لم يطرأ تحسن على الوضع في منطقة الخليج التي مازالت مسرحا للتصعيد والتوتر ولأحداث متنقلة كان آخرها صباح اليوم (أمس) سقوط صاروخ قرب قاعدة أميركية في الموصل، وسقوط صاروخ قريب على مقر شركة نفط أجنبية في البصرة، بعدما كان سقط قبل أسبوعين صاروخ على المنطقة الخضراء في بغداد، بما يعني أن الوجود العسكري الأميركي مستهدف وتحت مرمى النيران، وهذه «التطورات ـ المؤشرات» على الأرض تترافق مع حركة رسائل سياسية:
٭ وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو (وبعد أيام على اتهام إيران بأنها تقف وراء عملية استهداف ناقلتي النفط في بحر عمان)، يشدد، وعقب اجتماع مغلق مع قادة الجيش في مقر القيادة المركزية الوسطى بولاية فلوريدا، على أن الولايات المتحدة مستعدة لردع التهديدات الإيرانية، مشيرا إلى أن الخارجية والپنتاغون يعملان لوضع البدائل والخيارات كافة على طاولة الرئيس دونالد ترامب لاتخاذ القرار، إذا ما وجهت إيران تهديدا للجنود والمصالح الأميركية، وذلك غداة قرار الپنتاغون إرسال ١٠٠٠ جندي إضافي إلى المنطقة.
٭ غداة إعلان الپنتاغون نشر مزيد من القوات في الشرق الأوسط لردع تهديدات إيران، قال قائد «الحرس الثوري» حسين سلامي إن صواريخ إيران الباليستية دقيقة بدرجة يمكنها معها إصابة حاملات طائرات في البحر.
وتابع: «لقد بحثنا منذ ١٢ عاما عن طريق لإنهاء قصة حضور حاملات الطائرات الأميركية». وأدلى مسؤولون إيرانيون منذ هجوم الخميس الماضي على ناقلات النفط بتصريحات عدة حازمة بشأن الأمن، منها قول علي شمخاني،أمين عام المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، إن طهران مسؤولة عن أمن الخليج، وحثه القوات الأميركية على مغادرة المنطقة.
٭ موسكو صعدت من لهجتها التحذيرية حيال ازدياد الحشود العسكرية الأميركية في منطقة الخليج العربي، وأعرب الكرملين عن مخاوف من زيادة مخاطر الصدام في المنطقة والانزلاق الى مواجهة، داعيا الأطراف الإقليمية إلى ضبط النفس وعدم الانجرار وراء استفزازات. وجاء الموقف الروسي بعد الإعلان عن إرسال نحو ألف جندي أميركي إضافي إلى الشرق الأوسط، وبعد تحذير طهران من أنها ستتجاوز قريبا الحد المسموح به من مخزون اليورانيوم بموجب الاتفاق النووي الدولي.
بقاء الوضع في دائرة الخطر يبقي الترقب سيد الموقف ومعه حال الغموض وعدم اليقين إزاء الأزمة وكيف ستتطور في الأشهر القليلة المقبلة، وقبل دخول الولايات المتحدة في فلك انتخابات الرئاسة والوقوع تحت تأثيرها. وهذا أحدث تقييم للأزمة وتصور لمسارها واحتمالاتها استنادا الى مصدر ديبلوماسي متابع، ويمكن اختصاره في الخطوط والنقاط التالية:
1 ـ ما يحصل هو في جوهره رد فعل إيران على حملة الضغوط السياسية والاقتصادية التي شنتها الولايات المتحدة منذ عام، وبلغت الذروة مع فرض العقوبات النفطية... إيران عملت على خلق فجوة بين الولايات المتحدة والمجتمع الدولي، وخصوصا أوروبا، ولكنها لم تنجح في تحقيق أي شيء من وراء هذه السياسة، وقررت أخيرا أن تظهر للجميع أن ثمة تكاليف ومخاطر مترتبة على الاستمرار في النهج الحالي، وأن تضييق الخناق عليها يؤدي الى تعريض استقرار وأمن الخليج، وأن استمرار الضغوط والعقوبات يقابله استمرار التوتر والعمليات.
2 ـ إدارة ترامب تقول دائما إنها ستتخذ موقفا صارما تجاه إيران في المنطقة، ولكن كل ما فعلته حتى الآن كان فرض عقوبات من دون الإقدام على أي إجراءات وخطوات عسكرية في التصدي لأنماط جديدة في السلوك الإيراني. وبعدما كان ترامب في وقت سابق هدد تقريبا بسحب القوات الأميركية من سورية، ما أضعف القدرة الأميركية على التصدي لإيران، فإنه يكرر رسائله ومواقفه في هذه الفترة بأنه لا يريد الحرب مع إيران. وهذا مؤشر ضعف من جهته أعطى إيران هامش حركة ومناورة في المجالين الأمني والعسكري والقدرة على التحكم بقواعد اللعبة، بعدما اطمأنت الى «محدودية» التهديدات والإجراءات الأميركية، وبأن واشنطن لا تريد إسقاط النظام الإيراني وإنما التفاوض معه، وبأن تعزيزاتها العسكرية في المنطقة لا تهدف الى شن حرب وإنما الى منع الحرب وردعها، وهذا ما يكسب إيران، إضافة الى القدرة على ممارسة مزيد من الضغوط الأمنية، فرصة الدخول على خط العلاقة بين أميركا وحلفائها لدق إسفين وزرع الشكوك، خصوصا لدى السعودية، بعد ردة الفعل الأميركية المحبطة على الهجوم على ناقلات النفط في مياه الخليج.
3 ـ ترامب يرغب في نهاية الأمر في التفاوض، ومن الواضح أنه يرغب في تطبيق النهج الذي اتبعه مع كوريا الشمالية. ولكن الإيرانيين لا يميلون نحو التفاوض مع ترامب في الوقت الحاضر، ويرون أن الدخول اليوم في مفاوضات معه سيبدو بمثابة مكافأة له على انسحابه من الاتفاق النووي، كما يعتبرون أن مفاوضات في ظل العقوبات تعني «مؤشر ضعف» من جهتهم واستعداد الرضوخ للشروط الأميركية.
4 ـ إيران ستصل في نهاية الأمر الى خيار التفاوض. هي أهدرت فرصة سانحة وجيدة عندما لم تتجاوب مع الوساطة اليابانية التي فتحت لهم مجال التحدث مباشرة مع ترامب، وتعاملت بشكل فظ مع رئيس الوزراء الياباني «شينزو آبي». وهذا يدل على أن إيران غير جاهزة بعد للذهاب الى طاولة المفاوضات ولا تريد ذلك الآن، وإنما تحتفظ لنفسها بحق اختيار التوقيت والظروف والشروط. في التوقيت، ربما تكون إيران تنتظر دخول الولايات المتحدة في مرحلة الانتخابات الرئاسية التي ستقي د ترامب وربما أسقطته لأنها تفضل التفاوض مع رئيس آخر يكون في هذه الحال من الحزب الديموقراطي الذي صنع الاتفاق النووي أيام الرئيس باراك أوباما، ولا مشكلة لديه في العودة الى هذا الاتفاق للتفاوض وإدخال إضافات عليه.
في الشروط، تضع إيران، فيما لو قررت التفاوض قبل الانتخابات الأميركية ومع ترامب، شرطين أساسيين: الأول هو التراجع الأميركي خطوة الى الوراء عبر رفع العقوبات، أو على الأقل التخفيف ومنها القيود المفروضة على تصدير النفط الإيراني. والثاني هو العودة الى الاتفاق النووي واعتماده أساسا للمفاوضات التي سترمي الى تعديله أو توسيعه ليشمل مسائل أخرى مطروحة أوروبيا وأميركيا، مثل دور إيران ونفوذها الإقليمي وبرنامجها الصاروخي الباليستي.
5 ـ أي مفاوضات يمكن أن تجري بين إيران وأميركا في هذه المرحلة ستكون مفاوضات غير مباشرة وعبر أقنية ديبلوماسية واستخباراتية سرية، ولكنها لا تصل الى تحقيق نتيجة واختراق مهم، وإنما الى احتواء الأزمة وتهدئة اللعبة وكسب الوقت. وأي إجراءات ورسائل عسكرية وسياسية متبادلة تتخذ وتطلق في هذه المرحلة، إنما تهدف الى ضبط الوضع ومنع انزلاقه الى حرب ومواجهة واسعة.
هذه مواجهة تحتسب بالنقاط، وحتى الآن إيران هي التي تتقدم. قبل أشهر كان الحديث والرهان حول تأثير العقوبات على الشعب الإيراني وإمكانية أن تؤدي الى انتفاضة وسقوط النظام الإيراني، بسبب عدم قدرته على تحمل هذه العقوبات المشددة. وكانت النتيجة أن الضغوط الأميركية وحدت الداخل الإيراني والشعب خلف قيادته، وأن إيران أظهرت قدرة وفق مؤشرات أولى على التكيف والتأقلم مع العقوبات النفطية، وبالمقابل أظهرت واشنطن استعدادا لإظهار ليونة (مؤشر السماح للعراق باستيراد النفط والكهرباء من إيران)، وصار الحديث ليس عن مصير النظام الإيراني وهل يسقط أم لا، وإنما عن مصير الرئيس ترامب في الانتخابات المقبلة، وهل يفوز أم لا في انتخابات يبدو أن إيران ستكون ناخبا أساسيا فيها.