Note: English translation is not 100% accurate
تحليل إخباري
مستقبل العقيدة الأمنية الإسرائيلية بعد حرب غزة الثالثة
8 أغسطس 2014
المصدر : الأنباء
محمد البدري
لم يكد غبار عملية «الجرف الصامد» على غزة يهدأ نسبيا حتى تزايدات الدعوات في الأوساط السياسية والإعلامية في إسرائيل بفتح تحقيق في أسباب الإخفاق العسكري في التصدي للمقاومة الفلسطينية، وذلك على غرار لجنة تحقيق «فينوغراد» التي أعقبت حرب لبنان الثانية عام 2006، وترافق مع ذلك تحذيرات أطلقتها مراكز الأبحاث الاستراتيجية بضرورة إعادة النظر في عدد من القضايا الأمنية الرئيسة وفي مقدمتها المرتكزات التقليدية لعقيدة الجيش الإسرائيلي العسكرية.
فقد وجه مسار الاحداث خلال الحرب على غزة ضربات نوعية لأحد أهم الركائز التي تأسست وفقا لها العقيدة الأمنية الإسرائيلية منذ عقود، وهو مفهوم الردع، والذي يهدف إلى: نقل الحرب إلى ارض الخصم نظرا لضيق العمق الاستراتيجي لإسرائيل، وتجنب المفاجأة، وتقليل الخسائر البشرية.
وكشفت عملية «الجرف الصامد» عن تعرض قوة الردع الإسرائيلية لتآكل واضح، وذلك على الرغم من أن ميزان القوة العسكرية التقليدية ـ ناهيك عن القدرات غير التقليدية والنووية ـ يميل بشدة لصالح الجيش الإسرائيلي، والذي يعد من اقوى الجيوش في العالم، مقارنة بالقدرات «البدائية» للمقاومة الفلسطينية، والتي نجحت في تعظيم الاستفادة من قدراتها المتاحة وتوظيفها على نحو أحدث خرقا وخللا في ميزة التفوق التقني الهائل في الجانب الإسرائيلي.
وقد تجلى هذا التآكل في الردع الاسرائيلي ذلك في ضوء المؤشرات التالية:
- نجاح المقاومة الفلسطينية في تطوير صواريخ بعيدة المدى، بلغت العمق الاستراتيجي لاسرائيل، حيث طالت هذه الصواريخ ـ وللمرة الأولى ـ مدنا مثل تل أبيب وحيفا في أقصى الشمال باستخدام صواريخ « آر-160»، مما جعل نحو 5.5 ملايين إسرائيلي يعيشون تحت الأرض في الملاجئ طوال فترة الحرب، بعكس ما كان عليه الحال خلال عمليتي «الرصاص المصبوب» في ديسمبر 2008/ يناير 2009، و«عامود السحاب» في نوفمبر 2012.
- فشل منظومة الدفاع الإسرائيلية (القبة الحديدية) في التصدي لصواريخ المقاومة القادمة من غزة قبل وصولها إلى اهدافها، حيث تشير التقارير الإسرائيلية إلى أن هذه المنظومة، والتي تكلفت ملايين الدولارات بمساعدة أميركية، لم تفلح سوى في اعتراض نحو 578 صاروخا من أكثر من 3356 صاروخا وقذيفة هاون اطلقتها المقاومة على مدى نحو 4 أسابيع، أي بنسبة نجاح لم تتجاوز الـ 17%.
- تطوير المقاومة لطائرة بدون طيار، لم تتمكن وسائل الدفاع الإسرائيلية المتقدمة من رصدها إلا بعد ان اخترقت 30 كم داخل العمق الاسرائيلي.
- الارتفاع في عدد ونوعية الخسائر البشرية في صفوف الجيش الإسرائيلي، بما يفوق خسائر إسرائيل في حرب لبنان الثانية.
كما ساهمت العمليات النوعية التي قامت بها عناصر المقاومة خلف نقاط تمركز القوات البرية الاسرائيلية، في جعل عدد قتلى وحدات النخبة في ألوية سلاح المشاة بجيش الاحتلال يوازي أربعة اضعاف من قتلوا من ذات الوحدات عام 2006، وفقا لإحصاءات أعدتها وسائل إعلام إسرائيلية.
أسباب تآكل الردع الإسرائيلي
ثمة مجموعة من العوامل ساهمت في هذا التراجع الحاد في قدرات الردع الإسرائيلية، وأهمها:
- الفشل الاستخباراتي: إذ فشلت اجهزة الاستخبارات الاسرائيلية (الشاباك، وأمان تحديدا) في رصد التحول الجذري في التوجهات الاستراتيجية للمقاومة، ومنظومة تسليحها، وقدراتها الاستخباراتية، مما جعل اسرائيل تفاجأ بالأداء القتالي التكتيكي للمقاومة في الميدان، خلافا لما كان عليه الامر عامي 2008 و2012، وخاصة مسألة الأنفاق، والتي اعترفت اسرائيل بانها كانت بمنزلة «مفاجأة المركزية» لها في القتال هذه المرة.
- «اللاتكافؤ القتالي الإيجابي»: حيث أجبرت المقاومة القوات الإسرائيلية المتفوقة تقنيا، على التعامل معها وفق معطيات الحرب البرية غير المتكافئة، بين جيش نظامي ومجموعات قتالية غير نظامية، مما أدى لارتفاع الخسائر البشرية لإسرائيل، وارهق جنودها الذين لا تتناسب قدراتهم القتالية، أو نوعية تدريبهم، أو منظومة تسليحهم، مع هذه النوعية مما يعرف في أدبيات الاستراتيجية العسكرية بـ «الحرب اللامتناظرة».
وفي ضوء ذلك، من المتوقع أن تشهد الفترة المقبلة إعادة النظر في مكونات العقيدة الأمنية الإسرائيلية، وبخاصة لجهة إعادة تعريف مفهوم الردع.
وهو الأمر الذي سوف يستتبع إدخال تغيرات جوهرية في مضمون الإستراتيجية العسكرية للجيش الإسرائيلي، وخاصة فيما يتعلق: بنظم التسليح، ونوعية التدريب والجاهزية القتالية، ومنظومة الاستخبارات.
خلاصة: في ضوء ما تقدم، ثمة درسان مستفادان يمكن استخلاصهما على النحو التالي:
- الدرس الأول: يتمثل في كون حرب غزة الثالثة قد شكلت نقطة تحول فارقة في موازين القوة العسكرية التقليدية القائمة بين إسرائيل والمقاومة الفلسطينية، لصالح الأخيرة، مما سيضع حدودا على الخيار العسكري لإسرائيل ضد المقاومة في المستقبل.
- أما الدرس الثاني والأهم: فمضمونه أن ثمة بقايا أمل في «عودة الروح» للوعي العربي الجمعي، لجهة إدراك أن الجانب الأكبر لقوة إسرائيل المتوهمة مرده في الأساس هو الانكسار الذاتي وتفريط العرب في بناء أنفسهم، وإفراطهم الزائد في تقدير قدرات خصومهم.