Note: English translation is not 100% accurate
سلسلة "الأنباء" عن ثورات الربيع (4)
بالورود وشعار «كفاية» أطاحت الثورة الوردية بنظام شيفرنادزه في جورجيا
7 أغسطس 2011
المصدر : الأنباء



الحرب مع روسيا وانفصال أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية سرقا وهج الثورة وورديتها وبددا كثيراً من أحلام الجورجيين
بقلم: محمد الحسينيقبل الحرب مع روسيا عام 2008 التي سلطت الضوء على جورجيا وانتهت بانفصال كل من مقاطعتي أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا عنها واعتراف روسيا بهما كدولتين مستقلتين وسط ذهول العالم أمام عجز الولايات المتحدة وأوروبا عن فعل شيء غير التنديد والاستنكار كانت جورجيا قد سرقت الأضواء قبل ذلك بثورتها الوردية عام 2003 التي أطاحت بالرئيس ادوارد شيفارنادزه (أحد أشهر وزراء خارجية الاتحاد السوفييتي قبل انهيار الاتحاد) قبل عامين من نهاية ولايته، وذلك بعد عمليات تزوير في استفتاء عام لتقليص عدد أعضاء البرلمان من 235 إلى 150 بالتزامن مع انتخابات برلمانية، دفعت بأحزاب المعارضة ورموزها وعلى رأسهم وزير العدل السابق في عهد شيفارنادزه مايكل ساكشفيلي إلى الدعوة إلى تظاهرات سلمية وعصيان مدني دفع بعشرات ألوف الجورجيين إلى شوارع العاصمة تبليسي.
وبعد الانتخابات وعندما حاول شيفارنادزه دخول البرلمان يوم 22 نوفمبر 2003 لافتتاح دور انعقاده اقتحمه نواب المعارضة وبينهم ساكشفيلي وجماهيرها حاملين ورودا مجبرين شيفرنادزه على الهروب من الباب الخلفي، ما ادى الى مزيد من التفاعل الشعبي مع الثورة رغم اعلان شيفرنادزه حالة الطوارئ وانتشار قواته في العاصمة وخاصة في محيط مقر إقامته.
العنصر الحاسم كان في رفض كبار قادة الجيش خوض مغامرة المواجهة مع الشعب وهو ما شكل ضغطا هائلا على شيفرنادزه الذي استعان بروسيا منذ دخل وزير خارجيتها ايغور ايفانوف على الخط وانتهت المفاوضات بالاتفاق على تنحي الرئيس يوم 23 نوفمبر.
بسبب هذه التطورات غير العادية سرقت جورجيا الأضواء يومي 22 و23 نوفمبر 2003 من المواجهات الدموية في العراق والتي عادة ما كانت تتصدر نشرات الأخبار في ذلك العام.
تحرك المتظاهرون رافعين شعار كمارا (كفاية). اكتسب التحرك في جورجيا اهمية كبيرة نظرا لحساسية المكان، فالوضع هناك لم يكن مختلفا كثيرا عما تشهده دول اخرى في المحيط السوفييتي وخاصة الجارة أوكرانيا التي ثارت بعد عام بشكل مشابه وهو ما جعل العالم يتساءل إذا ما كان ثمة حرب باردة ثانية في محيط روسيا وريثة الاتحاد السوفييتي.
لم يكن «الكرملين» راضيا اطلاقا عما يجري في تبليسي وكان الرئيس الروسي آنذاك فلاديمير بوتين يرى في تغيير النظام عبر الشارع مؤشرا خطيرا جدا ولذلك سعت روسيا للتدخل ومحاولة التأثير والمساعدة على احتواء الموقف.
وبالمقابل كانت الولايات المتحدة تتابع التطورات عن كثب كان المسؤولون الأميركيون من أعلى الهرم الى اصغر متحدث في وزارة الخارجية يرحبون بمسعى الشعب الجورجي لـ «التغيير ورفضه للفساد والظلم» مؤكدين مساندتهم لـ «تطلعات الشعب الجورجي» وهي أدبيات لم تعد غريبة اليوم في ظل تكرارها في غير مكان في العالم.
وبالتزامن مع ذلك نشطت المنظمات الدولية غير الحكومية وقدمت دعما وتمويلا للثورة.
كان صدى تنحي شيفارنادزه مدويا وعمت الشوارع احتفالات تاريخية صاخبة.
أعقب تنحي شيفارنادزه قرار للمحكمة العليا بإلغاء نتائج الانتخابات البرلمانية، وفي 4 يناير 2004 اجريت انتخابات رئاسية فاز فيها ساكشفيلي الذي دعا الى انتخابات برلمانية جديدة فاز فيها حزبه في 21 مارس 2004.
بداية ترددات الثورة الوردية كانت داخلية وتحديدا في اقليم اجاريا، حيث خرج الاجاريون في تظاهرات وردية جديدة ضد اصلان اباشيدز الذي اعطى اوامره الى رجال الامن لردع المتظاهرين لكن مرة اخرى نجح المتظاهرون مدعومين من الحكومة الاتحادية هذه المرة فاضطر اباشيدز الى التنحي.
رغم نجاح الثورة في تغيير الرئيس لم يؤد رحيل شيفارنادزه ومجيء ساكشفيلي الى تغير كبير في حياة المواطن الجورجي تجلى في تراجع شعبية الرئيس الحالي الذي حقق فوزا باهتا وجدليا بولايته الثانية عام 2008.
التحديات الكبيرة ونفوذ قوى الفساد والخلافات السياسية والحزبية حدت من قدرة ساكشفيلي على التغير الملموس يضاف الى ذلك ضعف اداء الحكومة والتأثير الروسي والتوتر في الاقاليم وهو ما دفع بباكار بيريكاشفيلي وهو عضو في حركة الشباب العالمي الاشتراكي الى الاستشهاد بقول مغني «البيتلز» البريطاني الراحل جون لينون الذي قال: «علينا ان نصنع حياتنا بأنفسنا وألا نعتمد على رؤسائنا».
شيفارنادزه بدايته واعدة ونهايته حزينة
الفقر الذي قاساه في طفولته هو الذي رسم حياته حتى وصل ليكون الرجل الثاني في الاتحاد السوفييتي بعهد غورباتشوف ثم رئيسا لموطنه جورجيا بعد انفصاله عن «ثاني الجبارين». فقر شعبه الى جانب الفساد السياسي هو الذي اخرجه من السلطة بأسوأ مشهد.
ولد ادوارد شيفارنادزه في بلدة صغيرة تدعى ماماتي في جورجيا بتاريخ 26 يناير 1928.
كان والده معلما ورب لاسرة كبيرة تتألف من 4 أبناء وبنت، يذكر شيفارنادزه كيف انه كان يذهب الى المدرسة عاري القدمين لعدم قدرة والده على شراء حذاء له وكيف كان يقضي اغلب الايام جائعا. في عمر الـ 17 قرر ان يدرس الطب ومعه درس التاريخ مظهرا ذكاء حادا وثقافة موسوعية وحقق نبوءات والده امبروزي شيفارنادزه الذي كان يقول: سيكون ادوارد رجلا ذا شأن مهم جدا ومستقبل لامع. عند انهيار الاتحاد السوفييتي كان شيفارنادزه وزيرا للخارجية بعد رحلة طويلة ومناصب عديدة ترقى خلالها في الحزب الشيوعي وعندما دعي للعودة الى جورجيا وتولى السلطة عام 1992 عقد عليه الجورجيون آمالا كبيرة ما لبثت ان تبخرت.
ثورات الربيع
من صراع القوميات الذي تصاعد إلى حربين عالميتين، إلى صراع الأيديولوجيا الذي أدخل العالم في حرب باردة بين «الجبارين»، وصولا الى ما يسمى بعصر القطب الواحد والعولمة، شهد العالم ثورات وانتفاضات شعبية لن تُنسى لاسيما تلك التي اتسمت بالطابع السلمي.
بعد انتصارها في الحرب الباردة واجهت الولايات المتحدة عمليات استهداف معادية من جماعات إسلامية سبق ان دعمتها أميركا في حربها الضروس ضد الاتحاد السوفييتي في افغانستان. وصلت حركة طالبان إلى السلطة في افغانستان عام 1994، ووفرت ملاذا آمنا لتنظيم «القاعدة» الذي أسسه أسامة بن لادن بين عامي 1988 و1989 أعلن حربه رسميا على الولايات المتحدة، وأولى عملياته البارزة كانت محاولة تفجير برج التجارة العالمي في 1993، ثم استهدف السفارتين الأميركيتين في تنزانيا وكينيا عام 1998، قبل أن ينفذ هجمات 11 سبتمبر التي كرست عمليا نظرية كان قد أطلقها استاذ العلوم السياسية صامويل هنتنجتون عام 1993 عن «صراع الحضارات» اعتبر فيها أنه بعد الحرب الباردة ستكون المواجهة الأعنف على أساس الحضارة، مستعرضا عددا من المواجهات المحتملة للحضارة الغربية مع الاسلام والحضارتين الصينية والاندوكية (الهندية).
مسار الأحداث والصراع بين «القاعدة» والغرب أعطى النظرية زخما منقطع النظير ودارت نقاشات مطولة، غالبا ما كانت تنتهي إلى أن المجتمعات الإسلامية ممانعة بحضارتها وموروثاتها للديموقراطية، مستشهدين بالثورة الإيرانية التي لم تفض إلى ديموقراطية بمفهومها الغربي رغم سلميتها، واستبعد كثير من الخبراء وبينهم هنتنجتون أن يشهد العالم العربي ثورات شبيهة بتلك الثورات التي حررت دول أوروبا الشرقية قبل وبعد سقوط جدار برلين وتفكك الاتحاد السوفييتي.
رحل هنتنجتون عام 2008 قبل 3 سنوات من أحداث اجتاحت فجأة العالم العربي فيها الكثير من سمات الحركات التحررية والديموقراطية السلمية التي سبق ان شهدها الغرب بدءا من أحداث 1968 في فرنسا إلى ربيع براغ ثم سقوط الجدار، كما لم يشهد قبل وفاته أحداث النرويج في 22 يوليو 2011 والتي تؤكد أن اليمين المسيحي ليس بأقل تطرفاً من اليمين الإسلامي.
ارجاء كثيرة من العالم العربي المسلم بغالبيته شهدت خروج ملايين الشباب إلى الشوارع بحماس منقطع النظير، بدأ في تونس وامتد الى دول أخرى تحت شعار «الشعب يريد إسقاط النظام» مستفيدين من ثورة التكنولوجيا القادمة من الغرب والإعلام الجديد الذي قدمته شبكة الإنترنت.
قوبلت الثورات بترحيب غربي وبذلت الدول الغربية وسفاراتها جهودا كبيرة على غرار تلك التي بذلتها في نهاية الثمانينيات في أوروبا الشرقية.
وحاولت مساعدة الثوار في أكثر من حالة كان أوضحها ليبيا على تشكيل سلطة مؤقتة بديلة تتولى المرحلة الانتقالية خلال وبعد سقوط النظام.
بمناسبة ما أطلق عليه «الربيع العربي» نستعيد بالذاكرة بعض الثورات المشابهة في اوروبا والعالم خلال العقود الماضية منها الثورة المخملية في تشيكوسلوڤاكيا والثورة الوردية في جورجيا والبرتقالية في أوكرانيا وثورة التوليب في قيرغيزيا وثورة البلدوزر في صربيا وثورة الغناء في دول البلطيق، إضافة إلى بعض تجارب القرن الماضي في مجال النضال السلمي للحركات التحررية وصولا إلى الثورات العربية.
واقرأ ايضاً:
الحلقة الأولى: ثورة تشيكوسلوفاكيا المخملية غيّرت وجه أوروبا
الحلقة الثانية: بالغناء خاضت دول البلطيق ثورتها وتحررت من الاتحاد السوفييتي
الحلقة الثالثة: «ثورة البلدوزر» أطاحت بميلوسيفيتش أكبر ديكتاتوريي العصر الحديث