وصايا ربانية
(ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه...)، الله سبحانه وتعالى هنا يقول أمرنا الإنسان بالبر بوالديه، ولما كان الأب هو صاحب السطوة وصاحب المهابة في البيت خُشي أن يضيع حق الأم، فأظهر الله عز وجل خصوصيتها حتى يظهر حقها أيضا في هذا البر، يقول عز وجل: (حملته أمه وهناً على وهن وفصاله في عامين)، يسترقق الله عز وجل هنا الولد على أمه، يقول تذكّر أن هذه المرأة قد تعبت وحملت فيك وأرضعتك وسهرت عليك، هذه المرأة تستحق أن تؤدي لها حقها سبحان الله، حتى الله سبحانه وتعالى يخاطب الإنسان باستنهاض عواطفه، يخاطب هذا الولد بعاطفته ليس فقط بعقله، وهكذا يجب أن يتخاطب الآباء مع الأبناء، ولا يخفى عليكم أن مكانة الوالدين في الإسلام عظيمة، فلطالما قرنها الله عز وجل بعبادته وتوحيده، قال سبحانه وتعالى: (أن اشكر لي ولوالديك)، يعني لا بد أن تتوجه إليّ بالشكر وبالعبادة وبالطاعة وكذلك تتوجه الى والديك بالطاعة وبالمعاملة بالمعروف وبالبر.
تحذير
(إليّ المصير)، سبحان الله! لخواتم الآيات باب كامل في القرآن، هذا تحذير من الله عز وجل، انظر الى الخطاب كيف بدأ، بدأ بالعناية بالكلام، يقول الله عز وجل (وصينا) فينتبه الإنسان الى أن هذه وصية من الله عز وجل، ثم حلل الإنسان على آثار عواطفه وذكره بإحسان والدته عليه، ثم أمر بشكرهما ثم قال عز وجل (إليّ المصير)، هذه فيها أيضا تحذير، إياك أن تنتقص من هذا الحق، فإنك بلا شك عائد إليّ، مصيرك إليّ، فأجازيك بما فعلت، فهنا يرتعد قلب السامع ويعلم أن الأمر جلل والخطب عظيم، فلما أمر الله بذلك الأمر بيّن تفاصيله وحدوده، وكذلك يجب على كل أم وأب عندما تأمر بأمر فصّل في هذا الأمر وبيّن حدوده وتفاصيله حتى لا يخطئ الذي تتعهد إليه في هذا الأمر، فلما أمر الله عز وجل بمطلق طاعة الوالدين حدّ هذه الطاعة وبيّن حدودها.
متى لا نطيع الوالدين؟
قال سبحانه وتعالى: (وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما) (آية 15)، يبين الله عز وجل هنا، نعم أمرتك بطاعة والديك ولكن هذه الطاعة لا تكون إلا في معروف وفيما يرضي الله، فإن كانا يأمرانك بمعصية أو بكفر الله عز وجل أو جحوده فإن هذا ليس من الأمر الذي يُطاع أو يُسمع، ورغم ذلك أمر الله عز وجل بأن يصحبا في الدنيا صحبة معروف، والمعروف هو كل خير تعارف عليه الناس، يقول عز وجل: (وصاحبهما في الدنيا معروفا)، بالمعروف الذي لا إثم فيه، لا تأثم بهذه الصحبة وتطيعهما فيما يرديك عند ربك، خذ بخاطرهما وحاول أن تتودد اليهما حتى لو كانا كافرين وأنت من أهل الإيمان، يقول سبحانه وتعالى: (واتّبع سبيل من أناب إليّ)، الباحث جزاه الله خيرا جمع هذه الوصية فيما قبلها، لكنني قد أفردتها، فالأمر فيه تصرف، أفردتها لأن الله سبحانه وتعالى يقول في تتابع الوصايا، هذه وصية بماذا؟ بالصحبة، احرص على من تصاحب، لا تتبع كل فاسد، لا ترافق الفاسق، لكن الزم واتبع من أناب إليّ من رجع إليّ في كل أمر واتبع سبيلي وكان على هدى شرعي، كما قال عز وجل في سورة الكهف: (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه)، إياك أن يسرقك بهرج الدنيا وزينتها أو أن يسرقك هؤلاء الذين يملأون الدنيا صخبا، فرحين بدنياهم وبما عندهم فيها، هذا هو السبيل الذي ينجيك، أما الآخر فسبيل يرديك، وهذه من الحكم العظيمة أن الوالد والوالدة يجب أن يحرصا على صحبة أبنائهما، نعم الصاحب ساحب، لا تسأل عن المرء واسأل عن خليله. إذن، مهمة الآباء والأمهات أيضا تتبع الأبناء في صحبتهم.
سبب النزول
أنزلت هذه الآية في سعد بن مالك رضي الله عنه، (وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما...) الآية، وقال: كنت رجلا باراً بأمي، فلما أسلمت قالت يا سعد ما هذا الذي أراك قد أحدثت؟ يعني بالنسبة لها هو ترْك دين آبائه، لتدعن دينك هذا أو لا آكل ولا أشرب حتى أموت، فتعيّر بي فيقال يا قاتل أمك، فقلت لا تفعلي يا أماه، فإني لا أدع ديني هذا لشيء، فمكثت يوما وليلة لم تسمع، مكثت بين العرب في مرأى من أسماعهم وأبصارهم، فمكثت يوما وليلة دون أن تأكل شيئا، فأصبحت حتى جهدت «تعبت»، فمكثت يوما وليلة أخرى لا تأكل، فأصبحت قد اشتد جهدها، هي الآن تريد أن تبتزه عاطفيا، كما نقول نحن، فلما رأيت ذلك قلت يا أماه تعلمين والله لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفسا نفسا ما تركت ديني هذا لشيء، هي تتكلم في أمر لا يمكن النقاش فيه ولا يمكن التنازل فيه، قال لو كان لك مائة نفس فخرجت نفسا نفسا ما تركت ديني هذا لشيء، فإن شئت فكلي وإن شئت لا تأكلي فأكلت.
وقد كان سعد بن مالك، رضي الله عنه وأرضاه، باراً بها، فالله سبحانه وتعالى عندما بيّّن الأمر بالطاعة بين لنا حدّ هذا الأمر، أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وهذه قاعدة يتبعها الإنسان في كل أمور حياته.
ألقيت المحاضرة في مسجد فاطمة الجسار بالشهداء