تحولت الاحتجاجات منذ موت جورج فلويد الأميركي من أصل افريقي اختناقا تحت ركبة شرطي أبيض قبل أسبوعين، إلى تحركات سياسية ومجتمعية تضغط في عدة اتجاهات للتخلص من العنف المفرط للشرطة ومن التمييز العنصري.
وأعادت إحياء النقاش حول إرث العبودية الذي لايزال تمجيده مستمرا سواء عبر نصب تذكارية منتشرة في معظم الولايات لعدد من رموز ذلك الإرث أو من خلال إطلاق أسماء بعضهم على مواقع مهمة.
ووصل الجدل الى البيت الأبيض، حيث أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب رفضه القاطع لمقترح إزالة أسماء جنرالات كونفيدراليين من حقبة الحرب الأهلية عن قواعد عسكرية في الولايات المتحدة، وهو مقترح كان الپنتاغون أبدى استعداده للنظر فيه.
لكن ترامب رفض وقال في تغريدة إن «البعض اقترح إعادة تسمية ما يصل إلى عشر من قواعدنا العسكرية الأسطورية». وأضاف ان «هذه القواعد العسكرية أصبحت الآن جزءا من التراث الأميركي العظيم»، مشددا على أن إدارته «لن تنظر حتى في هذا الاحتمال». وختم ترامب تغريدته بالقول «احترموا جيشنا!».
وشددت الناطقة باسم البيت الأبيض كايلي ماكيناني على موقف ترامب الإبقاء على أسماء منشآت عسكرية مثل فورت براغ في كارولاينا الشمالية كما هي خلال مؤتمر صحافي، قرأت فيه تغريدات الرئيس ووزعت نسخ مطبوعة منها على الصحافيين. واعتبرت الدعوة إلى ذلك «أمرا لا يجدي نفعا على الإطلاق».
رموز الحرب الأهلية
والقواعد العسكرية العشر التي يطالب الناشطون الحقوقيون بتغيير أسمائها تقع كلها في جنوب الولايات المتحدة وتحمل أسماء قادة عسكريين جنوبيين خلال الحرب الأهلية، كان معظمهم مدافعا شرسا عن نظام الرقيق، الذي كان سببا لتلك الحرب التي مزقت الولايات المتحدة بين 1861 و1865، بين ولايات شمالية حاربت هذا النظام وأخرى جنوبية رفضت تحرير العبيد وأعلنت انفصالها عن الاتحاد وتأسيس كونفيدرالية.
واكتسبت المطالبة بتغيير أسماء تلك المنشآت مزيدا من الزخم تزامنا مع التظاهرات الحاشدة احتجاجا على وحشية الشرطة بحق الأميركيين من أصل افريقي إثر وفاة فلويد.
كــما تركـــز غضب المتظاهرين أيضا على تماثيل لرموز الحرب الأهلية الجنوبيين والعلم الكونــفدرالي وتماثيل لكريستوفر كولومبس الذي يرجع إليه فتح الأميركيتين أمام المستعمرين الأوروبيين.
فقد قطع رأس تمثال لكولومبوس في بوسطن وتعرض آخر للتخريب في ميامي فيما رمي ثالث في بحيرة في فيرجينيا.
في بوسطن في ولاية ماساتشوستس، فتح تحقيق لم يؤد بعد إلى توقيفات على ما قال ناطق باسم الشرطة المحلية لوكالة فرانس برس. وكان تمثال المستكشف الإيطالي موضوعا على مسلة في منتزه كريستوفر كولومبوس في وسط المدينة الواقعة في منطقة نيو إنغلاند. وسبق أن تعرض للتخريب في الماضي إذ أن كريستوفر كولومبوس مثار جدل في الولايات المتحدة منذ سنوات عدة.
فالبحار الإيطالي الذي اعتبر لفترة طويلة «مكتشف أميركا»، كثيرا ما بات يعتبر الآن أحد المساهمين في إبادة هنود القارة الأميركية والسكان الأصليين عموما.
واستبدلت عشرات المدن الأميركية الاحتفال بـ «يوم كولومبوس» الذي أصبح عيدا فدراليا العام 1937، بيوم يكرم «الشعوب الأصلية». لكن ذلك لم يحصل في بوسطن ونيويورك اللتين تضمان جاليات كبيرة من أصول إيطالية التي تكرم في ذلك اليوم أيضا.
وأسقـــط متظاهرون بواسطة حبال تمثالا آخر للمستكشف في ريتشموند في ولاية فيرجينيا وجروه إلى بحيرة مجاورة حيث رمي.
وكـــان حـاكــم ولاية فيرجينيا حيث استقر المستــعمرون الإنجــليز الأوائل قبل أن تصبح قلب نظام العبودية في الولايات المتحدة، قال الأسبوع الماضي إنه يريد إزالة تمثال آخر في المدينة يعود إلى قائد الجيش الجنوبي الجنرال روبرت لي.
وأظهرت مقاطع فيديو لقناة «دبليو دبليوبي تي» في وقت متأخر أمس الأول تمثالا لرئيس الكونفدرالية جيفرسون ديفيس ملقى في الشارع في ريتشموند في فرجينيا بعد إزالته من قاعدته.
زعماء الكونفدرالية
ودخلت رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي على خط الجدل الحساس حول إرث العبودية في البلاد الذي تجسده تلك النصب التذكارية التي تمجد الجيش الكونفدرالي.
ودعت إلى إزالة 11 تمثالا لعســكريين ومسـؤولين يرمزون لتلك الحقبة.
وقالت بيلوسي، زعيمة الديموقراطيين في الكونغرس، في رسالة إلى لجنة برلمانية مشتركة، إن «تماثيل الرجال الذين نادوا بالوحشية والهمجية للوصول إلى هذه النهاية العنصرية الصريحة، تشكل إهانة بشعة لمثل «الديموقراطية والحرية». مضيفة «ان تماثيلهم تكرم الكراهية وليس التراث، ويجب إزالتها».
وبعض تلك التماثيل موضوعة في أمكنة بارزة في مبنى الكابيتول.. ومن هذه النصب التذكارية، تمثال برونزي لجيفرسون ديفيس، رئيس الولايات الكونفدرالية الأميركية، وآخر رخامي لألكسندر ستيفنز، نائب رئيس الكونفدرالية.
ولفتت بيلوسي إلى أن تمثالي هذين الرجلين اللذين أدينا بخيانة الولايات المتحدة موضوعان في (قاعة التماثيل) التي تعتبر من أكثر الوجهات السياحية شعبية في مبنى الكابيتول.
وذكرت بيلوسي بكلمات قاسية أدلى بها ستيفنز في خطاب أساسي أدلى به في 1861 وقال فيه «إن الكونفدرالية تأسست على حقيقة عظيمة هي أن الزنجي ليس مساويا للرجل الأبيض».
بدورها، أعلنت البحرية الأميركية أنها ستحظر رفع أعلام الكونفدرالية - التي لايزال رفعها شائعا في الولايات الجنوبية - عن كافة سفنها ومنشآتها.
جاء ذلك بينما أطلق شقيق جورج فلويد من الكونغرس الأميركي نداء مؤثرا دعا فيه النواب إلى «وضع حد لمعاناة» الأميركيين من أصل افريقي وتبني إصلاحات فعلية لقوات الشرطة.
وقال فيلونايز، خلال جلسة استماع أمام اللجنة القضائية في مجلس النواب إنه «لا يستطيع وصف الألم» الذي شعر به حين شاهد الفيديو المصور الذي أظهر ما تعرض له شقيقه حين قضى اختناقا تحت ركبة الشرطي ديريك شوفن.
وعقدت جلسة الاستماع التي شارك فيها ممثلون للشرطة والمجتمع المدني، في إطار دعم اقتراح قانون قدمه مطلع الأسبوع نواب ديموقراطيون يرمي إلى «تغيير الثقافة» في صفوف قوات الشرطة في الولايات المتحدة.
وكـــتب المــــرشـــح الديمــوقراطي للرئــاسة الأميركية جو بايدن بعد الجلسة في تغريدة «توجد عنصرية ممنهجة ليس فقط وسط قوات الأمن لكن أيضا في مجالات التعليم والإسكان وفي كل ما نقوم به». وأضاف: «علينا العمل جاهدا لوضع حد لها».
وعرض الديموقراطيون قانونا في مجلسي الكونغرس يأملون بأن يسهل ملاحقة أفراد الشرطة قضائيا لارتكابهم انتهاكات وإعادة النظر في طريقة تجنيدهم وتدريبهم.