- كان لنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة في ترسيخ معنى التسامح مع الغير
- الكثير من القنوات الفضائية والتغريدات تثير الفتنة المذهبية وتصعّد الكراهية للآخر
الإسلام دين التسامح والرحمة والعفو والمحبة والأخلاق العظيمة، وقد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الى إشاعة جو التسامح والسلام بين المسلمين وبينهم وبين غيرهم، واعتبر ذلك من مكارم الأخلاق، واعتبر أن التسامح والعفو لهما ثمرات عظيمة أهمها اجتماع الكلمة ووحدة الصف وقوة الأمة، يقول الله عز وجل: (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين).
وحول فضيلة التسامح يحدثنا رئيس رابطة علماء الشريعة لدول مجلس التعاون الخليجي والعميد السابق بكلية الشريعة د.عجيل النشمي.
يقول رئيس رابطة علماء الشريعة لدول مجلس التعاون الخليجي والعميد السابق لكلية الشريعة والدراسات الاسلامية - جامعة الكويت د.عجيل النشمي: نقول ابتداء ليس المقصود من التسامح التساهل في الثوابت والعقائد، فهذه يجب أن تكون مصونة، وإنما التسامح في ساحاته الواسعة في السلوك والتعامل قولا وفعلا مع الغير، وفي احترام رأي الآخر، والتقارب والتعاون فيما يقوي أواصر حسن التعايش وما يعود على وحدتنا الوطنية بالقوة والرفعة.
نقول هذا ابتداء ليكون ما بعده واضحا، ولنبدأ بالأفق الإسلامي الفسيح بمبادئه السامية الواضحة، ثم نلج منه الى واقعنا الاجتماعي ونطرق هذا الموضوع المهم بوضوح، فنحن في مقام النصح لأنفسنا فلا يسعنا التهميش والخفاء والتستر بالعبارات.
التسامح هو أن تترك للآخر حق الاعتقاد بما يراه من ديانة ومذهب ثم لا تضيق عليه بترك أمر يعتقد وجوبه أو فعل أمر يعتقد حرمته، ومن التسامح ألا تضيق على المخالفين لك في الاعتقاد، بل تترك لهم حرية اعتقاده «لا إكراه في الدين» والتسامح درجة أسمى من ضوابط القوانين والنظم التي تحاسب الإنسان على تصرفاته، فالتسامح أمر قلبي وإحساس داخلي يشعرك بالمحبة والمودة والعفو وحسن العشرة وجميل المعاملة وسعة المشاعر الإنسانية من الرحمة والإحسان والرضا في علاقتك بالغير
مبادئ الإسلام
التسامح من مبادئ الإسلام الثابتة بل هو ركن في العلاقات الإنسانية بين المسلمين، ولم يترك الإسلام تحديد معالم التسامح لاجتهادات علماء المسلمين بل حددها الله تبارك وتعالى في كتابه كما حددها النبي صلى الله عليه وسلم في قوله وفعله، قال تعالى في تحديد العلاقة مع غير المسلمين (لا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ). ونلاحظ هنا تعبير القرآن عن قمة التسامح بلفظ البر «تبروهم» وهو مصطلح خاص بالأقربين مثل الوالدين والأقارب كما أردف هذه الكلمة السامية بكلمة «القسط» وهو العدل، وخُتمت بأن الله يحب هؤلاء المقسطين.
وأساس مبدأ التسامح في الاسلام هو كرامة الإنسان، وهل هناك أعظم من تحقيق هذا المعنى من تسامح النبي صلى الله عليه وسلم ولقد كان لنا في رسول الله أسوة حسنة في ترسيخ معنى التسامح مع الغير ولو أساء القول والفعل، فقد لقي من أذى الناس الكثير، فصبر ثم عفا وغفر وصفح، مصداق قوله تعالى: (فاصفح الصفح الجميل) «الحجر: 85» ولسنا بحاجة إلى ذكر مواقفه صلى الله عليه وسلم المعلومة المشهودة مع قومه وغيرهم، ويكفينا تذكر أنه حين مرت جنازة فقام لها فقيل له انها جنازة يهودي، فقال صلى الله عليه وسلم «أليست نفسا».
الرفق والحكمة
وأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم وعموم المسلمين بالرفق في دعوتهم إلى الناس، فقال تعالى: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن) «النحل: 125».
لقد كانت سماحة الاسلام من اعظم اسباب سرعة انتشاره في بقاع الأرض الأمر الذي أذهل المؤرخين والراصدين لحركة التاريخ الإنساني.
ولعل الملاحظ اليوم للأسف ان البعض من الدعاة والبعض من الفقهاء من الاطراف المختلفة بل حتى البعض من المتدينين من عوام المسلمين، اخذوا يتجاوزون هذا المنهج القويم، بإثارة نزعات الحقد والكراهية والفرقة بين المسلمين بترويج سلع كاسدة كالطائفية والمذهبية، حيث يجدون لبضاعتهم سوقا بائرة في بعض أوساط المجتمعات الإسلامية، من خلال نفخهم في كثير من العصبيات المذهبية عن طريق إثارتهم المستمرة لنقاط الاختلاف المذهبية الإسلامية، لاسيما عندما يتعاطون مع التاريخ بأطروحات متطرفة، تركز على مسائل خلاف لا موجب لها في خطابهم الموجه للجماهير، والذي ينتمي للماضي حدثا ورؤية، الأمر الذي يقود بالمصلحة إلى شحن الرأي العام بين أبناء البلد الواحد، ومن ثم فهم بذلك المسلك الناكب يستنزفون بدعواهم تلك قوى الخير في وجدان الناس ويذرونهم غلاة متطرفين، بلا رصيد عاطفي فيحرمونهم من فرصة الانجذاب نحو مودة أخيهم الآخر، حيث يفترض بأبناء المجتمع المسلم الواحد ان يتقبل بعضهم بعضا، بغض النظر عن المذهب أو النحلة او الطائفة، والملاحظ أن الكثير من القنوات الفضائية ومواقع التواصل الاجتماعي على شبكة الانترنت للاسف الشديد ـ تتبنى تلك التوجهات المتطرفة في تغريدات عوالمها الافتراضية الإثارة والفتنة المذهبية، وتصعيد الكراهية للآخر عن عمد، او من غير عمد وتأجيج الصراع بين ابناء المجتمع الواحد.
لا للتعصب
مع أن التعصب المذهبي حقيقة قائمة في واقعنا الإسلامي، وهو ليس وليد الساعة، فما نراه ربنا أعلم به منا ولا يحدث في كون الله الا ما يريد، ومطلوب منا في عالمنا الإسلامي الواسع وفي بلدنا الحبيب هذا التقارب والتسامح وإطفاء شرار الفرقة فكلنا وراء ربان واحد نلتف حوله ونحمل المسؤولية معه، وكما أننا لا نختلف عليه فيجب ألا نختلف فيما بيننا، فكلنا في مركب واحد قد تعصف به الفتن والاحقاد.
فالتسامح والحال هذه ليست مطلبا فحسب بل ضرورة وطنية وحياتية ومصلحة جماعية واجتماعية للتعايش.