Note: English translation is not 100% accurate
أول قواعد الحرب في القرن الـ 21: تجنّب غير المتكافئة منها
29 يناير 2008
المصدر : الانباء
جوزيف جوف
لماذا تخفق أقدر الجيوش الغربية في مواجهة «حزب الله» أو «القاعدة الجهاد في بلاد الرافدين»، وغيرهما من المنظمات الجهادية؟ لعل خير جواب هو أكثر الأجوبة قدما عن أقدم المعارك غير المتكافئة. ففي كتاب صموئيل أنه خرج من صفوف الفلسطينيين رجل اسمه جوليات، تبلغ قامته 6 أقدام طولا، وتزن درعه 60كلغ ورمحه 7كلغ، واختار داود من حصى النهر 5 وضعها في جعبته، وتقدم الى لقاء جوليات ومقلاعه بيده، ووضع حصاة في المقلاع، وصوب الى جبهة منازله فأصاب جبهته وصرعه.
ولا يقصد بالتذكير بالقصص التوراتي هذا المقارنة بين غاية داود الأخلاقية وغاية الانتحاري أو سائق السيارة الملغمة، ولكن ثمة سمات مشتركة ثلاث انتقلت من الحرب غير المتكافئة القديمة الى ميادين الحرب المعاصرة: السمة الأولى هي السلاح البدائي والرخيص الذي يتفوق على السلاح المعقد والغالي، والثانية هي المفاجأة التكتيكية، والثالثة هي سلطان الايديولوجية الآسرة على المقاتلين.
وتغيير المصطلح وحده يفي بغرض وصف الحرب العراقية في شتاء 2003، فالمتفجرات المزروعة بحافة الطرق والسيارات المفخخة هي سلاح المتمردين ضد جيش مسلح بأسلحة دقيقة وتوجه الأقمار الاصطناعية تصويبه، وسبق تدريبه على «حرب الشبكات». وفي جنوب لبنان، صيف 2006، قاتلت وحدات غير نظامية وحدات نظامية تقليدية من سرايا وكتائب وألوية. وتوسلت الأولى بتكتيك قوامه الانتشار والمفاجأة، والامتناع عن تثبيت اهداف بوسع الأقمار الاصطناعية والأسلحة الذكية اصابتها. قد اختبأ المقاتلون بين المدنيين، فكان التمويه والملجأ أو المخبأ. واضطلعت الايديولوجية بالتعبئة، وعظمت قوة المقاتلين وحملتهم على تحدي الموت.
وفي حرب العراق سمة رابعة ليست من سمات الحرب غير المتكافئة المعروفة، ولكنها تثقل كفتها. فإلى جانب الحرب على الأجنبي تدور حرب اهلية، وتشابك الحربين يخلف عددا كبيرا من الجبهات، فلا جواب عن السؤال: من هو العدو؟ فالعدو سانح، بحسب الظرف. فهو عدو اليوم، وربما الساعة. وقد يكون احد ثلاثة: «القاعدة»، أو عصبة من العراقيين السنة، أو ميليشيا شيعية، أو منظمة غير معروفة. وإذا لم يعرف جيش على من يصوب، فلا جدوى من أسلحته المتفوقة تكنولوجيا.
ودروس معركة سالامين بين ملك الملوك الفارسي وبين «الرعاع» الاثينيين في 480ق.م. هي نفسها دروس منازلة داود وجوليات: الخفة نظير الضخامة، اهل البلد نظير الأجانب، المفاجأة خلاف الخطة المتوقعة، بجانب باعث معنوي استثنائي وإلمام قريب بالأرض والطقس. وإلى وقت غير بعيد، كانت مزايا الحرب غير المتكافئة في كفة الغربيين. ففي أم درمان، في 2 سبتمبر 1898، هزم جيش من 8 آلاف جندي بريطاني، يقوده هوراسيو كيرشنير 50 ألف مقاتل على رأسهم خليفة المهدي. فلم تترك مدفعية الميدان البريطانية، والرشاشات من طراز «مكسيم»، مقاتلا سودانيا يقترب الى مسافة اقل من 150 - 200 قدم من الخطوط البريطانية. فتفوق التقنية والتنظيم كان جوهر الحرب غير المتكافئة في القرن التاسع عشر. والفرنسيون الذين احتلوا الجزائر بـ34 ألف رجل عام 1830 وما بعدها، لم يصمدوا، رغم وجود 600 ألف رجل بعدها بقرن وربع القرن. ولعل الوجه الراجح من الجواب سياسي فوق ما هو عسكري.
وكان ألكسيس دوتوكفيل هو السباق إليه (في 1841)، فقد ذهب الى ان قانون الحرب يجيز للجيش، الذي يقاتل بأرض اهلها قبليون، ان يحرق الغلال، في الأوقات كلها، ويأسر النساء والأولاد والرجال، ويصادر الماشية والدواب. وقد لا يستسيغ مثقف غربي اليوم هذا الكلام. فتمييز غير المقاتلين من المقاتلين، والسكان من القوات العسكرية، صار مسلمة من مسلمات الذهنيات الغربية، وسنتها اتفاقية جنيڤ الرابعة في 1949 قانونا.
والسبب في ذلك واضح ومفهوم، هو الحرب العالمية الثانية ووقائعها. فألمانيا شنت حرب استئصال على السلافيين وغيرهم من «المسوخ» البشرية، وارتكبت اليابان بالشرق الأقصى المجازر بحق المدنيين. وغداة الحرب، ارتكبت الفظائع في حربي الجزائر وڤيتنام. وبقيت هذه الذكريات ترقى الى عهد الاستعمار بأفريقيا وأميركا.
وتؤدي هذه الى حال غير متكافئة لا تحتمل: فيسع «حزب الله» و«حماس» و«القاعدة» و«ألوية الموت» المذهبية والميليشياوية العراقية من غير تردد، قتل المدنيين، وجعل القتل شعارا استراتيجيا، بينما على الغرب ان يتفادى الخسائر المدنية وقد اختبر الإسرائيليون الحال في لبنان، فلا بأس، ولا تبعة على «حزب الله» إذا صوّب صواريخه على غير المقاتلين، وخبأ الصواريخ هذه في مساكن مدنيين واتخذ هؤلاء دروعا بشرية، وهذه كلها تحظرها اتفاقيات جنيڤ.
والرد الغالب في الغرب هو ان مهاجمة الإنشاءات المدنية، في كل الأحوال، غير جائزة. ولم يسر الإسرائيليون أنفسهم بمهاجمة الإنشاءات المدنية. ويسوغ هذا تسويغا حادا انتقال الخصم الى مستوى أعلى من العنف، على شاكلة الجماعات العراقية المقاتلة في المرحلة الثانية من الحرب.
والسمة الثانية اجتماعية - ثقافية، وقد يصح حملها على «أفول الداعي الامبراطوري (السلطاني)» الغربي. وهذا طوي وانتهى، فالداعي الامبراطوري يفترض طبقة تتولى تدبير الممتلكات، وترغب فيه. ويفترض مجتمعا يقر هذا العمل، ويقبل ثباته ودوامه. فالمجتمعات الغربية تؤثر الحروب القصيرة والمنتصرة، من غير سفك دماء، على شاكلة حرب الأسابيع الثلاثة في العراق في 2003، وقبلها بأفغانستان. فإذا طالت الحرب وانقلبت حربا دامية، عافتها مجتمعاتنا. والمتمردون على دراية بالأمر. وهم مقيمون، على خلاف الأجانب. وسمة غير التكافؤ الثالثة هي المصالح، فالقتال والموت بأرض أجنبية من غير رابط مباشر بالأمن الوطني، أمر عسير وانسحاب الأميركيين والفرنسيين من لبنان في 1984 غداة اغتيال بضع مئات من جنودهم، أو عندما أمر كلينتون بإنهاء التدخل في الصومال، كان قرينة على عسر هذا القتال. وتسويغ الحروب الإرادية أو المختارة يشكو التجريد، على حين ان الخسائر ملموسة ومشهودة. والتقويم الزمني نفسه غير جلي فتاريخ النصر غير معلوم. وقد لا يحرز نصر ابدا، وتترتب على هذا خسارة المساندة الأهلية. والسمة الرابعة داخلية وتنجم عن الفرق بين النيات السياسية الشريفة والنتائج الاستراتيجية القميئة. فقلما يبلغ هذا النمط من الحروب غايته وهي تغيير نظام البلد السياسي: فمن حرب كوريا الى حرب لبنان (في 2006) كان قلب نظام ميلوسيڤيتش بصربيا هو الإنجاز الوحيد.
والإخفاق العراقي، في هذه السلسلة من الحروب، مدو، فتدمير نظام صدام حسين وجيشه أزال الحاجز الأول على طريق التوسع الإيراني. وكان ريغان قد ساند، مواربة، صدام بوجه إيران محتسبا ميزان القوى. وحرر تدخل التحالف الشيعة العراقيين من قهر النظام، وفتح الطريق امام تحالف ايديولوجي بين النجف وقم. وورط الاحتلال الولايات المتحدة في رمال انتفاضة عراقية لا ترى نهايتها، وفي مستطاع ايران استعمالها على هواها. ولعل الحرب الإسرائيلية - الإيرانية الأولى، من طريق «حزب الله»، هي من مترتبات هذه الحال الجديدة. وقد يترتب على هذا، ثالثا، انسحاب الولايات المتحدة والمملكة المتحدة من المنطقة، والإقرار بالسيطرة الإيرانية، وانتقال القوى «الجهادية» المستقوية الى افغانستان.
وفي ضوء هذا كله، تتبدد الشكوك في ان هزيمة متشدد من المتشددين لا تجعله ديموقراطيا، والجيوش الغربية الحديثة، وقوة نارها المدمرة، لا تحسن إرساء نظام سياسي ولا حمايته. وتحمل هذه الوقائع على العودة الى دروس كلاوزفيتز وبالمرستون، فالأول استبعد تخفف المجتمعات من الأهواء والمصالح المخالفة لاستتباب السلم، وتوقع استحالة «السلم الديموقراطي» بين الأمم، والثاني دعا الى مراقبة توازن القوى، والحرص على استقراره، وتحاشي الإخلال به، وهذه «الوصايا» لا تنفي الحروب الإرادية أو المختارة بإطلاق، ولكن على الأمة المضطرة الى الحرب ألا تخوض حرب بسط الأمن (داخل البلد أو الدولة التي تخوض الحرب على أرضها) بل حرب توازن إقليمي.
فالمسألة الأولى هي الأمن: هل يهدد هذا العدو مصالح حيوية أو حلفاء حيويين؟ هل يحمله تعاظم قوته على الانجرار الى تهديد هذا الصنف من المصالح الحيوية؟ وفي هذه الحالة ينبغي ألا تستبعد الحرب الوقائية نفسها من الحساب الاستراتيجي. والشطر الثاني من الدروس يتناول مناسبة الوسائل للغايات: هل يسع امة بلوغ غاية من طريق الحرب إذا اقتضت الحرب هذه التكلفة، وهذا الوقت، وهذه الوتيرة؟ ويقتضي هذا تأليب الحلفاء في سبيل العدد، وفي سبيل تعظيم مشروعية الحرب على وجه الخصوص، وقرار من مجلس الأمن يقيد الذي ينزع الى خوض الحرب من غير حلفاء. وفي المرتبة الأولى ينبغي ألا تقع الدولة المحاربة في فخ الحرب غير المتكافئة. فيستحسن اختيار ميدان تميل فيه كفة الميزان غير المتكافئ لمصلحة الدولة المحاربة. ويدعو هذا الى خوض الحرب مع جيوش، وترك خوضها مع متمردين أو سكان مدنيين يحتمي بهم المتمردون، والأسلم ترك الحرب، والإقلاع عنها، والتوسل بالسلطان غير العسكري، والأحلاف، والاحتواء، وقوة الردع التي تمهد للعمل العسكري، وهؤلاء قد لا يحورون جوابا عن مسألة الإرهاب، ولكن شر الأمور قتال «حزب الله» و«حماس» حيث يقاتلان: في المدن، أو بين كتل السكان حيث يلجأ مقاتلو المنظمتين، فهذا يفلّ أجود الأسلحة أو يرتب ثمنا معنويا باهظا، وعلى القوات تجنب جبه المتمردين، والاستعاضة عنه بمراقبة الفسحات الواسعة وميادين السلاح السريع. وعلى القوات المحاربة مهاجمة طرق تموين المتمردين. وإذا كانت هذه الطرق تعبر بلدانا مجاورة، فينبغي ان يكون تهديد هذه البلدان فاعلا ومؤثرا، وثمة ميدان هو الصواريخ القصيرة المدى التي يميل إليها «حزب الله» و«حماس»، على القوات المحاربة إحراز تقدم تقني فيه، وقد لا يحرز هذا نصرا حاسما، ولكنه يحول بين العدو وإحرازه النصر، ويقتضي هذا احتساب حرب مديدة وطويلة، وقليلة الخسائر في صفوف الدولة (الغربية) المحاربة، وفي صفوف المدنيين، جميعا، أما الإرهاب من الصنف الذي ضرب مدريد ولندن فعلاجه في باب الشرطة، وهو ليس تهديدا استراتيجيا.
عن «النيويورك تايمز»صفحة قضايا في ملف ( PDF )