في الأيام التالية لهجمات 11 سبتمبر، عمت نيويورك حالة من الهلع والتساؤلات: ما الذي سيحصل بعد ذلك؟ قنابل إشعاعية قذرة أم اعتداء نووي؟ حاولت أن أقنع صديقي بألا يخشى موجة ثانية من الاعتداءات، وكنت مقتنعا أن بن لادن وأعوانه كانوا «محظوظين» بالنجاح الذي حققوه وأنهم ربما لم يعتزموا وضع خطة ثانية.
واعتبرت صحيفة «الحياة» في تقرير لها ان زعيم تنظيم القاعدة المقتول اسامة بن لادن كان مخططا استراتيجيا سيئا، وعللت بحسب كاتب التقرير رؤيتها بعدة اسباب، منها: انه لم يهيئ اتباعه لإخلاء المدن الأفغانية، إذ كان مقتنعا أن الأميركيين لن يقدموا أبدا على إرسال جنودهم ليحاربوا في أفغانستان، وأخبر مناصريه أن الأميركيين جبناء. ونتيجة لذلك، لم تخل حركة طالبان ومناصروها المدن ولم تتوزع قواتها في المناطق الجبلية استعدادا لحرب عصابات طويلة الأمد، كما كان ليفعل كل من يتوقع ردا أميركيا فوريا، واستمرت حركة طالبان في دعم الخطوط الأمامية في شمال شرقي أفغانستان، وأبقت على وحداتها في المدن المعادية ككندز ومزار الشريف وكابول، وقد قتل المئات من الأعضاء التابعين لها في العمليات المشتركة التي شنها الأميركيون وحلف الشمال الأفغاني. وفي عام 2003، أثبت بن لادن مرة جديدة أنه مخطط إستراتيجي سيئ حين كان الأميركيون يحضرون علنا لغزو العراق، فأمر أتباعه، خلافا لرأي ملازميه، أن يطلقوا شرارة التمرد في السعودية، الأمر الذي أدى إلى هلاكهم على أيدي القوات الأمنية. وفي العام ذاته، ذاع صيت أبومصعب الزرقاوي الذي اختار أن يحارب في العراق، وقد حصد من الشهرة ما مكنه من منافسة بن لادن نفسه.لكن الخطأ الاستراتيجي الأكثر فداحة الذي اقترفه بن لادن كان تصوره أن بإمكانه إعادة إحياء الحضارة العربية الإسلامية من خلال مواجهات عسكرية مع عدو غير محدد، واستنادا إلى الأفكار التي طورها سيد قطب حول طليعة المناضلين الإسلاميين، عمل على إزالة فكرة مشاركة الشعب العربي من مفهومه للسياسة، والآن بعد الربيع العربي، يمكننا القول: كم كان مخطئا!أما أحد أكبر الخاسرين جراء اعتداءات 11 سبتمبر فهو حركة المناهضين للعولمة: ففي أواخر التسعينيات، ازداد هؤلاء قوة حتى انهم تمكنوا من أن يضربوا حصارا حول قادة العالم، بواسطة القيم التي كانوا يحاربون من أجلها وفي شكل حسي على حد سواء. وأصبحت حقوق الإنسان، والعدالة الاجتماعية، وحماية البيئة قيما أسمى من المنافسة القوية على السلطة والاستيلاء على الموارد، وهي قيم ظهرت في الفترة التي تلت الحرب الباردة. وبعد انهيار حائط برلين، أخذ عصر جديد بالنشوء أوقفته فجأة أحداث 11 سبتمبر التي قلبت معادلته وجعلت من القيم العسكرية أمرا رائجا من جديد.واستفاد المقربون من إدارة الرئيس السابق جورج دبليو بوش باشكل مباشر، فتمت خصخصة الحرب على نطاق واسع، حيث باتت الآن مطاعم ماكدونالدز تقدم الطعام في المخيمات العسكرية الأميركية المتمركزة في بلدان أجنبية، وشركات أمن خاصة تؤمن سلامة السفارات وتملأ جيوب أصحاب العلاقات الوثيقة في واشنطن.
وانضمت الأنظمة غير الشعبية وغير الشرعية في الشرق الأوسط وأفريقيا إلى لعبة «الحرب العالمية على الإرهاب»، فدعمت الحرب من أجل نيل حظوة واشنطن، وقام البعض بذلك بغية تحصيل الأموال من واشنطن، بينما كان هدف أنظمة أخرى تأمين الحجة الأخيرة لعلة وجودها، ألم يقل القذافي في الأمس، كما يقول الأسد اليوم، ان التظاهرات السلمية ضد النظام يقودها بالفعل إسلاميون خطيرون؟
وبالنظر إلى هذا العقد الضائع، يتساءل المرء: ما الأهداف الكامنة وراء غزو الولايات المتحدة للعراق واحتلاله؟ أو حتى لمواجهتها مع المقاتلين الإسلاميين؟ ومن سيكون الرابح في هذه الحروب؟ والجواب الذي يبدو وحيدا: الصين.