تحيي الأمم المتحدة في الحادي والعشرين من سبتمبر/أيلول من كل عام اليوم العالمي للسلام، وتحل المناسبة هذا العام فيما تبدو الحاجة إلى السلام أكثر إلحاحا من أي وقت مضى، مع استمرار حروب ونزاعات مسلحة في مناطق عدة من العالم، ما تسبب في نزوح وتشريد عشرات الملايين من البشر.
ويُحتفى باليوم العالمي للسلام لعام 2026 تحت شعار: "استثمروا في السلام: من أجل الجميع، في كل مكان، كل يوم".
وتؤكد الأمم المتحدة أن "السلام ليس مجرد غياب الحرب، بل هو الأساس اللازم لتوحيد الجهود في التصدي لتحديات البشرية. وهو تجربة معاشة تتجسد في الأمان والكرامة والفرص والتعاون في معايشنا اليومية".
وفي رسالته بمناسبة اليوم العالمي للسلام، حثّ الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، قادة العالم على "الاستثمار في مستقبل ينعم فيه الناس كافة بالسلام"، داعيا إلى استلهام "شجاعة أولئك الذين ينهضون بالدعوة من أجل السلام في الأحياء السكنية، والفصول الدراسية، والمجتمعات المحلية"
ويحلُّ اليوم العالمي للسلام هذا العام في وقت تبدو فيه صورة السلام قاتمة، في ظل استمرار الحروب والنزاعات في مناطق متفرقة من العالم.
فطبقا لمؤشر السلام العالمي لعام 2026، الصادر عن معهد الاقتصاد والسلام، وصل مستوى السلام العالمي إلى أدنى مستوى له منذ بدء إصدار المؤشر قبل نحو عقدين.
وتُظهر نتائج هذا العام أن متوسط مستوى السلام العالمي تراجع بنسبة 0.7 في المئة مقارنة بالعام الماضي. وهذه هي السنة الثانية عشرة على التوالي التي يشهد فيها مستوى السلام العالمي تراجعا، كما أنها المرة الخامسة عشرة التي يتراجع فيها خلال السنوات الثماني عشرة الماضية.
ومن بين 163 دولة يشملها المؤشر، شهدت 99 دولة تراجعا في مستوى السلام، بينما سجلت 62 دولة تحسنا. ويوجد حاليا 119 دولة، أي نحو 73 في المئة من الدول التي يشملها المؤشر، أصبحت أقل سلاما مما كانت عليه في عام 2008.
وبحسب معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، بلغ الإنفاق العسكري العالمي مستويات قياسية قدرها نحو 2.9 تريليون دولار، خلال عام 2025.
ويُشير المعهد إلى أن نزاعات مسلحة كانت نشطة في 49 دولة خلال عام 2025، وأن عدد الوفيات المرتبطة بالصراعات بلغ نحو 238 ألف شخص، وهو من أعلى المستويات المسجلة في السنوات الأخيرة.
ولا تقتصر كلفة الصراعات على أعداد القتلى أو الإنفاق العسكري، إذ أشارت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أن عدد النازحين قسرا في العالم بلغ 117.8 مليون شخص بنهاية عام 2025.
الشرق الأوسط.. السلام الأكثر هشاشة
وتبدو التحديات أكثر وضوحا في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، التي ظلت، بحسب مؤشر السلام العالمي لعام 2026، أقل مناطق العالم سلاما.
وشهد مطلع عام 2026 تصعيدا عسكريا كبيرا في منطقة الشرق الأوسط عقب الحرب الأمريكية والإسرائيلية مع إيران في 28 فبراير 2026، والاعتداءات الايرانية التي طالت أهدافا في عدة دول في منطقة الخليج، فضلا عن الأردن.
ومثلت هذه الحرب واحدة من أخطر تحديات الأمن الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط خلال عام 2026. ولا تزال تداعيات هذه المواجهة مستمرة، في ظل اضطراب حركة الملاحة الدولية ومرور السفن عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية للطاقة والتجارة في العالم.
وفي قطاع غزة، ورغم اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في أكتوبر 2025، لا يزال الوضع على الأرض بعيدا عما يمكن وصفه بوضع سلام مستقر.
فبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، استمرت الغارات الإسرائيلية على مناطق مأهولة في قطاع غزة خلال عام 2026، ما أدى إلى سقوط ضحايا ومزيد من النزوح.
وتقول الأمم المتحدة إن معظم سكان القطاع، البالغ عددهم نحو 2.1 مليون نسمة، يعيشون في مواقع نزوح مكتظة، وسط "قيود على دخول المواد الأساسية ونقص التمويل وصعوبات في الوصول إلى المياه والخدمات الضرورية".
ويمثل السودان أيضا واحدا من أبرز الأمثلة على تعثر جهود إحلال السلام، بعد مرور أكثر من ثلاث سنوات على اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل/نيسان 2023.
ولا تزال المواجهات مستمرة في مناطق مختلفة من البلاد، فيما لم تنجح جهود الوساطة، حتى الآن، في تحقيق وقف شامل ودائم لإطلاق النار.
وأدت الحرب السودانية إلى نزوح نحو 14 مليون شخص، فيما يعاني نحو 20 مليون شخص من مستويات حادة من الجوع، وسط نقص حاد في تمويل عمليات الإغاثة الدولية.
أما في لبنان، فعلى الرغم من تراجع حدة القتال مقارنة بفترات سابقة، لا تزال ملفات أساسية تعرقل التوصل إلى تسوية دائمة.
وتؤكد إسرائيل أنها لن تنسحب من المناطق التي تسيطر عليها في جنوب لبنان قبل نزع سلاح حزب الله بالكامل.
ما خلفية اليوم العالمي للسلام؟
وتعود فكرة اليوم العالمي للسلام إلى عام 1981، عندما أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة تخصيص يوم سنوي للاحتفاء بالسلام وتعزيز مبادئه داخل الدول وفيما بينها، واحتُفل به للمرة الأولى في سبتمبر 1982.
وفي عام 2001، قررت الجمعية العامة تحديد يوم 21 سبتمبر موعدا ثابتا للاحتفال به سنويا، وأعلنته يوما عالميا لوقف إطلاق النار ونبذ العنف، داعية الدول والشعوب إلى وقف الأعمال العدائية طوال هذا اليوم، فضلا عن التوعية بأهمية ثقافة السلام.
وخلال مراسم "جرس السلام" هذا العام، قال رئيس الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، خليل الرحمن، إن "السلام يجب أن يُبنى، وبناؤه مسؤوليتنا المشتركة"، معتبرا أن الاستثمار في السلام يعني أيضا الاستثمار في الثقة والتعاون الدولي.
وبينما يحتفل العالم باليوم العالمي للسلام لعام 2026، تُشير أعداد النزاعات، وحجم الإنفاق العسكري، والنزوح الإنساني المتزايد إلى أن السلام لا يزال بعيد المنال في مناطق عدة من العالم.