- العراقيون نقموا على الكويت تطورها فدمروا بجنون منشآتها فنسفوا برج الساعة في قصر السيف بأسلحة مضادة للدبابات
- الجيش العراقي المنسحب نسف معهد الأبحاث العلمية بالديناميت ودباباته أطلقت قذائفها على واجهته فدمرته
إعداد: شافعي سلامة
نشر د.نواف عبدالعزيز الجحمة أستاذ مشارك، كلية التربية الأساسية بالهيئة العامة للتعليم التطبيقي دراسة بعنوان «واقع الكتب والمكتبات أثناء أزمة الكويت 1990»، والتي تدور في محورها حول الآثار التي تركها الاحتلال العراقي الغاشم على الكويت.
وباستعراض محاور وأهم ما تطرقت إليه الدراسة، فقد أشار د.الجحمة إلى أهمية المخطوطات التي تشغل مكانة مميزة لكونها جزءا من الذاكرة الجماعية ومنتوجا حضاريا للأمة، الأمر الذي يوجب حمايتها ودراستها ونقلها إلى الأجيال القادمة لتمثل استراتيجية في مجال كتابة التاريخ العلمي والثقافي، حيث يعد تراثنا المخطوط أضخم تراث عرفته البشرية.
وأشارت الدراسة الى أن الغزوات الخارجية، والفتن الداخلية التي أصابت الدول العربية قد أحدثت جروحا غائرة في جسد تراثنا المخطوط، حيث ما زالت آثارها واضحة للعيان حتى الآن، فقد مزق هذا التراث شر ممزق، وأتلف منه ما أتلف، وسرق منه ما سرق، وما تبقى منه في الخزائن والمكتبات إلى الآن هو في كثير من الأحيان أشلاء متناثرة، وهذا يلقي على الخزائن والمكتبات مسؤولية كبيرة في الحفاظ وصيانة وفهرسة ما لديها من أصول هذا التراث فهرسة علمية دقيقة تعرف به وتيسر استخدام الباحثين له.
تطرقت الدراسة الى أن الكويت تعد من بين الدول العربية الإسلامية التي لها كان رصيد تراثي ومخطوط، ويعود ذلك إلى العدد الكبير من المؤسسات العلمية والثقافية، ما يؤكد أن الكويت مساهمة واضحة في ازدهار الثقافة العربية من خلال انتشار مراكزها الإشعاعية، وما يؤسف له أن شطرا كبيرا من هذه المخطوطات التي ازدانت بها المكتبات ضاع بسبب ما تعرضت له الكويت من عدوان همجي وغزو بربري، عندما اقتحم النظام العراقي بجيوشه الكويت في الحادي عشر من شهر المحرم 1411هـ الموافق الثاني من أغسطس 1990م، فقد دمر النظام المتطرف المكتبات الكويتية في إطار لاختزال الكويت إلى مستعمرة مستضعفة خاضعة لإرادة النظام - وهو نمط يعيد إلى الأذهان التدمير النازي لپولندا، ودمر الصرب مكتبات المسلمين بسبب الضرورة المتصورة لتنفيذ تطهير إثني، وعندما تكون غاية المعركة «محو ثقافة» ما في مقابل الرغبة الخالصة في الإطاحة بنظام سياسي، يصاحب غزو الأراضي وإخضاع سكانها، تدمير المكتبات وأي مؤسسات أخرى تساند الذاكرة أو تضفي شرعية على هويات قديمة.
إبادة الكتب والمحو
وسراب الأصل
ولفتت الدراسة إلى انه في أثناء عهد الإرهاب الذي امتد لـ 6 أشهر تحت هيمنة 100 ألف جندي عراقي دُمرت البنى التحتية الاقتصادية والثقافية للكويت، ما ترك البلاد مجرد هيكل متداع. وقد استهدف الاحتلال الكويتيين أفرادا وجماعات، حيث دُمرت ممتلكاتهم الشخصية، وآثارهم الثقافية ومؤسساتهم، ولم يكن في الحياة الكويتية أي ملمح صغير أو كبير إلا طالته يد الحملة العراقية، وكانت المؤسسات الثقافية والتعليمية - بما فيها المكتبات ومراكز المعلومات - الأكثر تضررا جراء الاحتلال. واستخدمت المدارس مراكز قيادة ومستودعات ذخيرة، ودمر نحو 43% من مخزون الكتب في المكتبات المدرسية.
ووفقا لأحد التقديرات، فقد ضاع أكثر من مليون كتـاب أطفــال وكتــاب تعليمـي، بدءا من تفكيك المكتبات العامة ونهبها، وهي العملية التي فقد فيها 133199 مجلدا، أو نحو 45% من محتوياتها، كانت حملة منهجية ومخططا لها سلفا.
الدمار الأسوأ
أما الدمار الأسوأ فكان في المكتبات الأكاديمية، حيث جاء عدد من المديرين الأكاديميين العراقيين وأعضاء هيئة التدريس في الكليات وقيمين على مكتبات للإشراف على عملية نقل الكتب وإدارتها، وأتلف جزء كبير من مقتنيات الكتب في مكتبة جامعة الكويت التي ضمت 24410 مراجع و540955 مجلدا وتقريرا ورسالة ومواد سمعية وبصرية وميكروفيلم ودورية.
والواقع أن القوات الغازية حطمت البنية المادية للجامعة بكاملها، إذ استخدمت الفصول الدراسية ثكنات للجنود، ونهب منها أي شيء يمكن نقله إلى العراق، وشحنت كتبا ومواد المكتبات إلى بغداد. واختفت مكاتب أقسام وملفات بكاملها، وفقد باحثون مواد بحثية لا يمكن تعويضها، ومكتبات شخصية. وعندما رسخت قوات التحالف سيادة الكويت، وفرضت الأمم المتحدة عقوبات على العراق، سارعت «عمليات التدمير»، فقد واصلت قوات النظام هجماتها ضد الاقتصاد بإضرام النيران في حقول البترول، وضرب قواعدها الثقافية والفكرية، فعندما وصل مدير المتاحف ببغداد إلى الكويت، أجرى مسحا لمجموعة محتويات (متحف الكويت الوطني)، وشحن الآثار التي تثير اهتماما خاصا إلى العراق، ثم أحرق مجمع المتحف بكامله، وشملت الخسائر كتبا في الفن، ومخطوطات في مكتبة كانت موضع تقدير بالغ من الباحثين (مركز المخطوطات والتراث والوثائق نموذجا)، وأحرقت القوات النظامية القبة السماوية والمعامل المجاورة، ودمرت آثارا عديدة من الثقافة العربية القديمة في هذا العدوان.
وقالت الدراسة إنه من المحزن أن الذين أشرفوا على عمليات التدمير للمؤسسات العلمية والثقافية كانوا يحملون ألقاب العلم ودرجاته، وهذا الأمر توضحه وثيقة تقرير مقدم من العميد العراقي الذي عين للإشراف على كلية العلوم الكويتية.
كارثة ثقافية
وبحسب الدراسة، فإنه من أبرز المؤشرات على الإتلاف نلتقطه من خلال الضرر المادي الذي وقع بأنظمة المعلومات الوطنية التي استغرق بناؤها سنوات إتلافا ممنهجا، يصف لنا شوقي سالم ضياع أنظمة الكمبيوتر والمكتبات والمعلومات في الكويت بأنه «كارثة ثقافية»، مشيرا إلى أن الخبراء والتقنيين أنفقوا في أثناء السنوات الثلاثين السابقة على الاحتلال ملايين الساعات لبناء هذه النظم وتطويرها، كما نهبت «مكتبة الكويت المركزية»، وكانت مستودعا لمنشورات حكومية ووطنية غرضها حفظ الإرث الوطني، أما «معهد الكويت للأبحاث العلمية» فقد نسفه الجيش العراقي المنسحب بالديناميت، وذلك بعد سلب المقتنيات ونهبها.
عمليات النهب
وأكدت الدراسة أنه رغم شدة عمليات النهب كانت مرعبة، فإنها كانت تتضمن عنصرا يمكن إدراكه عقليا، وهو أن العراقيين نقموا من الكويت بنيتها التحتية الثرية والحديثة، فكان التدمير الجنوني للبنى التحتية مثل المباني العامة والمحطات الكهرباء والمياه والمتاحف والمكتبات، فعلى سبيل المثال: استخدمت أسلحة مضادة للدبابات لنسف برج الساعة في قصر السيف، ثم أضرمت النيران في المكتبة المغطاة بألواح خشبية والمباني الأنيقة ذات الطابع المغربي الأندلسي. كما أن التدمير الذي أحدثه حقد النظام العراقي ورغبته في الهيمنة يستدعي إلى الذاكرة وسائل شن الحرب التوسعية المماثلة لجرائم النازيين والصرب والماويين للممتلكات الثقافية في أوروبا والبوسنة والصين والتبت، وحتى تاريخ كتابة هذه السطور لم تركز الأدبيات التي تناولت العدوان وعاصفة الصحراء (الحملة الدولية) إلا على الأحداث العسكرية والسياسية أولا، غير أن الآثار الاجتماعية والثقافية للاحتلال بما في ذلك تدمير البنية الثقافية للكويت لا تزال حقلا واعدا للبحث.
من أجل ذلك، ترى الكاتبة ربيكا «أن حملات إبادة الكتب ليست مجرد جرائم عشوائية يرتكبها برابرة وظلاميون، بل وسيلة من وسائل شن الحرب تتسم بأنها عمدية ومنهجية، توظف العنف لحرمان جماعة ما من حقوقها لخدمة أيديولوجية متطرفة، كما ترى أن محارق الكتب في القرن العشرين مرآة للمعارك بين الأيديولوجيات المتطرفة والنزعة الإنسية الديموقراطية».
«معهد الأبحاث العلمية»
واستندت الدراسة إلى تقرير ج. بينون الذي يشير في وصفه لمعهد الأبحاث العلمية، وتقييم «اليونسكو» لمكانته إلى أنه يعتبر واحدا من بين اثنتين أو ثلاث مؤسسات أبحاث علمية في قمة مؤسسات البحث العلمي في الشرق الأوسط.
ويمضي التقرير فيصف الدمار الذي لحق بالمعهد «إذا أطلقت عليه الدبابات العراقية قذائفها فدمرت واجهته، وأتلفت مداخل جناحي المبنى وما بداخلهما، وأشعلت النيران في ساحة تبلغ 2000 متر مربع فأتت على كل ما فيها، وقد تكلف بناء هذين الجناحين 60 مليون دولار، ويذكر التقرير أن الخسارة الأكبر تتمثل في «هيئة الباحثين» الذين تم اختيارهم من صفوة المتخصصين من جميع أنحاء العالم والذين سيضطر الكثير منهم للبحث عن وظيفة في مكان آخر.
كما يشير التقرير إلى الأضرار التي لحقت بالمركز الوطني للمعلومات العلمية (نستك) الذي يضمه المعهد ومكتبته التي تمثل معلومات علمية ظلت تنمو وتتوسع على مدى أكثر من عشرين عاما، ولن يمكن إحلالها إلا جزئيا، وهذا الأمر سوف يستغرق عدة سنوات».
أهم ما تم الاستيلاء عليه ونقله من مشتملات المركز الوطني للمعلومات
1- مجموعات ومصادر المعلومات والكتب 55000 والدوريات 1400 وتقارير فنية 350000 وبراءات اختراع 1.5 مليون.
2- قواعد المعلومات المحلية بلغ عدد التسجيلات بها 49047 كتابا باللغة الانجليزية، 5953 كتابا باللغة العربية.
أيضا لقد فقدت الكويت قطاعا معلوماتيا كان يدعم 4 آلاف شخص، وكان هناك 45 مركز كمبيوتر حكوميا، ومئات المراكز الأصغر حجما، وآلاف من أجهزة الكمبيوتر التي كانت تشكل استثمارا ماليا في أجهزة الكمبيوتر في فترة ما قبل الحرب، قدر بما يزيد على 115 مليون دولار.
اهتمام المنظمات الدولية برصد آثار العدوان العراقي
أشارت الدراسة الى اهتمام المنظمات الدولية (هيئة الأمم المتحدة، اليونسكو، المنظمات العربية والإسلامية) برصد آثار العدوان العراقي على الكويت، وحصر الأضرار التي لحقت بالبنية الحضارية والمؤسسات العلمية والثقافية، وفيما يلي مقتطفات من هذه التقارير التي أعدتها البعثات التي أوفدتها بعض هذه المنظمات فيما يتعلق بحجم الخسائر التي لحقت بالمؤسسات العلمية والثقافية ومراكز البحوث.
وقد حرر هذا التقرير ج. بينون عضو وفد هيئة الأمم المتحدة لحصر الأضرار التي لحقت بالمؤسسات العلمية والثقافية ومؤسسات البحث بالكويت من جراء العدوان العراقي الواقع عليها.