Note: English translation is not 100% accurate
«الاتحاد من أجل المتوسط»: هل هو مشروع قابل للتنفيذ؟
22 يونيو 2008
المصدر : بيروت
تلقى الاتحاد الاوروبي، لاسيما الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، ضربة موجعة إثر الـ «لا» الايرلندية «بنسبة 53.4%» على «معاهدة لشبونة» البديلة عن الدستور الاوروبي، ولا يمكن تصور بداية للرئاسة الفرنسية، التي تبدأ في مطلع يوليو المقبل للاتحاد الاوروبي أسوأ من «عرقلة دستورية» للمسيرة الاوروبية. هذا الاخفاق يمكن ان يجبر أكثر من دولة على اعادة النظر في «المسار الاوروبي» الذي لا ينفك عدد المشككين فيه بالتزايد في الدول الـ 27 التي تؤلف أعضاء الاتحاد.
مما لاشك فيه ان ساركوزي كان في غنى عن هذه الأزمة الدستورية الكبرى، في وقت يحضر لانعقاد القمة الاوروبية المتوسطية التي دعا اليها في باريس في 13 الشهر المقبل. هذا المشروع كان قد اقترحه ساركوزي إبان حملته الانتخابية في رئاسيات 2007، وأراده اطارا اندماجيا حقيقيا على غرار الاتحاد الاوروبي، وتعهد بتكريس كامل جهده لهذه المبادرة الطموح. لكن المانيا تحفظت عليه كونه اطارا سياسيا بين الدول لا يتناسب مع تنمية الاطار الذي يشكله الاتحاد الاوروبي. ونجح ساركوزي في تسويق مشروعه لشركائه الاوروبيين، وبعد وصوله الى سدة الرئاسة أبدى ساركوزي استعدادا لتليين الصيغة المتوسطية، وبعد لقائه بالمستشارة الالمانية انجيلا ميركيل في مارس الماضي، حلت الدعوة الى قيام «الاتحاد من أجل المتوسط» بدل صيغة «الاتحاد المتوسطي» التي كانت واضحة التباين والتعارض مع «الاتحاد الاوروبي»، وتقرر بالفعل اعلان الاتحاد في القمة الاوروبية المقررة في 13 يوليو المقبل.
الخلفية التي انطلق منها ساركوزي تتمحور حول عوامل ثلاثة أساسية وهي: مقتضيات الشراكة الأمنية لمحاربة الارهاب والهجرة السرية، حل معضلة اندماج تركيا في الاتحاد الاوروبي الذي يواجه اعتراضا فرنسيا حاسما، دفع الحوار الاوروبي - الاسلامي. والعامل الثالث هو السمة الجديدة في المشروع المتوسطي، وقد اقتضته الأحداث الأخيرة التي ارتبطت بموجة الاساءة للاسلام ولرموزه في اوروبا، والمشاكل التي أصبح يطرحها اندماج الجاليات المسلمة في اوروبا منذ أصبح الاسلام الديانة الثانية في القارة القديمة وعنصرا محددا في هويتها الثقافية والحضارية.
يعطي الفرنسيون هذا المشروع الكثير من الأهمية. أهمية ثقافية بالنسبة الى الساعين وراء «حوار الثقافات» اجتنابا «لصدام الحضارات»، وأهمية أمنية بالنسبة الى الساعين وراء ايجاد حلول عملية للهجرة غير الشرعية والارهاب الدولي وتجارة المخدرات، وهناك من يعطي الأولوية للأهمية الاقتصادية كونه سيؤسس منطقة تجارة حرة تتسع لـ 27 دولة. أما بالنسبة للأهمية السياسية للمشروع، فـ «الاتحاد من أجل المتوسط» ينسجم كإطار مع معارضة ساركوزي الحازمة لدخول تركيا فضاء الاتحاد الاوروبي، محاولا في الوقت نفسه امتصاص النقمة التركية القادرة على اعاقة تفعيل السياسة الدفاعية الاوروبية المشتركة، وعلى تكبيد فرنسا خسائر اقتصادية وتجارية باهظة. فتركيا عند ساركوزي هي آسيا الصغرى، ومداها الطبيعي هو آسيا الوسطى، كما ان بلدا كتركيا محاذيا لبلد كسورية ليس بالمستطاع اعتباره اوروبيا، لكن في المستطاع اعتباره «متوسطيا». اضافة الى ان انضمام سورية الى هذا المشروع، ومشاركة الرئيس السوري بشار الاسد شخصيا في تدشينه، من شأنه ان يقي هذا المشروع كل مزايدة شعبوية يمكنها ان تكبح استعداد البلدان العربية المتوسطية الأخرى للمشاركة في أعمال التأسيس، كما من شأنها التمهيد لقمة مشتركة بين الرئيس الاسد ورئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود أولمرت في باريس ما بين قمة «الاتحاد من أجل المتوسط» والاحتفال بعيد الثورة الفرنسية.
يعوّل ساركوزي كثيرا على القمة الاوروبية المتوسطية لتحقيق انجاز تاريخي آخر عبر اطلاق مشروعه «الاتحاد المتوسطي». ستكون للاتحاد رئاسة مشتركة من الدول الاوروبية ودول جنوب المتوسط، وستتولى فرنسا الرئاسة عن الطرف الشمالي خلال الاشهر الستة الأولى على ان تنتقل بعد ذلك، بناء على طلب بروكسل الى الرئيس المقبل للمجلس الاوروبي. وتتولى مصر الرئاسة عن دول الجنوب. وسيتم الاتفاق من الآن وحتى موعد القمة على مقر سكرتارية الاتحاد من أجل المتوسط التي تتنافس الرباط وتونس ومالطا على استضافته».
ولكن هذا المشروع يواجه ثغرات وصعوبات كثيرة أهمها:على الرغم ان غالبية الدول العربية المطلة على المتوسط أكدت فعليا مشاركتها في قمة باريس في 13 يوليو المقبل، الا ان موجة احتجاج جاءت من دول جنوب المتوسط، وقد اغتنمت عدة دول عربية فرصة اجتماع منتدى البحر المتوسط الأسبوع الماضي في العاصمة الجزائرية لتطلب ايضاحات حول نتائج انضمام اسرائيل الى الاتحاد من أجل المتوسط.
طرح المشروع أعاد تسليط الضوء على المشكلات المزمنة والمتراكمة في العلاقات الجنوبية - الجنوبية بين دول حوض المتوسط، بما يعقد العلاقة الشمالية - الجنوبية. ومن اغراء جعل البحر المتوسط جسر تعاون اقتصادي وبيئي وسلام، انبعثت كل أزمات المتوسط خصوصا الموقع الاسرائيلي فيه وأزمة العلاقات داخل اتحاد المغرب العربي.
المشروع غيّب أو تجاهل التجربة المريرة للاتحاد المغاربي منذ نشأته قبل زهاء ثلاثة عقود، سواء بالنسبة الى النزاعات الثنائية بين أعضائه أو بالنسبة الى نزاع الصحراء الغربية. ومن الواضح انه من دون حلول عادلة ودائمة، في الحالين، لا يمكن تصور علاقات طبيعية مستمرة جنوبية - جنوبية، كما انه من الواضح ان مثل هذه الحلول تتجاوز حتى الآن القدرات الفرنسية والاوروبية عموما.
يتوقف نجاح قمة باريس على مشاركة تركيا التي لم تبد حماسا لمشروع ترى فيه محاولة «لتطييب خاطرها» من قبل بعض الدول التي رفضت انضمامها للاتحاد الاوروبي ومن بينها فرنسا. ولم تحسم تركيا بعد درجة تمثلها في قمة «المتوسط»، وما يدور في كواليس أهل القرار يفيد بـ «التخوف» من ان يكون التحضير الفرنسي للقاء قمة بين بشار الاسد وأولمرت بمثابة قطع الطريق أمام المفاوضات السورية - الاسرائيلية التي ترعاها تركيا.
انتقاد الرئيس الليبي معمر القذافي للمشروع الذي قال: «لن نخوض بأي حال غمار مخاطرة قد تمزق الوحدة العربية والافريقية». واصفا المشروع بأنه «طعم» واعتبره «مهينا».
مشاركة الرئيس السوري بشار الاسد تثير جدلا في صفوف المعارضة الفرنسية «والأكثرية النيابية في لبنان».
لم توضـع لهـــــذا المشـــــروع الضمانات السياسية الضرورية.
التحفظات الاوروبية على المشروع، ومن ثم التحفظات العربية، تسمح بتوقع ان تنتهي القمة الى اعلان نيات أكثر للوصول الى تصور واقعي وقابل للتنفيذ للأفكار النبيلة والجميلة التي ينطوي عليها المشروع. واذا كان من غير الواقعي اليوم الرهان على اتحاد متوسطي يكون تكتلا اقتصاديا وتحالفا سياسيا، فإن اعطاء المشروع مسحة ثقافة بحيث يكون فضاء للحوار الديني والحضاري طموح مشروع وضرورة عاجلة.
قد يكون الرئيس ساركوزي يرغب في جعل القمة المتوسطية مناسبة لإظهار ان احدى أفكاره الكبرى بدأت تجد طريقها للتنفيذ، بغض النظر عن النتيجة، وحتى لو انتهت الى الفشل لاحقا كما حصل في الاستفتاء الايرلندي. كما ان كلا من الحاضرين من زعماء البلدان الجنوبية المتوسطية سيكون مدفوعا بنوازع شخصية وأسباب خاصة به، وليس بالحماسة لانجاح المشروع المتوسطي، اذ ان المحادثات السابقة سواء بين البلدان العربية المعنية بالمشروع أو بينها وبين البلدان الاوروبية، أظهرت كثرة الاهتمام بالهموم الذاتية وقلة التركيز على العمل المشترك، كما أظهرت ان هواجس العلاقات الثنائية مع الاتحاد الاوروبي تتقدم على هواجس العمل المتوسطي.تقرير خاص في ملف ( PDF )