سورة فاطر من سور القرآن الكريم التي تفتتح بالحمد، وهي آخر سورة من السور الخمس التي تفتتح بالحمد، الأولى ام القرآن الفاتحة، والثانية الأنعام، على حسب ترتيب المصحف، الأنعام تلك السورة التي نزلت في موكب ملائكي يزفها سبعون ألف ملك لهم زجل ومن التسبيح تهتز له السماء، ثم سورة الكهف، التي هي نور المؤمن ونور جمعه نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بذلك، ثم سورة سبأ التي قد مرت بنا، وفيها يبين الله سبحانه وتعالى شواهد توحيده كما قلنا في تاريخ البشرية، ثم تأتي سورة فاطر وفيها ايضا يبين الله عزّ وجلّ شواهد توحيده، لكن من خلال آياته الكونية، فيبدأ سبحانه وتعالى حامدا نفسه، بجميع المحامد كلها، فإنه سبحانه وتعالى له كمال الأوصاف وله كمال الجمال وله كمال الجلال.
وحده من يستحق الحمد
يقول سبحانه وتعالى: (الحمد لله فاطر السماوات والأرض)، بديع السماوات الذي أنشأها من العدم، الفاطر هو الخالق المبتدئ المنشئ، يقول ابن عباس: ما كنت ادري ما فاطر السماوات، يعني ابن عباس كان يتحرى معنى اللفظة القرآنية فكما تعلمون هو يعتبر من اهل الحضر، واللسان الصافي عند اهل البادية الاعراب، فيقول ابن عباس كنت لا ادري ما فاطر السماوات حتى أتاني اعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما لصاحبه انا فطرتها، أنا بدأتها، وقال ابن عباس فاطر السماوات والأرض اي بديع السماوات والأرض، اي ان الله عزّ وجلّ أنشأ السماوات والارض، فطرها واوجدها من العدم، الله عز وجل يحمد ذاته العلية ويشير على الانسان التنبه إلى قدرة الخالق، انظر الى هذه القدرة الباهرة واليد القادرة التي خلقت هذا الكون العظيم، الأرض التي تحتك والسماء التي تظلك خلق عظيم، لو رآه الانسان يدرك أنه لابد ان يكون هناك خالق هناك مدبر، لا يحتاج الانسان الى علم كثير حتى يعلم هذا الاعجاز الذي في السماء، يجب ان ينظر فيرى نور هذه النجوم التي يستضيء بها ويستدل بها فيحمد الله على ذلك، ويعلم ان وراء هذا الكون رب رحيم، هذه الارض التي بسطها الله عز وجل وهيأها وأودع فيها الاقوات وأودع فيها ما يحسن للإنسان ان يعيش من خلاله، هذه كلها آيات عظيمة، تستوجب منا النظر وتستوجب منا حمد الله عزّ وجلّ.
من صفات الملائكة
بعد أن بين الله عزّ وجلّ قدرته في خلق السماوات والأرض، ضرب لنا مثلا في خلق عظيم آخر قد لا نراه ولكننا نعلم بوجوده (جاعل الملائكة رسلا)، هذه أول آية فيها صفة من صفات الملائكة في القرآن، تصور وصف للملائكة في القرآن، اما اعمالهم فقد بينها لنا القرآن، منها قبض الأرواح ومنها تسيير السحاب، ومنها الاستغفار، فأوصافهم عديدة، أفعالهم ومهماتهم عديدة قد بينها القرآن، والإيمان بالملائكة ركن من اركان ايماننا، فلذلك الانسان يجب ان يتعرف على هذا الركن ويا حبذا لو استطاع الانسان أن يقرأ كتابا مثل الإيمان بالملائكة للأشقر فإنه بسيط في بابه يعني لغته قريبة وسهلة ويتكلم عن هذا الركن العظيم، يقول الله سبحانه وتعالى واصفا الملائكة: (أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع)، قال سبحانه وتعالى: (يزيد في الخلق ما يشاء)، لا تتصور بذهنك المحدود ان هذا حد الملائكة، فالله سبحانه وتعالى يزيد في خلقه ما يشاء، لكن الله عزّ وجلّ ضرب هذا المثل لتقريب صورة الملائكة لنا، ونحن لا نتصور من مفهوم الأجنحة الا ما نراه من الطيور، ولكن شتان، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم كما اخبرنا في حديث ليلة الاسراء انه رأى جبريل على هيئته وله ستمائة جناح، يزيد في الخلق ما يشاء سبحانه، جبريل له ستمائة جناح كما اخبر صلى الله عليه وسلموقال بين كل جناحين كما بين المشرق والمغرب، خلق عظيم ملك واحد من ملائكة السماء، خلق لا يتصوره عقل، لكن الله عزّ وجل يخاطبنا بما نفهم ويقرب إلينا المعنى، يجب ان يقر في قلب المؤمن عظمة الخالق وقدرته الباهرة وسلطانه العظيم، يقول سبحانه وتعالى: (يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير)، المؤمن يجب ان يكون بالغ الثقة وعظيم التصور لقدرة الله عزّ وجلّ، فإنه إنما يؤمن بالله لما بان له من قدرة الله، من عظمة الله في هذا الكون، من عظمة الله في نفسه، من عظمة الله في الكتاب الذي أنزله.
حقيقة إلهية
يقول سبحانه وتعالى بعد ان بين قدرته وهذا الخلق العظيم الذي خلقه من الأكوان والأجرام العظيمة، كالسماوات والأرض وما فيها من خلق عظيم لا يتصوره البشر، من ملائكة السماء، قطع عز وجلّ كل رجاء للناس إلا فيه فقال سبحانه وتعالى: (ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم)، هذه الحقيقة الإلهية التي يبينها لنا الله عز وجل هي ركن من اركان شخصية المؤمن وهويته لأنه يعلم ان الله وحده هو القادر على نفعه وأن الله وحده إذا شاء اضره، لا يرجو الخير الا من الله ولا يرجو الا رحمة الله، وكأن الله في هذه الآية الكريمة قد اغلق كل ابواب السماوات والارض امام الانسان ولم يفتح الا بابه، فإياك ايها المؤمن ان تترك الباب المفتوح وتذهب الى الابواب المغلقة، وعد من الله عزّ وجلّ وحقيقة ربانية كما علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الانتهاء من كل صلاة، كان صلى الله عليه وسلم يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما اعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد، حقيقة لو وقرت في قلب المؤمن، لاستمد قوة من الله عزّ وجلّ، يعلم ان امره بيد الله، كل خير في حياته من الله وبأمر الله، كل شر يهابه ويخافه، الله عزّ وجلّ هو قادر على ان يمنعه.
ألقيت المحاضرة في مسجد فاطمة الجسار بمنطقة الشهداء