الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يدلي بصوته إلكترونياً في الانتخابات البرلمانية في موسكو
أعلنت روسيا السبت أن نظام التصويت الإلكتروني في موسكو تعرض لهجمات سيبرانية "قوية" خلال الليل، وذلك في اليوم الثاني من الانتخابات البرلمانية التي تخضع لرقابة صارمة.
ولم تقدم إيلا بامفيلوفا، رئيسة لجنة الانتخابات المركزية الروسية، تفاصيل حول طبيعة الهجوم أو الجهة المسؤولة عنه، مؤكدة أن الوضع لا يزال تحت السيطرة.
وقالت بامفيلوفا: "من الواضح أن هذه محاولات منسقة لعرقلة العمل الطبيعي للنظام، وبالطبع لممارسة ضغوط سلبية على العملية الانتخابية برمتها في عاصمة بلادنا. وأود التأكيد على أنها لن تنجح بطبيعة الحال".
وتثير هذه الانتخابات تخوفات واسعة بشأن نزاهتها، وأن نتائجها لن تعكس على الأرجح المواقف الحقيقية للشعب الروسي، باعتبارها انتخابات "مُدارة بالكامل" من جانب الكرملين.
وقد شارك الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الجمعة في الاقتراع لانتخاب نواب مجلس الدوما (مجلس النواب الروسي) في دورته التاسعة، حيث أدلى بصوته عبر الإنترنت، في لقطات فيديو نشرها الكرملين.
وكان بوتين - الذي وصف انتخابات مجلس الدوما في وقت سابق بأنها أهم حدث سياسي داخلي في البلاد - قد اتهم أوكرانيا يوم الجمعة بمحاولة "عرقلة" التصويت، وهو اتهام لم ترد عليه كييف، التي وصفت الانتخابات بالصورية.
ومن المقرر أن تستمر الانتخابات التي تحدد شاغلي مقاعد مجلس النواب، حتى الساعة السادسة مساءً بتوقيت غرينتش من يوم الأحد.
وتعد انتخابات مجلس الدوما الأولى منذ أن بداية الحرب روسيا و أوكرانيا في فبراير عام 2022.
ووفقاً لوسائل إعلام روسية، قد بلغت نسبة المشاركة 38.9 % ، فيما تجاوز عدد المقترعين إلكترونيا في موسكو 2.5 مليون ناخب حتى منتصف اليوم السبت، فيما لم تتحقق بي بي سي بشكل مستقل من تلك الأرقام.
ومن المتوقع أن تبدأ النتائج الأولية والجزئية في الظهور تدريجياً اعتباراً من الساعة 18:00 بتوقيت غرينتش يوم الأحد، على أن تصبح النتائج شبه النهائية متاحة يوم الاثنين في الحادي والعشرين من سبتمبر/أيلول الجاري.
بوتين يتعهد بعدم شنّ حروب أخرى إذا عامل الغرب روسيا باحترام
ما هو مجلس الدوما وما صلاحياته؟
مبنى مجلس الدوما في موسكو
وفقاً لموقع مجلس الدوما للجمعية الاتحادية لروسيا الاتحادية، يعد مجلس الدوما أحد مجلسي الجمعية الاتحادية أو البرلمان الروسي، وهو الغرفة التشريعية السفلى، أما الغرفة العليا فهي مجلس الاتحاد الروسي.
ويتكون مجلس الدوما من 450 نائباً، يُنتخب نصفهم بنظام القوائم الحزبية والنصف الآخر بدوائر فردية لولاية مدتها خمس سنوات، على ألا يقل عمر النائب عن 21 عاماً، وألا يحمل جنسية أخرى بخلاف الروسية.
يتولى مجلس الدوما عدداً من الصلاحيات التشريعية والرقابية، على رأسها الموافقة على تعيين رئيس الوزراء بناءً على ترشيح الرئيس، والموافقة على نواب رئيس الوزراء والوزراء الذين يرشحهم رئيس الحكومة.
ومن أهم صلاحيات مجلس الدوما إقرار القوانين الدستورية الاتحادية، ومراقبة الحكومة والبت في مسألة الثقة فيها، والاستماع إلى التقارير السنوية التي توضح إنجازات الحكومة.
هذا إلى جانب تعيين رئيس البنك المركزي وإقالته، وكذلك رئيس غرفة الحسابات ونصف مراقبيها، وتعيين مفوض حقوق الإنسان، وإعلان العفو.
ويحق لمجلس الدوما بدء توجيه الاتهامات إلى الرئيس الروسي تمهيداً لعزله، شريطة موافقة ثلثي أعضاء المجلس.
ويعود تاريخ مجلس الدوما إلى ثورة 1905 التي اندلعت بعد اضطرابات سياسية وعمالية في روسيا، ليتأسس المجلس بتوجيه من الإمبراطور نيكولاي الثاني.
وقد توقف العمل به عام 1917 بعد قيام الثورة الروسية التي أنهت الحكم القيصري وساهمت في نشأة الاتحاد السوفيتي، قبل أن يعود مجلس الدوما عام 1993 ويحل محل "مجلس السوفيت الأعلى" بعد الأزمة الدستورية التي شهدتها البلاد في ذلك العام، وذلك بعد تفكك الاتحاد السوفيتي بنحو عامين.
ما هي الأحزاب المشاركة؟
من المتوقع على نطاق واسع أن يحتفظ حزب "روسيا الموحد" الحاكم، والداعم لبوتين، بهيمنته على النظام السياسي الروسي من خلال أغلبية من مقاعد مجلس الدوما، فيما تتوزع المقاعد المتبقية بين عدد من الأحزاب الأصغر التي تُوصف اسمياً بأنها "معارضة"، لكنها تدعم سياسات الكرملين، وفقاً لمراقبين.
ويشارك حزب "روسيا الموحدة" في الانتخابات إلى جانب تسعة أحزاب، هي:
- الحزب الشيوعي الروسي
- الحزب الليبرالي الديمقراطي
- حزب روسيا العادلة
- حزب المتقاعدين
- حزب الديمقراطية المباشرة
- حزب الخُضر البيئي
- حزب شيوعيي روسيا
- حزب الشعب الجديد
- حزب رودينا/حزب الوطن
وقد استُبعد أبرز حزب معارض للحرب في أوكرانيا من قوائم الاقتراع قبل بدء التصويت، بعد أن قضت المحكمة العليا الشهر الماضي بأن حزب "يابلوكو" الليبرالي - الذي يدعو إلى وقف إطلاق النار في أوكرانيا - قد انتهك القواعد الانتخابية، في اتهام نفاه الحزب.
وقبل الانتخابات، سجن ليف شلوسبرج، أحد كبار قادة الحزب، وسيقضي 11 عاماً بسبب تصريحاته عن الحرب. وفي يونيو حزيران، سجن أيضاً نائبه مكسيم كروجلوف وسيقضي سبع سنوات بتهم مماثلة.
ومع ذلك، لا يزال بعض مرشحي "يابلوكو" يخوضون المنافسة في الدوائر الانتخابية الفردية التي تشكل نصف مقاعد مجلس النواب، علماً بأن الحزب عادة ما يحصل على نسب تأييد تقل عن 10 في المئة.
ويقول مراقبون إن الأحزاب التسعة المتنافسة مع الحزب الحاكم في الانتخابات البرلمانية الروسية، لا تنطوي على معارضة حقيقية وإنما ينتمي بعضها إلى المعارضة الشكلية ليس إلا، فهي إما تدعم سياسات فلاديمير بوتين أو لا تعارضها علناً.
وعلى الرغم من ترجيح فوز سهل مرة أخرى لحزب "روسيا الموحدة" الحاكم، إلا أن التصويت قد يعد مؤشراً على الدعم الشعبي للحكومة وللحرب التي تخوضها الدولة ضد أوكرانيا.
وفي منطقة ترانسنيستريا الانفصالية الموالية لروسيا في مولدوفا المجاورة، أثارت الانتخابات نزاعاً دبلوماسياً بسبب اعتراض مولودوفا على خطة الكرملين لفتح 15 مركزاً للاقتراع للمواطنين الروس هناك.
وتقول موسكو إن سكان ترانسنيستريا البالغ عددهم 220 ألف نسمة – التي انفصلت عن مولدوفا عام 1990 مع نهاية الحكم السوفيتي - يحملون جوازات سفر روسية ويحق لهم التصويت.
ولا تحظى ترانسنيستريا بالاعتراف الدولي ولا حتى من قبل موسكو، غير أن فرقة عسكرية روسية قوامها حوالي 1,500 جندي، تصفها روسيا أحيانا بأنها قوات حفظ سلام، لا تزال متمركزة هناك على الرغم من مطالب مولدوفا برحيلها.
وجدير بالذكر أن التصويت يُجرى أيضاً في مناطق شرق أوكرانيا التي تخضع للاحتلال الروسي.
مخاوف غربية "لا تهم موسكو"
المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا
في وقت سابق من سبتمبر/أيلول، رفض بوتين المزاعم التي أطلقتها أوكرانيا ومعلقون في وسائل إعلام غربية، عن إجراء عملية تعبئة عسكرية بعد الانتخابات لتعزيز صفوف الجيش الروسي في أوكرانيا، واصفاً إياها بـ "الهراء"، ومشيراً إلى أنها مجرد مزاعم مغرضة تهدف إلى إثارة الذعر.
ومع ذلك، يخشى منتقدو الحرب أن يستغل بوتين نتائج الانتخابات لتعليل هذه الخطوة، لا سيما في ضوء ما تصفه أجهزة استخبارات غربية بخسائر روسية فادحة في ساحة المعركة، وما تعتبره رغبة لدى موسكو في تحقيق مزيد من المكاسب الميدانية العاجلة عبر حشد المزيد من القوات البشرية.
كما يخشى هؤلاء المنتقدون أن تمضي السلطات قدماً في اتخاذ المزيد من الإجراءات "القمعية" بعد إعلان نتائج الانتخابات مع "انتفاء الحاجة" إلى إرضاء الشعب.
وتجدر الإشارة هنا إلى خطط طرحتها السلطات سابقاً تقضي بفرض شركات الاتصالات رسوماً إضافية على العملاء الذين يتجاوز استهلاكهم 15 غيغابايت من البيانات الأجنبية شهرياً.
ويُنظر إلى هذه خطوة على أنها تستهدف مستخدمي الشبكات الافتراضية الخاصة (VPN) للوصول إلى مواقع إلكترونية وتطبيقات محظورة داخل روسيا.
وقد صرحت رئيسة مجلس الاتحاد الروسي فالنتينا ماتفيينكو بأن رأي الغرب في انتخابات مجلس الدوما الروسي لا يهم موسكو، وأن الشيء الأهم هو إدراك الروس أنفسهم "مسؤولية اللحظة" وأنها "فرصة لكل مواطن لممارسة حقه الدستوري وإظهار موقفه".
كما علقت المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا على تقارير عن مناشدة مسؤولة الشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس دول التكتل الغربي عدم الاعتراف بالانتخابات في روسيا، قائلة: "هم في دول الاتحاد الأوروبي لا يعترفون بكالاس منذ زمن طويل".
ومن جهته، قال غريغوري غريشين مرشح حزب "يابلوكو" لبي بي سي: "من المعروف جيداً أن المطالبة بإنهاء إراقة الدماء في هذا الصراع مع أوكرانيا تحظى بشعبية كبيرة. وفي رأيي، يريد معظم الناس في روسيا السلام الآن، وقد ساعد يابلوكو الناس على التعبير عن ذلك. ولهذا السبب استُبعد من القوائم الحزبية، ولهذا أيضاً يُمنع المرشحون الأفراد من المشاركة".
وأضاف غريشين: "الانتخابات في الغرب والانتخابات في روسيا شيئان مختلفان تماماً. ففي الغرب، تُعد الانتخابات وسيلة لتشكيل حكومة، ثم تُستبدل لاحقاً إذا لم يكن الناخبون راضين عنها... أما الانتخابات في روسيا فلا تؤدي أبداً إلى تغيير الحكومة. وفي أفضل الأحوال، تكون وسيلة للتأثير فيها وإرسال إشارة. لكن السلطة في روسيا لم تتغير قط بسبب انتخابات. هكذا هي روسيا".