تدخل في اختصاص سمو رئيس مجلس الوزراء، حيث لا يتعلق بالإطار العام الذي تتخذه الحكومة منهجا لها في توجيه العمل الذي تسير على خطاه وزارات الدولة.
وأن كل ما جاء من وقائع بمحور الاستجواب تدخل تحت مسؤولية وزراء بعينهم وتخرج عن نطاق السياسة العامة للحكومة بما يخالف الضوابط الدستورية المقررة في هذا الشأن ويكون الاستجواب مشوبا بعدم الدستورية.
ثانيا: دستورية اجراء احالة الاستجواب الى اللجنة التشريعية والقانونية
اهم ما جاء في هذا المحور يتلخص في ان النصوص الدستورية واللائحة الداخلية لمجلس الامة وقرارات التفسير الصادرة من المحكمة الدستورية والتي نظمت الاستجواب وحددت ضوابطه قد خلت من اي قيد او شرط يمنع احالة الاستجواب الى اللجنة التشريعية والقانونية بمجلس الامة لبحث مدى دستورية محاوره من عدمه.
حيث انه من المقرر قانونا وفق القواعد الاساسية في التشريع اللجوء الى العرف باعتباره مصدرا من مصادر التشريع في حالة خلو النص من تنظيم مسألة معينة.
وكان العرف الدستوري هنا متمثلا في السوابق البرلمانية التي تواترت الى اربع سوابق في استجوابات سابقة على احالة الاستجوابات الى اللجنة التشريعية والقانونية بمجلس الامة لبحث مدى دستورية محاور الاستجواب، وعليه وبإعمال تلك السوابق مع خلو النص الدستوري مما يمنع تلك الاحالة الى اللجنة التشريعية والقانونية فإن قرار مجلس الامة بإحالة الموضوع الى اللجنة التشريعية والقانونية كان صحيحا ولا يشوبه شبهة عدم الدستورية لاتساقه مع السوابق الراسخة في هذا الشأن.
اما بخصوص ما اثير من عدم جواز اشتراك الحكومة في التصويت على احالة الاستجواب الى اللجنة التشريعية والقانونية فإن ذلك مردود عليه في ان الدستور قد حظر على الوزراء التصويت في امرين لا ثالث لهما: هما تصويت الوزراء على سحب الثقة وكتاب عدم التعاون، ولا يجوز القياس او التوسع عليهما لكون ذلك يخرج النص الدستوري من المحكمة التي اراد المشرع الدستوري ان يرمي اليها، وعليه يجوز اشتراك الوزراء في التصويت بصفتهم اعضاء في مجلس الامة طالما المشرع الدستوري لم يورد نصا صريحا يحظر ذلك التصويت.
الخبراء الدستوريون
أولا: د. محمد الفيلي
يرى ابتداء ان البحث في موضوع الاستجواب المقدم من العضو شعيب شباب الوزيري لرئيس مجلس الوزراء ينصب في صحيفة الاستجواب ومدى توافقها مع القواعد الحاكمة للموضوع، وان الفحص ينصب بشكل ادق على مشروعية الاستجواب وليس دستوريته، اذ ان هناك قواعد تنظيمية تحكم الاستجواب سواء في الدستور او اللائحة الداخلية لمجلس الامة، حيث بينت المادة 100 من الدستور والمادتان 133 و134 من اللائحة الداخلية الشروط الموضوعية الواجب توافرها فيه، وهي شروط يستبعد ان تكون شروطا استرشادية، ذلك ان طبيعة القواعد الحاكمة لهذا الموضوع قواعد آمرة وليست مكملة، ومن ثم يلزم لقبول الاستجواب توافر 3 شروط:
ـ موضوع يختص به المستجوَب اما ابتداء او يملك اتخاذ قرار بشأنه.
ـ وقائع محددة.
ـ اتصال الوقائع بالاختصاص المعقود للمستجوَب.
وبعد الاطلاع على صحيفة الاستجواب المقدم، لوحظ انه يتضمن الآتي:
٭ يستند الاستجواب على وجود اختصاصيين يسندهما الدستور لرئيس مجلس الوزراء هما:
ـ اختصاص مجلس الوزراء برسم السياسة العامة للحكومة ومتابعة تنفيذها وفق حكم المادة 123 من الدستور، اذ ترتبط مسؤولية رئيس مجلس الوزراء وفق هذه المادة بقيادته للعمل الحكومي ورئاسته للجلسات وتعليق تنفيذ السياسة العامة على عرض المرسوم حال الحاجة لصدور مرسوم لتنفيذ هذه السياسة.
ـ الاشراف على تنسيق الاعمال بين الوزارات المختلفة وفق المادة 127 من الدستور.
٭ تضمن الاستجواب وقائع وهي هطول امطار غزيرة نتج عنها اضرار وحدوث حالتي وفاة، ولم يربط الاستجواب ـ بشكل واضح ـ وجود او عدم وجود سياسة عامة لمواجهة الطوارئ بوجود الوقائع المذكورة، والسياسة العامة هنا تعني وجود تصور مسبق للتدابير التي يلزم تفعيلها حال وجود الكوارث، فالاستجواب افترض ان وجود اضرار ناتجة عن الامطار دليل على عدم وجود السياسة العامة المشار لها او عدم جودتها، وهذا الاستنتاج يحتاج إلى توضيح فكل الانواء بحسب حجمها ينتج عنها قدر من الاضرار، وغياب السياسة العامة للتعامل مع الكوارث الطبيعية او عدم متابعة تنفيذها يمكن استنتاجه من الحجم غير المعتاد للاضرار او من تضارب القرارات التنفيذية نتيجة عدم وجود هذه السياسة او عدم متابعة تنفيذها، فالاستجواب على هذا النحو لا يسمح بتقرير حمله على الوقائع بشكل واضح، وامام عدم الوضوح الماثل يمكن لرئيس مجلس الوزراء طلب استيضاحات قبل مناقشة الاستجواب.
وبناء على ما سبق، يرى د.محمد الفيلي ان صحيفة الاستجواب المقدمة تتضمن ملاحظات تجعل مناقشتها بوضعها الراهن غير متسقة مع القواعد الواردة في الدستور واللائحة الداخلية لمجلس الامة.
وفي معرض مناقشة اللجنة لبعض المفاهيم المرتبطة بالاستجواب، اوضح د.محمد الفيلي رأيه فيها بالآتي:
٭ فيما يتعلق بتعريف المصطلحات الدستورية (الكارثة، السياسة العامة للحكومة):
ـ الكارثة ان لم يكن لها معنى اصطلاحي فمعناها اللغوي ذاتي بوضعه الا انه وعلى ضوء التباين لن يكون هناك تعريف منضبط لها ومن ثم يتم الرجوع للنصوص القانونية، حيث اناط المشرع في كثير من الدول ومنها الكويت تقدير وجود الكارثة في احوال معينة بجهة محددة مثل قانون المساعدات العامة الذي تشرف على تطبيقه السلطة التنفيذية او ان تضفي السلطات العامة هذا الوصف على الواقعة.
ـ المحكمة الدستورية افترضت اختلاف مصطلح السياسة العامة للدولة عن مصطلح السياسة العامة للحكومة الواردين في الدستور، وهو اجتهاد فكري لم يرد في صلب النص ولا الزام بالاتفاق عليه بشكل كامل الا انها بذلت جهدا جيدا في القول ان السياسة العامة سواء للحكومة او الدولة تعني اما قرارا معلنا عن توجه عام في التعامل مع مسألة من المسائل بصدد تصورات واجراءات تسير في اتجاه معين او يتم استنباط وجودها او عدم وجودها، وبناء على ذلك فإن السياسة العامة تعني مجموعة من الاجراءات مرتبطة بغاية واداتها قواعد تنفيذية.
٭ فيما يتعلق باختصاص المحكمة الدستورية في تفسير نصوص الدستور:
لا يوجد نص في الدستور يعطي لهذه المحكمة اختصاصا بالتفسير المجرد، كما لا يوجد نص يحدد اثر هذا التفسير كونه ليس حكما، اذ ينعقد اختصاص المحكمة الدستورية في التفسير عندما تكون بصدد الحكم في دستورية قانون او لائحة باعتبارها قاضيا دستوريا، اذ لا يستطيع قاض ان يصدر الحكم دون ان يفسر النص، فالقرار التفسيري لا يرتب بذاته اثرا مباشرا على الواقعة ومن يملك انزال اثره هو مجلس الامة، فضلا عن انه ومن الناحية الاجرائية فإن الموضوع اقرب ما يكون لمجلس الامة ومتصل به حيث ان الاستجواب يعرض على مجلس الامة ويملك المجلس اتخاذ قرارات بشأنه وفق اللائحة الداخلية.
ثانيا: د.عبدالله الرميضي
يرى ان الاستجواب اداة مهمة تتضمن معنى المحاكمة، وجاء بتنظيمها كل من الدستور واللائحة الداخلية لمجلس الامة، فإن كان الاستجواب موجها لرئيس مجلس الوزراء فينبغي ان يكون متعلقا بالسياسة العامة للحكمة او التنسيق فيما بين الوزارات المختلفة والاشراف عليها، فإن لم يوجه الاستجواب بالشكل الصحيح اصبح امرا دارجا وفقد ما اولاه المشرع من اهمية وهيبة.
وعليه، فإن الموضوع الذي قدم على اساسه الاستجواب والمتعلق بالفيضانات والسيول التي صاحبت تساقط الامطار على بعض مناطق الكويت يتعلق بأعمال جهات محددة واعمال وزارات بعينها هي المسؤولة عما نجم من اضرار من جرائها، في حين ان رئيس مجلس الوزراء مسؤول عن السياسة العامة وعن التنسيق فيما بين الوزارات المختلفة.
وعند مناقشة اللجنة لبعض المفاهيم المثارة حول الاستجواب، افاد بالآتي:
٭ فيما يتعلق بتعريف المصطلحات الدستورية (الكارثة، السياسة العامة للحكومة):
ـ مصطلح السياسة العامة للحكومة يعني التوجه او الفكرة التي تتبناها الدولة او الحكومة وتسعى لتطبيقها ويمكن ان يكشف عنها البرنامج الحكومي المقدم بداية كل فصل تشريعي.
ـ مصطلح الكارثة يمكن تفسيره بالظروف الاستثنائية وله قواعد في القانون والتي قد تكون موانع قانونية او رخصا لبعض الجهات وخلافها.
٭ فيما يتعلق باختصاص المحكمة الدستورية في تفسير نصوص الدستور:
احكام المحكمة الدستورية في تفسير نصوص الدستور ملزمة للجميع، فهل الجهة التي اناط بها المشرع والدستور هذا الاختصاص، حيث قرر امكانية اسناد امر البت في مدى دستورية التشريعات الى جهة قضائية وهي المحكمة الدستورية.
الخبراء القانونيون
د.نواف الياسين:
قدم مذكرة شارحة برأيه في مدى دستورية الاستجواب المقدم من العضو شعيب المويزري الموجه الى سمو رئيس مجلس الوزراء انتهى فيه الى الآتي:
ـ لما كان من المقرر وفقا لنص المادة 100 من الدستور انه لعضو مجلس الأمة الحق في توجيه الاستجواب سواء لرئيس مجلس الوزراء او لأحد الوزراء، إلا ان هذا الحق ليس مطلقا وإنما وردت عليه ضوابط من بينها توجيه المشرع الدستوري لوجوب مراعاة الاختصاص، فليس للنائب ان يتخير ما بين توجيه الاستجواب الى رئيس مجلس الوزراء او الى وزير بعينه.
ـ لما كان من المقرر في قرار المحكمة الدستورية التفسيري رقم 8 لسنة 2004 ان مناط المسؤولية هو محل الاستجواب، فمسؤولية الوزراء تكون بحدود عملهم الوزاري والجهات التابعة للوزير بقدر مسؤوليته عليها، أما الاستجواب الذي يمكن ان يوجه لرئيس مجلس الوزراء فهو مقصور على السياسة العامة للحكومة وهذا يحول دون مساءلة رئيس مجلس الوزراء عن اي إخلال من احد الوزراء في حدود مسؤوليته واختصاصاته الوزارية، كما انه من المقرر من المحكمة الدستورية وهي في معرض تفسيرها وبيانها لمفهوم السياسة العامة للحكومة في طلب التفسير رقم 10 لسنة 2011 ان مناط مسؤولية رئيس مجلس الوزراء محصورة في السياسة العامة للحكومة الواردة في نص المادة 123 من الدستور، وهي أضيق من المفهوم المقرر في المادة 58 من الدستور والتي قررت مسؤولية رئيس مجلس الوزراء والوزراء بالتضامن امام سمو الأمير فيما يتعلق بالسياسة العامة للدولة، إذ ان السياسة العامة للدولة هي القواعد العامة الشاملة للأمن الاجتماعي والاستقرار الاقتصادي في حين ان السياسة العامة للحكومة هي سياسة متغيرة وليست بذات العموم.
ـ لما كان موضوع الكوارث الطبيعية والأزمات التي قد تتعرض لها البلاد من الموضوعات بالغة الأهمية لم يتركها المشرع الدستوري بل وضع أحكاما عامة لهذه الموضوعات في صلب الدستور والمتعلقة بالأمن والسلم الوطني والاجتماعي في المواد 8 و15 و21 و25 وغيرها من مواد الدستور، كما قام المشرع بإصدار المرسوم بالقانون رقم 21 لسنة 1979 في شأن الدفاع المدني والذي بين فيه الضوابط وأسس التعامل مع الكوارث الطبيعية والأزمات سواء من حيث بيان المسؤول عن القيام بالواجبات القانونية للحد منها والإجراءات واجبة الاتباع بيانا تفصيليا نظرا لخطورة هذه المسائل وعدم جواز تركها لمحض إرادة السلطة التنفيذية وتقديرها لخطط السياسة العامة الخاصة بها.
ـ لما كان موضوع مواجهة الكوارث والأزمات متعلقا بالأمن الوطني والسلم الاجتماعي فإنه مرتبط ارتباطا وثيقا بكيان الدولة وسلامة الأفراد والأموال ومن ثم فإنه يعد من السياسة العامة للدولة، ودليل ذلك ما قررته المحكمة الدستورية في قرارها التفسيري رقم 10 لسنة 2011.
وبناء على ما تقدم فإن الاستجواب المشار اليه قد جاء مخالفا لما قررته المادة 100 من الدستور، وإذا ما تم التسليم بصحة البيانات التي أوردها المستجوب على ما حدث في يوم 9/11/2018 وما قبله باعتباره من الكوارث الطبيعية والأزمات، فإن حدود تنظيم اختصاص هذا الأمر محدد في المرسوم بقانون رقم 21 لسنة 1979 المشار اليه.
كما استطرد أثناء المناقشة حول بعض المفاهيم المرتبطة في الاستجواب على النحو التالي:
٭ فيما يتعلق بتعريف المصطلحات الدستورية (الكارثة، السياسة العامة للحكومة):
ـ أوكل المشرع الكويتي لجهة معينة تحديد الكارثة والتعامل معها واتخاذ جميع الإجراءات اللازمة بشأنها وهو وزير الداخلية.
ـ بينت المحكمة الدستورية ان السياسة العامة للدولة تعني القواعد العامة للأمن الاجتماعي والاستقرار الاقتصادي في حين ان السياسة الحكومية تتبلور في البرنامج المقدم من قبلها الى المجلس.
٭ فيما يتعلق باختصاص المحكمة الدستورية في تفسير نصوص الدستور:
المادة الأولى من قانون المحكمة الدستورية تثبت حق التفسير لها، وهذه المسألة حُسمت بقرارات متعددة أولها قرار التفسير الصادر في سنة 1986 فيما يتعلق بتفسير نص المادة 173 من الدستور، فالقرار التفسيري ملزم للجميع ولجميع السلطات بما فيها السلطتان التشريعية والتنفيذية، فضلا عن ان تلك السلطتين أقرت أحقية المحكمة الدستورية في التفسير من خلال طلبات التفسير التي تقدمت بها لعدة مرات.
رأي لجنة المستشارين في مجلس الأمة
كما استعرضت اللجنة مذكرة بالرأي القانوني في شأن الاستجواب الموجه من النائب شعيب المويزري الى سمو رئيس مجلس الوزراء، وذلك بتكليف من رئيس مجلس الأمة لدراسة مدى دستورية الاستجواب الموجه الى سمو رئيس مجلس الوزراء من العضو شعيب المويزري والذي انقسم فيه رأي اللجنة الى رأيين:
الرأي الأول:
وهو الذي انتهت اليه أغلبية الآراء (5 الى 1) وهو عدم دستورية الاستجواب، وقد استند الى الآتي:
1 ـ حتى يكون الاستجواب قد قام على سند صحيح من القانون يجب ان يدخل في اختصاص من وجه اليه الاستجواب.
2 ـ لا يجوز توجيه الاستجواب الى رئيس مجلس الوزراء فيما يندرج في اختصاص اي من الوزراء.
3 ـ يجب ان تكون محاور الاستجواب واضحة متضمنة أعمالا محددة بعينها.
وقد جاء الاستجواب مخالفا للضوابط الدستورية لمسؤولية رئيس مجلس الوزراء كما يلي:
أولا: المسؤولية ترتبط بالاختصاص وفقا لآراء الفقه وأحكام القضاء التي استقرت على انه لا مسؤولية حيث لا اختصاص.
ثانيا: ان ما حدث من واقعة هطول الأمطار كان نتيجة لظاهرة طبيعية فجائية تمثل كارثة يسأل عنها الوزير المختص كل في نطاق وزارته عن عدم الاستعداد المسبق لمواجهة آثارها.
ومن ثم فإن الإخلال بالمسؤولية في هذه الواقعة قد شاب عملا تنفيذيا من أعمال الوزارات المعنية ومن ثم فإن المسؤولية تقع على جانب تلك الوزارات.
وعليه فإن الاستجواب الموجه لرئيس مجلس الوزراء يعد خارجا عن نطاق اختصاصه لصحيح حكم المادة 102 من الدستور.
الرأي الثاني
يرى دستورية الاستجواب ويستند أساسا الى المادة 123 من الدستور التي تنص على ان «يهيمن مجلس الوزراء على مصالح الدولة، ويرسم السياسة العامة للحكومة، ويتابع تنفيذها، ويشرف على سير العمل في الإدارات الحكومية»، ورئيس مجلس الوزراء بنص المادة 137 من الدستور هو الذي يتولى «رياسة مجلس الوزراء والإشراف على تنسيق الأعمال بين الوزارات المختلفة».
وقد كشفت واقعة هطول الأمطار القصور في الأداء في عدد من الوزارات والإدارات الحكومية وغياب المتابعة والتنسيق فيما بينها، ليس بعد هطول الأمطار فقط، ولكن في السنوات السابقة عليها.
ولو ان كل وزارة وإدارة حكومية كانت قد قامت في حينه بواجباتها والمهام الموكلة إليها على الوجه الأكمل، لخفت الأضرار التي نجمت عن هذه الواقعة الى حد كبير.
والأصل ان المسؤولية الفردية للوزير تكون عندما تتعلق الأحداث بالوزارة التي يتولى شؤونها دون غيرها او بالهيئات والمؤسسات العامة التابعة له.
أما إذا تجاوز القصور وزارة واحدة وتشعب الى عدد من الوزارات، فذلك يعني غياب الإشراف وغياب التنسيق بينها وغياب متابعة الأداء من جانب مجلس الوزراء وعلى قمته رئيس مجلس الوزراء بالنسبة إلى جميع الأجهزة المعنية على مستوى الدولة، وهي المهمة الرئيسية لمجلس الوزراء ورئيسه.
وليس من المعقول في هذه الحالة ان يتناوب أعضاء مجلس الأمة توجيه استجواب لكل وزير على حدة، او في الوقت ذاته، او الواحد تلو الآخر، بل يكون المسؤول في هذه الحالة هو القائم على رأس مجلس الوزراء وهو رئيس مجلس الوزراء الذي يسأل أمامه جميع الوزراء.
ويتعلق الأمر عندئذ بالمسؤولية التضامنية للحكومة وليس بالمسؤولية الفردية لوزير بعينه.
رأي المكتب الفني للجنة
يرى المكتب الفني للجنة ان بحث مدى دستورية الاستجواب المشار إليه سلفا يجب تناوله في النقاط التالية:
أولا: تفسير الدستور حق للمجلس وواجبه:
وحيث إن مناط تطبيق نصوص الدستور والقوانين هو تفسيرها ومن ثم ينبغي عدم الإفراط في العبارات والكلمات حتى لا يؤدي ذلك الى شمول النص لحالات او وقائع لم ينصرف اليها قصد المشرع.
ومن الطبيعي ان تتطلع المؤسسات الدستورية بدورها الأساسي والطبيعي في تفسير الدستور حيث يناط بها التطبيق في كل ممارساتها وإعمالها لنصوصه ولا يمكن ان تقف مغلولة الأيدي عن تفسير ما أبهم من نصوص الوثيقة الدستورية وتكميل ما اقتضب منها وإزالة التعارض والتنافر بين نصوصها وفقا لقناعتها تفسيرا صحيحا لكي تسير في ممارستها على سنن الدستور وهديه.
ومن ثم فإن مجلس الأمة على رأس المؤسسات الدستورية المعنية بأحكام الدستور وتطبيقها في كل أعماله ولجانه إبراء للقسم الذي ورد بالمادة (91) من هذا الدستور باحترام تلك الأحكام.
ومن ثم فإن الاختصاص الذي تقرر للمحكمة الدستورية استثناء بتفسير الدستور في غير منازعة قائمة لا يتعارض والحق الأصيل والطبيعي للمؤسسات الدستورية في تفسير نصوص الدستور عند ممارسة هذه المؤسسات لصلاحياتها بموجب تلك النصوص.
وأن النص الوارد بالمادة الأولى من قانونها رقم (14) لسنة 1973 بأنها تختص دون غيرها بتفسير النصوص الدستورية إنما هو خطاب موجه إلى المحاكم والتي كان يمكن لها ذلك لو لم توجد تلك المحكمة وهو ما أكدته المذكرة التفسيرية للدستور تعليقا على المادة (173) منه.
ثانيا: دور لجنة الشؤون التشريعية القانونية في تفسير الدستور:
استقر الرأي وما جرى عليه العمل بالمجلس منذ إنشائه على أن اختصاص اللجنة التشريعية والقانونية هو اختصاص عام وراجع لنص المادة (43) من اللائحة الداخلية لمجلس الأمة حيث تختص بالجانب القانوني من أعمال المجلس، وتتصدر نصوص الدستور كل النصوص القانونية باعتبارها الأعلى مرتبة بين القوانين.
وتمارس لجنة الشؤون التشريعية والقانونية صلاحيتها في تفسير نصوص الدستور في كل جلسة تعقدها لنظر الاقتراحات بقوانين فضلا عن مشروعات القوانين حيث يعد ذلك مسألة أولية قبل احكام الصياغة ووضع الاقتراح بقانون او المشروع بقانون في الصيغة القانونية المناسبة.
كما أحال المجلس الى اللجنة التشريعية والقانونية بجلسته المنعقدة في 23/2/1982 موضوع الاستجواب الموجه من السيد العضو خليفة الجري الى السيد وزير الصحة وكذلك احيل الى اللجنة الاستجواب المقدم من السيد العضو حسين علي القلاف الى السيد وزير العدل في 3/12/2001 ولذلك لبحثهما وبحث مدى تطابق كل منهما مع أحكام الدستور.
كما قدمت اللجنة العديد من التقارير والرسائل لا يتسع المقام لسرد كل منها في هذا الخصوص.
وخلاصة القول ان اختصاص اللجنة التشريعية والقانونية بالجانب الدستوري من أعمال المجلس هو اختصاص اصيل ذلك ان الدستور لا يعدو أن يكون قانونا من قوانين الدولة وان كان يحتل مرتبة أعلى في مقام تدرج القواعد القانونية ومن ثم يشمل تفسيره الجانب القانوني من أعمال المجلس الذي ينعقد اختصاص لجنة الشؤون التشريعية والقانونية به إعمالا لأحكام المادة (43) من اللائحة الداخلية لمجلس الأمة، واللجنة التشريعية والقانونية في هذا الصدد هي أداة المجلس تقدم له العون في تفسير نصوص الدستور من خلال استطلاع آراء الخبراء الدستوريين والمختصين ليأخذ المجلس بما يراه سواء اتفق مع رأي اللجنة او اختلف.
ثالثا: صلاحيات المجلس في ضوء التفسير الذي يأخذ به:
وحيث انه نظرا لأهمية وخطورة الاستجواب سواء في المحاكمة الجزائية او المحاكمة السياسية فقد احاطه المشرع بضمانات عدة في كلتا الحالتين منها امتناع إجرائه امام المحكمة الجزائية إلا إذا قبله المتهم ولأن الاستجواب هو جوهر المحاكمة السياسية ومضمونها لم يجعل الاستجواب رهنا بإرادة الوزير الموجه إليه فلم يعلق على موافقته كما فعل في المحاكمة الجزائية بل اكتفى بسماع أقواله قبل تحديد موعد مناقشته الذي تركه المشرع للمجلس فيما تنص عليه الفقرة الأولى من المادة (135) من اللائحة الداخلية.
وخضوع تحديد موعد مناقشة الاستجواب للمجلس علته كما رأى المشرع أن المجلس قد يرى في ضوء أقوال من وجه إليه الاستجواب ضرورة استيفاء بعض الجوانب المبهمة أو الغامضة في الاستجواب فيعطي لمقدم الاستجواب مهلة للتوضيح.
وترتيبا على ذلك فإن صلاحية المجلس في تحديد موعد لمناقشة الاستجواب شرطه ورأس الأمر فيه وعموده وذروة سنامه ألا يكون مشوبا لعيب مخالفة الدستور أو أحكام اللائحة الداخلية.
وباستعراض الدراسة التحليلية النقدية لاستاذ القانون العام د.محمد المقاطع للاستجواب البرلماني للوزراء في الكويت في ضوء احكام الدستور الكويتي والسوابق البرلمانية المنشورة في مجلة الحقوق ملحق العدد الثالث ـ السنة السادسة والعشرون ـ سبتمبر 2002 انتهى فيها الى «ان اول الاشتراطات الاساسية التي يجب ان يُبنى عليها الاستجواب هو ان يُبنى من الناحية الدستورية موضوعيا على وقائع وموضوعات محددة وهو الأمر الذي ابرزته المادة (100) من الدستور من جهة والمادة (134) من اللائحة الداخلية لمجلس الأمة.
ومن ثم فإن اختلال هذا الشرط وانعدام هذا القيد على النحو الذي تصبح معه موضوعات الاستجواب ووقائعه موضوعا فيه عمومية واتساع بعيدا عن الوقائع المحددة فإنها تصم الاستجواب بعيب دستوري مهم يستتبع عدم سلامة الاستجواب دستوريا وضرورة عدم المضي به حفاظا على الدستور ومنعا للسوابق التي تكرس ممارسات ينتهك من خلالها الدستور.
بل ان قيام الاستجواب على موضوعات ووقائع غير محددة ومرسلة تهدر مبدأ المساءلة السياسية المبني على فكرة المواجهة بين اتهام من النواب ودفاع من الوزير يجب ان تتوافر له ادنى ضمانات العدالة والتوازن.
وأن هذه المخالفة لأسس المساءلة البرلمانية والقواعد الدستورية الخاصة به يجب ان يتم التصدي لها من قبل رئيس المجلس أولا باستبعاده للاستجواب ككل أو للفقرة العامة الغامضة فيه، بل ان على أعضاء مجلس الأمة أن ينهضوا بمسؤوليتهم التاريخية للتصدي لهذا الأمر ورفضه لأنه يشكل خرقا للدستور».
ولما كان طلب النائب شعيب المويزري ينصب على استجواب رئيس مجلس الوزراء استنادا للمادتين (123، 127) من الدستور وذلك لتقرير مدى مسؤوليته الوزارية عما ورد بمحوره فإن الأمر يستدعي معه تناول النصوص الدستورية ذات الصلة بموضوع البحث للوقوف على مدى جواز توجيه استجواب مثل هذا لرئيس مجلس الوزراء وبيان مفهوم الأمور الداخلة في اختصاصه والتي يمكن استجوابه عنها وفقا للمادة (100) من الدستور في ضوء ما نصت عليه المادة (123) منه بأن: «يهيمن مجلس الوزراء على مصالح الدولة، ويرسم السياسة العامة للحكومة، ويتابع تنفيذها، ويشرف على سير العمل في الإدارات الحكومية».
والمادة (127) التي نصت على أن «يتولى رئيس مجلس الوزراء رياسة جلسات المجلس والاشراف على تنسيق الاعمال بين الوزارات المختلفة»، وما نصت عليه المادة (58) من أن «رئيس مجلس الوزراء والوزراء مسؤولون بالتضامن أمام سمو الأمير عن السياسة العامة للدولة، كما يسأل كل وزير أمامه عن أعماله وزارته».
بما يقتضيه ذلك من بيان لما تعنيه عبارة السياسة العامة للحكومة التي ورد ذكرها في المادة 123 المشار إليها وعبارة السياسة العامة للدولة التي تضمنتها المادة 58 سالفة الذكر وذلك لتحديد مدى مسؤولية رئيس مجلس الوزراء عن تلك الأمور.
وحيث انه وإن كان الدستور اعطى سلطات واسعة للسلطة التنفيذية وقرر مبدأ المسؤولية الوزارية إلا انه قيد ضوابطها وأحكم قواعدها باعتبار ان هذا المبدأ هو محور النظام الدستوري الذي تبناه وجوهره وحجر الأساس فيه وحدد وسائل الرقابة البرلمانية على أعمال الحكومة وجعل لمجلس الأمة إزاء الوزراء حقا هو المسؤولية الوزارية وحقا متفرعا منه هو الاستجواب وأحاطه بسياج من الضمانات والإجراءات المقيدة منعا من التسرع والإسراف فيه والذي لا يخفى على أحد أثره الأمر الذي جعله ينص في المادة 101 من الدستور على ان كل وزير مسؤول لدى مجلس الأمة عن أعمال وزارته، ولما كان رئيس مجلس الوزراء يرأس مجلس الوزراء ويرسم السياسة العامة للحكومة مع باقي الوزراء وأن أمامه من الأمور الجسام التي تستدعي اهتماما خاصا وجهودا متواصلة لا يمكن لرئيس مجلس الوزراء تسييرها الا اذا تفرغ لأعمال رئاسة المجلس لذا فقد نص الدستور في الفقرة الأولى من المادة 102 على أن لا يتولى رئيس مجلس الوزراء أي وزارة، ولا يطرح في مجلس الأمة موضوع الثقة به.
وبناء عليه فإن كل استجواب يراد توجيهه لرئيس مجلس الوزراء ينحصر نطاقه في مجال ضيق وهو في حدود اختصاصه في السياسة العامة للحكومة باعتبار ان رئيس مجلس الوزراء وهو الذي يتكلم باسم مجلس الوزراء ويتم الدفاع عن هذه السياسة امام مجلس الأمة دون ان يتعدى ذلك الى استجوابه عن اي أعمال تنفيذية تختص بها وزارات بعينها أو أي عمل لوزير في وزارته.
وهو ما أكد عليه المجلس التأسيسي بتاريخ 5/6/1962 بمحضر الجلسة الحادية عشرة 11/62 صفحة رقم 17 والتي نصت على «يُسأل كل وزير لدى مجلس الأمة عن اعمال وزارته.
اما رئيس مجلس الوزراء فلا يُسأل لدى المجلس المذكور، ولا يتولى مع الرئاسة اي وزارة. السيد الدكتور عثمان خليل: أرجو حذف كلمة «يُسأل» من المادة بحيث يصبح نصها كما يلي: «كل وزير مسؤول لدى مجلس الأمة عن أعمال وزارته. أما رئيس مجلس الوزراء فغير مسؤول لدى المجلس المذكور ولا يتولى مع الرئاسة اي وزارة».
(موافقة على المادة بعد التعديل)».
وإلا أصبحت جميع الأعمال التي تختص بها الوزارات المختلفة محلا لاستجواب رئيس مجلس الوزراء عنها الأمر الذي يتعارض مع حكم الدستور ويفضي الى تقديم العديد من الاستجوابات لرئيس مجلس الوزراء تكبله عن أداء واجبه.
والأصل ان المسؤولية السياسية لدى مجلس الامة إنما تقع على عاتق الوزراء فرادى مع الأخذ في الاعتبار انها تنصرف الى الأعمال وليس الاشخاص بالإضافة الى مسؤولية رئيس مجلس الوزراء والوزراء بالتضامن امام سمو الأمير عن السياسة العامة للدولة ومسؤولية كل وزير أمامه عن اعمال وزارته الأمر الذي يؤكده صريح حكم الدستور الذي لم يقتصر على نص واحد وإنما تناولته نصوص متعددة يقوي بعضها بعضا لتعزيز هذا النظر ويؤكد ذلك ما جاء بالمذكرة التفسيرية ومناقشات المجلس التأسيسي في هذا الصدد حال اعداد الدستور.
هذا، بالإضافة الى ان عبارة «السياسة العامة للدولة» الواردة بالمادة 58 وعبارة «السياسة العامة للحكومة»، الواردة بالمادة 123 من الدستور لا تستويان معنى ودلالة حيث لفظ الدولة يعني الدولة بمعناها الواسع ولفظ الحكومة يعني الوزارة وهي الهيئة التي يتشكل منها مجلس الوزراء وعبارة «السياسة العامة للدولة» اعم وأشمل في التعبير من عبارة «السياسة العامة للحكومة» كما ان الاصل في السياسة العامة للحكومة انها متغيرة بتغير الحكومات بينما السياسة العامة للدولة تتسم بقدر من الثبات لمدة طويلة وتتعلق بالتوجيهات العامة للدولة ذات الاهمية والتي لها آثارها في شؤونها الداخلية والخارجية والمرتبطة بمصالح الدولة العليا للعمل على سلامة امنها في الداخل والخارج وإقامة العدل وحفظ النظام وممارسة الدولة لوظائفها الرئيسية.
أما السياسة العامة للحكومة التي يرسمها مجلس الوزراء فهي تعني الاطار العام الذي تتخذه الحكومة منهجا لها في توجيه العمل الذي تسير على خطاه وزارات الدولة ومصالحها وما تنوي الحكومة النهوض به من اعمال ومشروعات وخطط مستقبلية في المجالات المختلفة والتي تضمنها الحكومة برنامجها وتقدمه الى المجلس حتى يتيسر للمجلس الالمام بهذا البرنامج وإبداء ما يراه من ملاحظات عليه.
ومن ثم فإن المسؤولية التضامنية امام سمو الأمير والتي تشمل الوزراء جميعا لا تقتصر على السياسة العامة للدولة فحسب بل تتسع لتشمل السياسة العامة للحكومة ايضا.
وترتيبا على ذلك فإنه وإن كان لعضو مجلس الامة الحق في استجواب رئيس مجلس الوزراء فيما يدخل في اختصاصه كما لعضو المجلس الحق في ان يتخير الوقت المناسب لتوجيه هذا الاستجواب الا ان ذلك منوط بأن تكون المسؤولية عن السياسة العامة للحكومة المراد استجواب رئيس مجلس الوزراء فيها قائمة ومستمرة باعتبار انها هي التي تهم المجلس للحكم لها او عليها.
ومن ثم فإنه وعملا بنصوص المواد (100، 123، 127) من الدستور وفي ضوء ما ارتبط بها من نصوص دستورية اخرى تفسيرا ومقصدا وعلى نحو ما تقدم:
1 - كل استجواب يراد توجيهه الى رئيس مجلس الوزراء ينحصر نطاقه في حدود اختصاصه في السياسة العامة للحكومة دون ان يتعدى ذلك الى استجوابه عن اي اعمال تنفيذية تختص بها وزارات بعينها او اي عمل لوزير في وزارته.
2 - ان المسؤولية السياسية لدى مجلس الامة تقع على الوزراء فرادى.
وقد ايد هذا النظر كل من الفقهاء الدستوريين وممثلي الحكومة سواء وزارة العدل او الفتوى والتشريع في محضر اجتماع اللجنة بتاريخ 6/12/2018 شفاهة او كتابة من خلال المذكرات التي قدمها البعض منهم.
ومن ثم يكون الاستجواب المقدم من السيد النائب شعيب المويزري مخالفا لمواد الدستور المشار إليها سواء فيما قصدت او فسرت لأن ما تناوله محور الاستجواب هو عبارة عن اعمال تنفيذية تدخل في صميم العمل التنفيذي لبعض الوزارات مثل الأشغال والدفاع المدني والمؤسسات والإدارات ذات الصلة بمواجهة تلك الظواهر والأحداث ويسأل عنها كل وزير في حدود اختصاصه اذا تبين وثبت انه كان مقصرا في تدارك الاضرار التي تنجم عند حدوثها.