Note: English translation is not 100% accurate
ما هي الإستراتيجية الأميركية بالمنطقة في «زمن الربيع العربي»؟!
4 فبراير 2012
المصدر : بيروت ـ خاص
بعد عام من الثورات، تقف واشنطن أمام خريطة سياسية واقتصادية جديدة للمنطقة، تحاول الإدارة التكيف معها في شكل يحفظ مصالحها الثابتة في الشرق الأوسط، ويمد جسورا مع لاعبين جدد، بعد تهاوي حلفاء الأمس في مصر وتونس، وتضعضع خصوم ومحاور غير صديقة في سورية.
وأعاد الربيع العربي ترتيب هذه الأولويات، كما أطاح ببعضها، بعدما وجدت إدارة أوباما نفسها أمام وقائع جديدة، فرضت عليها مراجعة شاملة لأهدافها وديبلوماسيتها في المنطقة. وتمخضت هذه المراجعة والاجتماعات الاستثنائية عن قرارات حاسمة كان أبرز نتائجها على الأرض دعوة مبارك إلى الرحيل، الدخول في حملة حلف شمال الأطلسي للإطاحة بمعمر القذافي، تبني جهود مجلس التعاون الخليجي لتسوية أزمة اليمن، دعوة الرئيس السوري بشار الأسد إلى التنحي، والضغط من أجل حوار في البحرين. وفرضت المعادلة الجديدة على واشنطن تواصلها مع ممثلين وأطراف جدد في الشارع العربي، وإعادة قراءة موقفها من جماعة «الإخوان المسلمين» التي أعلنت كلينتون إجراء الإدارة اتصالات مباشرة معها.
ويؤكد مسؤولون أميركيون أن رفض العنف، والقبول بشروط اللعبة الديموقراطية (الانتخابات)، واحترام حقوق الأقليات والنساء، هي الخطوط العريضة التي تعتمدها واشنطن اليوم في تواصلها مع اللاعبين الجدد، وفي فتحها أبواب الحوار مع حركات إسلامية تشهد صعودا اليوم بعد إقصائها عقودا من العمل السياسي.
وهناك إدراك أميركي بأن تلك التحولات أضعفت إلى حد كبير تنظيم «القاعدة» الذي تتعارض ايديولوجيته الداعية إلى العنف والتطرف مع تطلعات المتظاهرين السلمية في غالبيتها. كما أعادت التقلبات في 2011 خلط الأوراق الإقليمية، وزادت الضغوط على إيران التي ستتلقى «انتكاسة إستراتيجية»، كما يرى البيت الأبيض في حال سقوط نظام الأسد.
الثورات العربية وخصوصا الثورة المصرية أحدثت تغيرات جوهرية في منطقة الشرق الأوسط. هذا ما يقوله د.مارتن أنديك، الأستاذ بمؤسسة بروكينغز وكبير الباحثين في برنامج دراسات السياسة الخارجية الأميركية، مضيفا ان السياسة الأميركية في الشرق الأوسط قبل ثورة يناير مستقرة لمدة 5 عقود، وهي سياسة تنظر للمنطقة باعتبارها منطقة حيوية للمصالح الأميركية، والمقصود بالمصالح هو النفط، أي الحرص على التدفق الحر للبترول بأسعار معقولة. ومن فوق هذه الحقيقة تشكلت باقي سياسات أميركا في المنطقة، ومنها الحفاظ على الاستقرار خصوصا في الدول المنتجة للنفط ثم دول الجوار، ثم يأتي في المقام الثالث الحفاظ على أمن إسرائيل.
وتترتب على هذه الحقائق محاولات التوفيق المستمرة منذ عام 1976 بين رغبات ومصالح حلفاء أميركا في المنطقة، وضرورة الحفاظ عل بقاء إسرائيل وأمنها من جانب آخر، وهو ما تمثل في رعاية عملية السلام وكان أهم الانجازات في هذا الصدد هو اتفاقية السلام المصرية ـ الإسرائيلية في 1978 التي كانت لها أهمية خاصة لاستقرار المنطقة، لأنه إذا كانت مصر في سلام مع إسرائيل فلن تفكر دولة عربية أخرى في حرب معها. وعندما اكتسحت التيارات الاسلامية الانتخابات كان يمكن لأوباما أن يقبل بالنتيجة ويعترف بشرعية الانتخابات أو يرفض، ولكنه فضل الخيار الأول. وهذا من المقامرة، لأنه للمرة الأولى تنظر أميركا للتحول الديموقراطي والحفاظ على استقرار المنطقة على أنهما مطلبان متجانسان وليسا متعارضين، وهي مقامرة أكبر أن يتم ذلك على أيدي الإسلاميين الذين عليهم أن يعملوا على توفير احتياجات شعوبهم والالتزام بالمعاهدات الدولية، واحترام حقوق المرأة والأقليات وأن يقبلوا بنتائج أي انتخابات نزيهة مقبلة قد تكون لغير صالحهم.
وفي كل الأحوال فإن هذه التغيرات الكبيرة أدت الى ما يشبه ثورة في السياسات الأميركية في المنطقة تستند على 4 محاور رئيسية: سياسة تقشف في إنفاق وزارة الدفاع والحفاظ على التفوق النوعي في الوسائل والقدرات، لاسيما في مجال الحرب الإلكترونية والسيبيرية، بما في ذلك أنظمة القتال المتطورة كالطائرات من دون طيار، وخفض عدد القوات الأميركية المتمركزة في أوروبا، والتوجه نحو تعزيز الوجود الأميركي في آسيا والمحيط الهادي.
إن الاستراتيجية الجديدة تحمل عدة رسائل: أولها أن منطقة الشرق الأوسط لاتزال مصلحة استراتيجية حيوية أميركية وخطا فاصلا، ستذود عنه الإمبراطورية وإن اقتضى الأمر التدخل العسكري، وأن الولايات المتحدة ستظل «متيقظة» رغم تجديد الاستراتيجية وخفض الموازنة وإعادة انتشار قواتها.