يسارع كثير من المحسنين برصد الأوقاف لذويهم ولأنفسهم من أجل نيل الثواب والأجر، فما أجر الوقف؟ وما منافعه للمسلمين؟ هذا ما يوضحه لنا الشيخ د.محمد الحمود النجدي فيقول: يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: (إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضا حسنا يضاعف لهم ولهم أجر كريم - الحديد: آية 18).
فقد حثّ الله تعالى عباده على التصدق في سبيله والبذل والعطاء، لما للصدقات، والصدقات الجارية خاصة (الوقف) من فوائد عظيمة للأمة الإسلامية جمعاء، وليس للواقف والمتصدق نفسه فقط.
وزاد، والوقف صورة عظيمة من صور البر والإحسان في الإسلام، صورة تغطي جانبا من جوانب التكافل، وتعالج معالجة حقيقية لكثير من حاجات المجتمع واحتياجاته.
وأضاف، ويُعرف الوقف الخيري بأنه كل شيء يتصدق به الإنسان على جهة من جهات البر والخير الذي لا ينقطع ابدا، فالواقف يقوم على حبس عين معينة بالا تكون ملكا لأحد ويجعل الوقف وريعه لجهة من جهات البر، وذلك من اجل ان يعم نفعها على جميع المسلمين ويدوم، ويدخل في هذا الوقف كل من الفقراء والمساكين واليتامى والمحتاجين وطلاب العلم والمجاهدين وغيرهم.
وقال اهل العلم: الوقف شرع لمصالح لا توجد في سائر الصدقات، فإن الإنسان ربما صرف مالا كثيرا ثم يفنى هذا المال ثم يحتاج الفقراء مرة اخرى أو يأتي فقراء آخرون فيبقون محرومين، فلا احسن ولا انفع للعامة من ان يكون شيء وقفا للفقراء وابن السبيل يصرف عليهم من منافعه ويبقى اصله، ففي الوقف تطويل لمدة الاستفادة من المال وإفادة للأجيال اللاحقة، بما لا يضر الأجيال السابقة.
فوائد عظيمة
وعن فوائد الوقف التي تعود على الواقف والأمة الإسلامية، قال د.النجدي: إن الله تعالى يضاعف للواقفين قروضهم التي أقرضوها لربهم في الدنيا فيوفيهم ثوابها يوم القيامة بأجر كريم، وذلك هو الجنة كما جاء في الآية السابقة.
كما ان اجر الواقف دائم لا ينقطع حتى بعد انتهاء حياة المتبرع ورحيله عن هذه الدنيا الفانية، يقول سبحانه وتعالى: (إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين - الحديد: آية 12)، وأكد النجدي أن الوقف يمكن اهل الخير والصلاح من تقديم الدعم للمجتمعات والقيام بمسؤولياتهم الاجتماعية والعلمية والتربوية والإغاثية تجاه إخوانهم المسلمين في داخل بلادهم وخارجها، بالإضافة إلى أن الواقف يساهم في إحياء سنة من سنن النبي صلى الله عليه وسلم، كما أن الوقف من الأمور الضرورية والمهمة في مثل هذه الأوقات، إذ أضحت الدول اليوم لا تعطى كافة الجهات المحتاجة حقها من بيت المال وربما تعطلت هذه الجهات وتضرر المسلمون .
ومن فوائد الوقف، يعدد د.النجدي أن الفوائد تعود على الجهات العلمية والتربوية، حيث يحفظ الوقف العلم الشرعي من القرآن والسنة وعلومهما من الضياع، وخاصة في الوقف القائم على انشاء المدارس وكفالة المدرسين وطلبة العلم وطباعة الكتب.
كما تعم فائدة الوقف على الجهات الأسرية عندما يوقف الواقف بعض امواله او بعض ممتلكاته على ذريته ومصالحهم فإنه سيحرص على حمايتهم من الحاجة والفقر، ويضمن لهم مستقبلهم.
ففي الوقف ضمان لحفظ المال ودوام للانتفاع به وتحقيق للاستفادة منه مددا طويلة، وآمادا بعيدة.
جهات اجتماعية وعسكرية
وأضاف، اما فائدة الوقف في الجهات الاجتماعية فيتمثل في مساعدة الجهات الفقيرة والمحتاجة في المجتمعات الإسلامية، ومن الناحية العسكرية عندما يخصص جزء من الوقف الى الجهات العسكرية والمجاهدين، فإن نفعه عليهم عظيم، إذ يستطيعون شراء الأسلحة والأدوات اللازمة لزيادة قوة الجيش وتدريب الأفراد.
وكان اول المسارعين الى ذلك هم اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد بادروا بوقف جزء من اموالهم وحبس اشياء من املاكهم وعقارهم، فها هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه يستأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في أفضل طرق الخير ووجوه البر، قائلا: يا رسول الله: إني أصبت مالا بخيبر، ما اصبت مالا انفس عندي منه، فما تأمرني؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «إن شئت حبست اصلها وتصدقت بها، غير ان لا يُباع اصلها، ولا يوهب ولا يورث قال: فتصدق بها عمر في الفقراء، وفي القربى، وفي الرقاب، وفي سبيل الله وابن السبيل والضعيف لا جناح على من وليها ان يأكل منها بالمعروف او يطعم صديقا غير متمول فيه» متفق عليه.
أمثلة
واستشهد د.النجدي بموقف آخر فقال: وهذا أبوطلحة رضي الله عنه كان اكثر الأنصار بالمدينة مالا وكان احب ماله إليه بستان بيرحاء وكان مستقبل المسجد، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء طيب فيها.
قال انس بن مالك رضي الله عنه: فلما نزل قوله تعالى: (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون - آل عمران: آية 92) قام أبو طلحة فقال: يا رسول الله إن الله تعالى يقول: (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) وإن أحب أموالي إلي بيرحاء وإنها صدقة لله، أرجو برها وذخرها عنده، فضعها حيث أراك الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «بخ بخ، ذلك مال رابح»، وقد سمعت ما قلت وإني أرى أن تجعلها في الأقربين، فقال أبو طلحة.
أفعل ذلك يا رسول الله فقسمها أبوطلحة في أقاربه وبني عمه. رواه مسلم.
وأوقف ابوبكر رضي الله عنه رباعا له في مكة على الفقراء والمساكين وفي سبيل الله وذوي الرحم القريب والبعيد وأوقف عثمان وعلي وسعد بن أبي وقاص وجابر بن عبدالله وعقبة بن عامر والزبير رضي الله عنهم أجمعين.
وقال: ومن أمهات المؤمنين أوقفت عائشة وأم سلمة وصفية وأم حبيبة رضي الله عنهن، وخالد بن الوليد رضي الله عنه احتبس ادرعه وأعتاده في سبيل الله.
يقول جابر رضي الله عنه: ما بقي احد من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم له مقدرة إلا أوقف، وقال الشافعي رحمه الله: وأكثر دور مكة وقف.
ثم سار بعدهم الأغنياء من المسلمين فأوقفوا الأوقاف فبنوا المساجد وأنشأوا المدارس والكتاتيب وأقاموا الأربطة وسبلوا المزارع لم يدفعهم إلى التبرع بأنفس ما يجدون وأحب ما يملكون ولم يتنازلوا عن هذه الأموال الضخمة والثروات الهائلة إلا لعظم ما يرجون من فضل ربهم ويأملون عظيم ثوابه سبحانه، ثم الشعور بالمسؤولية تجاه جماعة المسلمين والأقربين أفرادا وجماعات، جمعيات وهيئات أقرباء وغرباء.