أخذ الله تعالى بأيدينا في سورة الروم ليبين لنا دلائل وشواهد وحججا وبراهين عقلية تثبت أن لهذا الكون إلها واحدا أحدا، وبيّن لنا عز وجل باهر آياته الكونية التي تبين عظمة خلقه والدالة على رحمة الله بعباده وقدرته وحكمته في خلق الأنفس وخلق السماوات والأرض، ثم بين ان البعث حق، ثم أخذ بأيدينا لسبر أغوار النفس البشرية.
قوة المؤمن
أخبرنا الله تعالى الفرق بين انفعال المؤمن وانفعال الكافر الذي إذا مسه الخير فرح به وكأنه مستحق لهذه النعمة، وإذا أصابه الشر قنط ويئس، أما المؤمن فهو على أفضل حال كما قال النبي صلى الله عليه وسلم «عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن اصابته ضراء صبر فكان خيرا له»، وهنا تكمن قوة المؤمن الحق ان أمره كله خير وان الله تعالى يريد ويحب ويدبر له الخير، فالله عز وجل يريد ان يرحمه ويغفر له ويكرمه ويسعده في الدنيا والآخرة فتطمئن القلوب ولا يجزع إن أصابته الحوادث بل يقابلها باطمئنان وتسليم فهو يؤمن بالقدر خيره وشره.
الله الرزاق
(أولم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون) إذا منّ الله عليك أيها العبد فإن المنة من الله عز وجل وإن أمسك فإنه منة منه،أنت تأخذ بالأسباب التي أمرك بها، والله هو الذي يدبر أمرك، وهو الذي يرزقك، فالرزق بيد الله وهو المتصرف الفاعل لذلك بحكمته وعدله فيوسع على ناس ويضيق على آخرين. والرؤية هنا رؤية علم.
أهل الإيمان
(إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون) أهل الإيمان يعرفون أن الله هو المدبر، إذا بسط له الرزق حمد ربه، وإذا ضيق عليه حمد ربه وصبر وسأل الله وأحسن الظن في ربه ورجا ما عنده سبحانه.
ذو القربى
(فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل.. الآية) الأرزاق والأموال ملك لله وأنت أيها الإنسان مؤتمن عليها، والمال قائم في الإسلام على الوفرة وليس القلة كما في الغرب، والله ضمن للناس كلهم أرزاقهم فلا خوف للمسلم من قلة المال وهذا بعكس النظرية الغربية، لكن نحن مأمورون، كما ان المال لله وأنت مستخلف فيه، وستحاسب على المال الذي وهبك الله إياه وستسأل فيم أنفقته، فالمسؤولية جزء من شخصية المسلم، وقد جعل الله المال قوام الحياة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «نعم المال الصالح للعبد الصالح» الذي يكسبه من حلال وينفقه في حقه نعمة عظيمة نشكر الله عليها ونحافظ عليها ونصرفها فيما أمر الله به.
الزكاة
وقد أوجب الله الزكاة على المسلمين حتى لا تكون منّة منه للفقير، والأقرباء لهم الحق في أموالكم ولهم الحق في الصلة والبر، والله يأمر بإعطاء ذي القربى حقه، والمسكين وهو الذي عنده مال ولكن لا يكفيه.. وابن السبيل وهو المسافر المحتاج إلى نفقة الذي يمر على ديارك فأنت مأمور بالإنفاق عليه واكرامه (ذلك خير) هذا الانفاق على الأقارب والمسكين وابن السبيل خير للذين يريدون النظر الى الله يوم القيامة وهو الغاية القصوى وهو غاية المنى. المطلوب عظيم والثمن قلـــيل.
(أولئك هم المفلحون) الفلاح في اللغة من أجمع الألفاظ وادراك كل مرغوب، أولئك الذين يعطون بإخلاص لله هؤلاء الذين عرفوا ربهم، و«الـ» تفيد الاستغراق وأولئك المفلحون في الدنيا والآخرة.
الربا
بعد أن بين الله عز وجل العمل الذي يقصد به وجهه، بين سبحانه ذلك العمل الذي يقصد به مقصد دنيوي فقال: (وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله.. الآية) إذا كان عندك فضل مال تعطي الإنسان بزيادة على القرض، فالنظرة الآن محصورة في الدنيا، الربا يربح في الحسبة الورقية لكن فعليا عند تسلّم الأموال (يمحق الله الربا) ويكون ليس فيه بركة، ومازلنا نرى العالم في الأزمات المالية وما هي إلا ضربات، لكي تراجع منهجها لأنهم مازالوا يتعاملون بالربا.. وما ذكر الله تعالى لفظة الحرب إلا في الربا (فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم)، (وما آتيتم من زكاة) اي ما أعطيتم من صدقة تريدون بها وجه الله (فأولئك) الذين يتصدقون بأموالهم راجين وجه الله (هم المضعفون) هم الذين لهم الضعف في الأجر والثواب.
ألقيت المحاضرة في مسجد
فاطمة الجسار بمنطقة الشهداء