Note: English translation is not 100% accurate
هل سمّم سالييري صديقَه موزارت حسداً وغيرة؟
25 سبتمبر 2007
المصدر : الأنباء






مواجهات يشهد عليها التاريخ
اعداد: محمد الحسيني
التاريخ تسطره إنجازات صنّاع أحداثه من الرجال والنساء، وكم لنا في هذا التاريخ من عِبَر ومواقف تستحق أن نقف عندها لنستفيد منها أو نثري بها معلوماتنا.
في بحر الزمن نغوص لنستحضر على مدى 30 حلقة مواجهات لا تنسى من مختلف العصور والحضارات في مجالات الحرب، الأدب، الفن والرياضة، كان التاريخ شاهدا عليها وتستحق أن نستعيدها.
مناقشة للسؤال الذي مازال يحيّر عقول وقلوب عشاق الموسيقارين الكبيرين بعد أكثر من قرنين على رحيلهما
5 ديسمبر 1791 كان يوما حزينا، أفل فيه نجم أحد أهم عباقرة الموسيقى على مدى التاريخ... وولفغانغ أماديوس موزارت الذي قضى أيامه الأخيرة على فراش الموت بعدما تدهورت صحته في ظروف غامضة.
لقد ترك موت موزارت العالم في حيرة مستمرة الى اليوم مع كثرة السيناريوهات والفرضيات والتحليلات حول ملابساته: هل مات بسبب المرض؟ واذا كان ذلك صحيحا فأي مرض تسبب بوفاته؟ أم مات مقتولا؟ وفي هذه الحالة من هو القاتل؟ إنها أسئلة لم تجد أجوبة قاطعة حتى اليوم.
بحسب الروايات حُمِل جثمانه من كاتدرائية سان ستيفن الى المقبرة في ڤيينا وسار في الجنازة جمع من أصدقائه بينهم الموسيقار أنطونيو سالييري الذي كان يبكي بحرقة على رحيل صديقه...
فيلم أماديوس الذي فاز بـ 8 جوائز أوسكار من أصل 11 رشح لها عام 2003 يتبنى الرواية القائلة إن سالييري هو القاتل.
ويروي الفيلم الذي يرتكز على عدد من الروايات التي تتهم سالييري بقتل موزارت اعترافات الأول عام 1820 أمام كاهن بأنه حاول الانتحار انتقاما من نفسه لأنه مسؤول عن تسميم موزارت قبل 3 عقود.
وبعد مرور نحو 215 عاما على رحيل موزارت لاتزال تلك الحادثة غير مثبتة وإن كانت أغلبية المؤرخين تذهب الى استبعاد احتمال وقوف سالييري وراء الجريمة مع الإقرار بوجود أسباب كثيرة للمنافسة الشرسة بين الرجلين وأهمها تفوق كل منهما على الآخر بمجالات مختلفة.
شرارة المنافسة بين الاثنين اندلعت منذ انتقال موزارت من سالزبورغ (على الحدود الألمانية - النمساوية) الى ڤيينا عاصمة الفنون تسبقه سمعته كمبدع عزف في السابعة من عمره أول سيمفونية ولحن في الـ 12 أول أوبرا.
هذه الأنباء وتواتر الحديث عن موهبة موزارت دفعت بإمبراطور النمسا جوزيف الثاني الى دعوته الى القصر، وقد اعجب الامبراطور جدا بأعماله، وهنا ايضا تنقسم الروايات بشأن بداية العلاقة بين موزارت وسالييري الذي كان احد كبار الموسيقيين الإيطاليين المقربين من الامبراطور في البلاد حينها، فبينما تشير بعض الروايات الى انهما كانا على علاقة جيدة تذهب اخرى الى الحديث عن غيرة وحسد بين الرجلين وتصور سالييري على انه شيطان مرعب، كما في فيلم «أماديوس».
ولفهم أكبر للأجواء التي احاطت بحياة الاثنين لابد من الإشارة الى انجازات الرجلين وموقعهما في عالم الفن.
موزارت رغم انه لم يعش سوى 35 عاما، إلا انه ترك تراثا خالدا من الأعمال التاريخية القيّمة والتي لا تتكرر.
تميز باتقانه لجميع الألوان الموسيقية في عصره من السوناتا، الرباعيات الوترية والأوبرا وابتكر كونشيرتو البيانو.
الف 56 سيمفونية، أشهر السيمفونيات 39 و40 و41، والسيمفونية 40 هي التي اقتبسها الأخوان رحباني في أغنية «يا أنا يا أنا» التي أدتها السيدة فيروز، كما قدم موزارت 21 كونشيرتو على البيانو و19 سوناتا و15 أوبرا أشهرها «دون جيوڤاني» و«عرس الفيغارو» و«الناي السحري».
آخر أعماله كان «القداس الجنائزي» التي لم ينجزها، وكان خلال العمل عليها يشعر بأن الموت أصبح قريبا منه.
نظرية تعرض موزارت للتسمم تستند الى ما ورد في المذكرات التي كتبت حول حياته في انتفاخات في جسده.
فرانتز نيميتشيك اول من ألف قصة عن حياة موزارت، نقل عن زوجته كونستانز أنه في آخر جولة معها قال لها إنه يشعر بأن السم يغزو جسمه وصولا الى طرف لسانه، وأنه يعتقد أنه تعرض للتسميم بمادة الزرنيخ.
وتجدر الإشارة هنا الى ان أغلب الأطباء الذين تابعوا تفاصيل حالته ودرسوها ينقسمون بين من يرى ان موزارت كان عرضة لفشل كلوي أو أنه فعلا تعرض للتسميم بمادة الزئبق.
جورج نيكولاس ڤون نيسن الذي تزوج كونستانز بعد وفاة موزارت يميل الى فرضية التسميم، لكنه لا يتهم سالييري بل على العكس يشير الى ان كونستانز طلبت من سالييري تدريس ابنها فرانز وولفغانغ الموسيقى بعد وفاة والده.
سالييري
يشتهر سالييري اضافة الى كونه احد اعظم موسيقيي عصره بأنه مؤلف أوبرا «أوروبا المكتشفة» التي كانت أول مسرحية غنائية تقدم على خشبة أوبرا «لاسكالا» الشهيرة في ميلانو عام 1778، كما قدم أعمالا تاريخية ومن أشهرها أوبرا أرميدا (1771) وبالميرا وحكم الفرس (1795) وفالستاف (1799).
بعكس الشكل الذي يصور فيه كرجل شرير تشير روايات المقربين منه ومن موزارت الى انه كان الطرف الطيب والمنفتح، وكان موزارت يتصف بالغرور والاستعلاء والثقة الزائدة والغضب والتوتر لعدم حصوله على ما يكفي من المال من القصر الملكي.
فرضيات أخرى
من الفرضيات الأخرى التي طرحت حول موت موزارت ذكر أنه تعرض للاغتيال من قبل الماسونيين، حيث اتهم بأنه تحول الى الماسونية رغم أنه عاش طفولته في أحضان الكنيسة الكاثوليكية ثم انقلب مجددا على الماسونية فتعرض للتسميم خلال إعداده لـ «القداس الجنائزي».
وفي فترة سادت فيها نزعة معاداة السامية بشكل واسع، اتهم اليهود أيضا بدم موزارت بحجة أنهم كانوا يسعون للقضاء على عنفوان الألمان (الألمان يعتبرون موزارت الماني الجذور)، لكن هذا الاعتقاد ضعف لأن موزارت لم يسئ أو يكن أي عداء لليهود، بل كان عدد كبير من أصدقائه المقربين يهودا.
موقف بتهوڤن
حاول بعض المؤرخين ان يظهروا ان بتهوڤن، وهو من عمالقة الفن في تلك الفترة، كمتعاطف مع نظرية المؤامرة في موت موزارت.
ويرتكز هؤلاء على حادثة جرت في 23 مايو 1843 عندما شهد حفل لبيتهوڤن توزيع منشورات عليها رسم تصويري لسالييري يحمل كأسا فيه سم وأمامه موزارت.
لكن الثابت ان بيتهوڤن لم يصدق تلك الاشاعات، والدليل أنه بعد موت موزارت قام بإهداء سوناتا الى سالييري عام 1797، كما شاركه في اوبرا «فالستاف» وكان دائما على علاقة طيبة به.
ان الانقسام الحاد بشأن قضية موت موزارت وعدم التمكن من العثور على رفاته رغم معرفة موقع المقبرة التي دفن فيها يؤكد عدم امكانية الوصول الى موقف جازم بشأن الحادثة التي ساهمت في وضع الموسيقارين الكبيرين في دائرة الضوء بشكل مستمر ولاتزال حتى الآن لغزاً من ألغاز التاريخ.