بقلم: يوسف عبدالرحمن
[email protected]
بعد أداء صلاة الفجر فتحت التلفاز على «الجزيرة» لاتابع ربيع الثورات العربية وإذا بالخبر، مقتل أسامة بن لادن على يد كوماندوز أميركان في عملية أرضية يقصد بها القبض عليه حيا، ولا أعلم تفاصيلها فعدت بالذاكرة يوم كنت في أفغانستان، كان الفجر يطرد آخر فلول الظلام فيما كانت قافلتنا الصغيرة التي تقلني من الحدود الباكستانية ـ الأفغانية المشتركة إلى العمق الأفغاني المشتعل في أوائل الثمانينيات في مهمة جديدة ومغامرة خطرة كمراسل لجريدة «الأنباء» سعيا وراء الحقيقة في قضية افغانستان الاسلامية التي خلفت كما هائلا من الدمار والدماء والشهداء والمعوقين والمنكوبين لتشكل في وقتها مأساة العصر، يوم احتل الاتحاد السوفيتيي افغانستان في عام 1979 كدولة عظمى تريد فرض ايديولوجيتها وبسط نفوذها على ما تستطيع من بلاد الافغان.
عندما سرنا كنت لا اعرف حقيقة هل سأعود الى الكويت لاكتب ما شاهدت أم أن هذه الطريق ستطول وتطول وبلا عودة؟
كانت قضية افغانستان بكل أبعادها داخلي تدور كالمرجل الذي يغلي وكانت كلمات المرافقين لي تتوارد على خاطري خاصة عندما يقولون: انت صحافي لازم تفهم ان الذهاب إلى بيشارور شيء، والدخول إلى افغانستان شيء آخر تماما، كان البرد قاسيا، ولكن العزيمة كانت في داخلي أقوى من وخزاته، لانني كنت أفكر كيف احقق لجريدتي «الأنباء» السبق الصحافي في تغطية معارك المجاهدين و«السوفييت» كنت كمن يمشي على حد السيف ليصل الى مبتغاه مختارا الموت طريقا بدل الاخفاق.
كنت أضحك وانا اتسربل بالزي الافغاني مدثرا بعدد من البطانيات وكأني «مقاتل أفغاني أصلي» لوجود تشابه مع اشكال ولباس «الافغان».
نعم.. اتذكر أول مرة دخلت افغانستان متنكرا في اكثر من صورة «مرة أفغاني» وأخرى دكتور يضع السماعات على صدره، وكثيرا ما كنت أدعو الله أن «ينجيني» من هذه الغارة او التراشق وأنا أشق طريقي في لسان طويل ممتد متعرج كصعوبة هذه القضية الذاهب لتغطيتها صحافيا وكان شكلي مرة كأحد المغامرين الاشقياء وتارة أخرى كأحد الدعاة الاتقياء.
بوابة خيبر التاريخية
أول مرة أشاهد في حياتي بوابة ممر خيبر التاريخية، كنت يومها شابا في مقتبل العمر، اتساءل أهذه حقا ما قرأته في كتب التاريخ عن هذه البوابة التي جلس تحتها أو مر بها الفاتحون والمنهزمون.
حاولت أن اعرف مكاني وزماني، كانت الجبال تبهرني وهي تشتعل بالنار والدخان والبارود وقوافل الشهداء في سيارات الاسعاف في طريقها إلى المستشفيات في صدى وبيشاور وغيرهما من المناطق.
وكلما توغلنا في جبال «باختريا» أرى سيولا من المهاجرين عبر الممر وعندما رأيت بقايا سكة الحديد التي اقامها الانجليز ابان استعمارهم لافغانستان تعجبت كيف ادخلوها بين كل هذه الجبال وقال لي مرافقي الافغاني «نجيب» لقد كلفوا شعبنا بحفر الصخر والجبال والوديان عندما استعمرونا وهم عبر هذا القطار نقلوا ثرواتنا وخيراتنا الى بلادهم.
ثم توالت المناظر: قرى التهريب ومناطق التموين وغيرها من المناظر من قلاع واسلحة وغنائم روسية.
عشت التجربة
كانت السيارة التي تقلني لمدة ساعات طويلة لها من الاصوات العجيبة بل عجبت كيف تمشي وعندما اقول للسائق «نجيب» كيف تسير هذه السيارة كان يضحك ويقول: انها تجاهد معنا.
كانت اول تجاربي وانا في طريقي لـ «الافغان العرب» او معسكر الانصار الذي يمر عبر مرحلة صعبة من الجو البارد القارس الذي تصل فيه درجة الحرارة 40 تحت الصفر، كل شيء يتجمد اللهم الا حركة المجاهدين الذين ينشطون في هذه الاجواء ممارسين حرب العصابات خوفا من هجمات الطائرات المروحية السوفييتية، واتذكر انني دخلت معسكر 66 المدمر وكانت الدبابات السوفييتية منتشرة وهي محطمة وحافلات معطوبة كأكوام الحديد، وكنت اتساءل: كيف سقط مثل هذا المعسكر وسط هذه الجبال الحصينة والاسلحة الاستكشافية التي تحيط به؟ ثم بدأنا ندخل المدن المحررة، وفي منطقة تردى بابا التي سميت على استشهاد احد المجاهدين، شاهدت الحفرة التي احدثها صاروخ سكود الذي اطلق عليها من كابول وخلف حفرة عميقة جدا.
القصف السوفييتي
تعرضت وانا في طريقي الى العمق الافغاني لمقابلة قادة الجهاد الافغاني والمجاهدين العرب لقصف ثلاث طائرات سوفييتية من نوع ميغ 27 المتقدمة حينذاك، والتي حذرني منها المجاهدون عبر اللاسلكي في منطقة ماهيبر، وهي محرزة منذ وقت قريب، وقد اسر فيها نحو 12 الف جندي من قوات كابول «العميلة» الذين كانوا يتمركزون في هذه المنطقة قبل ان يسيطر عليها المجاهدون، وكانت الميغ تفرغ كل ما في جعبتها من حمولة على سفوح الجبال والمراصد والمواضع العسكرية المقامة عليها، حتى القرى لم تسلم من قنابل السوفييت، وكان دوي الانفجارات يتصاعد وصرخات مكبوتة تنم عن الم، وهمهمة بكلمات لا نفهمها اللهم كلمات الله اكبر، الله اكبر، دقائق وانجلت المعركة في الغارة الغاشمة التي استهدفت مواقع المجاهدين، استشهد البعض، وآخرون اصيبوا بجراح، لقد نجوت من الموت بأعجوبة الهية، لكنني عزمت على مواصلة الوصول الى الشيخ اسامة بن لادن والمجاهدين العرب في معسكر الانصار والقادة الافغان الذين حددتهم لاجراء مقابلات معهم لجريدة «الأنباء» كأول جريدة تصل العمق الافغاني.
لقاء قادة الأفغان
من النجاحات التي حالفتني اثناء تغطية «الأنباء» للجهاد الافغاني ضد السوفييت ما قمت به من مقابلات مع قادة الجهاد الافغاني، حيث نجحت كأول جريدة عربية يومية تحظى بمقابلة القادة الافغان في ارض الجهاد في مقابلات نشرت في جريدة «الأنباء» على امتداد الاسابيع التي قضيتها اول مرة في تغطية مراحل الجهاد الافغاني وحصيلة الانتصارات، وكانت هذه اللقاءات التي حققتها «الأنباء» هدفا رئيسيا لوكالات الانباء التي اخذت منها عناوين بارزة، وكان من اللقاءات التي اجريت:
1 ـ لقاء مع رئيس الحزب الاسلامي م.قلب الدين حكمتيار الذي كان له مكان الصدارة بين الاحزاب الدينية التي نادت بالجهاد.
2 ـ مقابلة مع برهان الدين رباني رئيس الجمعية الاسلامية ـ الافغانية (جمعيت اسلامي) التي تأسست عام 1957 واسسها زعيمها المؤسس محمد نيازي الذي استشهد في كابول.
3 ـ مقابلة البروفيسور صبغة الله مجددي وهو من اسرة عربية بالاصل ونفوذه في المناطق الجنوبية وقد اعتقل عام 1978.
ومن القادة الذين قابلتهم يونس خالص، عبدرب الرسول سياف، الشيوخ احمد الحسيني وعلي غفوري ونموذج ايراني ـ افغاني. ومن ابرز القادة الذين قابلتهم في استطلاعاتي الميدانية م.احمد مسعود (اسد البانشير) ومولوي محمد نبي محمدي وسيد احمد جيلاني وم.احمد شاه ود.فاروق اعظم، وكانت معظم تصريحاتهم تنتهي بشكر الكويت حكومة وشعبا على نصرة الشعب الافغاني وشكر خاص لجريدة «الأنباء» التي غطت مراحل الجهاد في استطلاعات ميدانية جريئة وحرصت على اظهار قادة المجاهدين الافغان في موقف موحد، وانه لا بديل من انسحاب السوفييت وانهم عازمون على اقامة الدولة الاسلامية على جميع ربوع افغانستان، وان القادة الافغان عازمون على تشكيل حكومة مؤقتة بعد انهزام الاتحاد السوفييتي وان رئيسها يتم اعداده وهو م.احمد شاه لوجود اجماع على قيادته وهذا طبعا كله تغير بعد انهزام الروس وظهور حكومة عميلة برئاسة محمد نجيب الله.
الشيخ عبدالله عزام
في بيشاور لقيت د.عبدالله عزام، رحمه الله، وهو من علماء فلسطين، والكويت تعرفه بجهوده الدعوية من خلال اشتراكه في الملتقيات والمحاضرات، وقد دعي في وقت مبكر للجهاد ضد السوفييت من خلال النشرات والإعلاميات التي كان يصدرها ومن خلال خطب الجمعة، غير انه سرعان ما غادر الكويت الى أفغانستان وظل يذكي الحماس في أوساط الشباب العرب والمسلمين القادمين للمشاركة في الجهاد وسرعان ايضا ما أنشأ معهد الإمام أبوحنيفة لإعداد الدعاة الجهاديين لحسم المعركة الفاصلة في أفغانستان وأتذكر كثيرا من كتبه التي قرأتها قبل وأثناء تغطيتي لمراحل الجهاد الأفغاني ومنها على سبيل المثال لا الحصر:
ـ العقيدة وأثرها في بناء الجيل
ـ السرطان الأحمر
ـ الإسلام ومستقبل البشرية
ـ آيات الرحمن في جهاد الأفغان
ـ الدفاع عن أراضي المسلمين أهم فروض الأعيان
ـ عبر وبصائر للجهاد في العصر الحاضر
ـ في الجهاد آداب وأحكام
ـ الحق بالقافلة
ـ جهاد شعب مسلم
وكان الشيخ عبدالله عزام قد ساهم الى حد كبير في إنشاء معسكر الأنصار ومأسدة الأنصار وغيرها من المعسكرات التي تحتضن الشباب العربي القادم للجهاد وتؤهله، وقد زرت هذه المعسكرات وكانت في بداياتها متواضعة ذات امكانيات قليلة غير ان بعد مرور وقت على الجهاد تطورت وأصبحت أحسن مما كانت عليه من حيث معدات التدريب.
وقد رأيت آلافا من الشباب العربي القادم من الجزائر واليمن والسعودية ومختلف البلدان يتدرب في هذه المعسكرات.
أسامة.. والمجاهدون العرب
أول مرة أشاهد فيها الشيخ أسامة بن لادن كانت في معسكر الأنصار ومن حوله مئات من الشباب العربي المتطوع في صفوف المجاهدين للقتال الى جانب أسامة والشيخ عزام.
كان المتطوعون العرب قادمين من مختلف الدول بما فيها الكويت وأقطار دول مجلس التعاون واكثر من 13 دولة، كما اذكر ان لم تخني ذاكرتي وقد توزعوا مع سائر فصائل المجاهدين وقد عرف عنهم الإقدام والجرأة في الاقتحام وحب الشهادة، وقد سقط عشرات منهم في معارك أفغانية في ساحات الحرب مع الجيش السوفييتي وأتذكر ان أول شهيد تم رثاؤه هو: نور الدين الجزائري الذي قدم صيف 1982 وتوفي قرب كابول.
وللكويت شهيد اسمه عبدالله الفيلكاوي ـ أبوعثمان ـ وهو خريج جامعة الكويت ـ علوم اجتماعية وقد سجل قبل وفاته لنيل درجة الدكتوراه من جامعة السند متزوج وقد استشهد في محافظة هيرات.
وقد كتبت سيرة هؤلاء الأبطال في كتابي «القضية الأفغانية» مع نشر صور بعضهم وقد لاقى هذا الاستطلاع قبولا كبيرا في الكويت وخارجها.
حوار مع أسامة بن لادن
في أول زيارة لي وانا اتجول مع الشيخ عبدالله عزام ـ رحمه الله ـ اخذني الى معسكر الانصار المسمى حاليا «مأسدة الانصار» وعندما دخلنا المعسكر بعد ادائنا صلاة العصر في لندري كوتل شاهدت الشيخ اسامة بن لادن مع 6 من المجاهدين يفترشون الارض ويأكلون «الأش» مع الخبز الافغاني وهو اقرب ما يكون لماعون «الفول» العادي غير ان به مجموعة من الخضراوات، فقال: تفضلوا، لا سلام على طعام (احدهم) فاعتذر الشيخ عبدالله عزام لاننا بالفعل تناولنا الغداء في بيشاور، وهنا التفت الشيخ اسامة بن لادن إلي موجها الحديث لي قائلا: يا شيخ الا تعلم ان المصورين في الدرك الاسفل من النار؟ في اشارة لي لانني احمل كاميرتي على كتفي الايسر فقلت: يا شيخ اسامة الا تعلم ان الصورة تغني عن الف مقال؟ وواصلنا التجوال في المعسكر وهنا فقط أنبه الى ان الشيخ عندما قال هذا الامر عن الصورة بعده لم يتأثر بفكر د.ايمن الظواهري.
فكر اسامة
من خلال متابعتي للحرب الافغانية بكل مراحلها استطيع ان اقول ان اسامة بن لادن بدأ صاحب فكر سلفي رافض للصورة وله ادلته على التحريم، عدا اخذه بالكتاب والسنة في فقه اقواله واعماله، غير ان اندماجه مع د.ايمن الظواهري وهو يمثل فكر التكفير والهجرة قد اثر في اسامة بن لادن بشكل كبير بدليل ان اسامة بن لادن تحول من السلفية التي يحرم بعضها حتى الصورة الى رجل يعشق الصورة مرة يظهر راكبا حصانه وأخرى يحمل بندقيته، ومن خلال متابعتي للأشرطة التي تبث عن عرس نجله وتفقده معسكرات الشباب واحاديثه يبدو لي والله اعلم أنه محب للحياة غير انني اؤكد انه كان بليغا في كلامه واحاديثه عارفا لهدفه غير متردد في قراراته.
ولا ارى ما يذهب له الساسة والاعلاميون من ان القاعدة انتهت بعد مقتله، لان القاعدة تركت المركزية وصارت قواعد محلية ومثلما قتل الزرقاوي احد ابرز قادتها، سيواصل جيل من بناة فكر القاعدة مسيرتهم لان هذه القضية قضية قناعات وفكر وله انصار ومازلت لا اصدق احيانا انني كنت هناك ولولا الصور والكتاب الذي ألفته بعنوان: «القضية الافغانية» عام 1989 ومابقي في داخلي من حقائق وعلى الورق لأنشرها الى القارئ وبكل امانة، ويبقى ان المسلم في حال الموت لا يقول الا الله يرحمه وعلمه عند الله تبارك وتعالى والله اعلم.
دعوته لي للخرطوم
عقب تحرير الكويت تلقيت اتصالا من بيشاور من مكتب اسامة بن لادن للاستعداد للسفر الى الخرطوم بعد ان قرر اسامة بن لادن ان ينقل الجهاد الى السودان، غير اني لم احصل على موافقة «الأنباء» لعمل استطلاعات عن المجاهدين العرب هناك، وللامانة لم اكن متحمسا للذهاب بعد انتهاء الملف الافغاني وصراعهم على كراسي الحكم.