Note: English translation is not 100% accurate
«تكويعة» جنبلاط: خطأ في تقدير «رد الفعل» وإعادة «تدوير الزوايا»
7 أغسطس 2009
المصدر : الأنباء - تحليل إخباري - بيروت
أخطأ الزعيم الدرزي وليد جنبلاط في تقدير رد الفعل على موقفه الأخير الذي أعلن فيه من طرف واحد نهاية تحالف 14 آذار الذي «لا يمكن ان يستمر». وليس المقصود هنا رد فعل خصومه في المعارضة الذين «أسعفهم ورفع معنوياتهم» بعد انتكاسة الانتخابات، أو رد فعل دمشق التي فتحت أبوابها أمامه، واعتبرت ما صدر عنه كافيا لمسامحته وفتح صفحة جديدة معه.
كان جنبلاط ينتظر ردا عنيفا من جانب القيادات المسيحية في 14 آذار، وهم المعنيون أولا بكلامه عن 14 آذار، وهذا لم يحصل اذ التزمت هذه القيادات سياسة «ضبط النفس»، واذا تحدث أحدهم جاء كلامه هادئا ولا يقاس بـ «قساوة» ما قاله جنبلاط وانفعاله. وسواء كان موقف مسيحيي 14 آذار منسقا مع الرئيس سعد الحريري وعملا بنصيحته وبناء على طلبه، أم لا، فإن هذا الموقف حرم جنبلاط من فرصة «القتال السياسي المريح» مع المعسكر المسيحي في 14 آذار وساهم في تحويل الأنظار والتداعيات الى اتجاه آخر هو تيار المستقبل والعلاقة مع الحريري التي كانت دوما بمنأى عن كل التجاذبات والمناورات.
لم يكن جنبلاط، كما اعتاد في كل قراراته وخياراته، ينتظر مشكلة أو صعوبة في تمرير هذا «القرار» وتسويقه في حزبه ولدى مساعديه وأنصاره، وهو الذي يتميز عن سواه من زعماء الطوائف منذ الثمانينيات بالقدرة على تنفيذ انعطافات حادة وأخذ حزبه وطائفته من ورائه الى حيث يريد وفي أي اتجاه. ولكنه فوجئ هذه المرة بأجواء اعتراض وتململ وبأن مقربين منه وأوفياء له لم يوافقوه على هذا التحول وفكرة الخروج من 14 آذار في هذا الوقت وبهذه الطريقة. فالنائب مروان حماده آثر الابتعاد والسفر الى الخارج لتفادي اصطدام يمكن ان يضع حدا لعلاقة طويلة حافلة. والوزير وائل أبوفاعور كانت له جرأة التصدي أمام جنبلاط للطريقة التي «يتنازل» بها مجانا متخليا عن أوراق سياسية وتفاوضية. فماذا يبقى في يده ليقدمه الى دمشق عندما يذهب اليها وليفاوض عليه؟
ولم يكن جنبلاط ليتوقع خصوصا مثل هذا الرد الحاد من جانب الرئيس المكلف سعد الحريري بعدما سبق له ان تمايز في عدة مواقف «تنفر أو تنقز» منذ اتفاق الدوحة وكانت «تقطع» وتقابل من جهة الحريري بتفهم معلن وتحفظ غير معلن. ويبني جنبلاط حساباته على انه ضرورة سياسية للحريري الذي له مصلحة في استمرار العلاقة معه واستيعابه أيا يكن موقفه وموقعه. ما حصل ان الحريري لم يتقبل ولم «يفهم» ما فعله جنبلاط ولم ير فيه الا خروجا عن موجبات التحالف وعن كل الالتزامات والتعهدات. قطع الحريري الاتصالات المباشرة مع جنبلاط ولم يتجاوب مع وساطات ومداخلات أصدقاء مشتركين لمسوا للمرة الأولى ان المشكلة أكبر منهم وان الجرح عميق، واكتفى الحريري بتمرير رسالة الى جنبلاط مقتضبة وبليغة: «لا مكان للموقف الوسطي، اما أنت حليفي ومعي في الحكومة أو أنت في مكان آخر ومع خصومي، لا يمكنك ان تبقى حليفي وأنت مستقل». أوعز الحريري الى نواب كتلته بعدم شن هجمات سياسية ضد جنبلاط والاكتفاء ببيان تيار المستقبل. نصح حلفاءه المسيحيين بعدم تصعيد الموقف وترك أمر المواجهة والمعالجة على عاتقه. التقى الرئيس سليمان ليستأذن السفر الى الخارج حيث توجه أولا الى المغرب للقاء خادم الحرمين الشريفين السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز الذي أوفد على عجل الوزير عبدالعزيز خوجة للوقوف من جنبلاط شخصيا على ما حصل وأدى الى تصدع صفوف 14 آذار والى توقف عملية تشكيل الحكومة وهذا هو الأدهى.
لم يترك جنبلاط مجالا للشك في أنه لم يقصد الحريري في كلامه عن 14 آذار. واضافة الى انتقاده المتكرر لشعار «لبنان أولا» الذي هو نتاج ثورة الأرز وروحية 14 آذار، وانتقاده اللاذع للرؤساء «الأربعة» (مع انضمام الرئيس المكلف) وبدلاتهم البيضاء المتوارثة من عهد الاستعمار الفرنسي، كان «التوقيت» العنصر الأبرز الذي أدان جنبلاط - 3 - ووفر الدليل السياسي الحسي لتوجيه الاتهام اليه بأنه أساء الى الحريري وألحق الضرر به وخلط أوراق الحكومة وجعل مهمته في تشكيلها أكثر صعوبة وتعقيدا. وأكثر ما ضايق جنبلاط وصدمه ليس الاتهام السياسي وانما الاتهام الشخصي الذي وجه اليه بأنه تخلى عن سعد الحريري الذي بلغ حد اتهامه «بالخيانة وقلة الوفاء».
شعر جنبلاط بحجم الخطوة التي أقدم عليها وتداعياتها، وانه أصيب شخصيا بشظايا القنبلة السياسية التي فجرها، فكان ان اضطر الى تقديم «توضيحات وتطمينات» أولية وعاجلة، ومن قصر بعبدا المكان الذي اختاره لتموضعه الوسطي الجديد ليوضح مشددا على أمرين: انه لا ولن يتخلى عن سعد الحريري وفاء للرئيس رفيق الحريري، وانه لم يقصد التأثير سلبا في عملية تشكيل الحكومة ولا يتحمل مسؤولية أي تأخير وتجميد فيها. وإذ دعا جنبلاط الى تفهم ظروفه وخصوصياته مظهرا صراحة انه يفكر ويتصرف من موقعه كزعيم درزي ومسؤول أولا عن مصالح طائفته وحماية «جبله» وليس من خلفية «زعيم وطني مسؤول عن مشروع ١٤ آذار». فإنه أوحى في كلامه التوضيحي انه يفصل بين الحريري والجانب المسيحي في 14 آذار، وانه حريص على استمرار العلاقة مع الأول ولكن ضمن تموضع جديد يجعله أقرب الى رئيس الجمهورية، وضمن تحالف رباعي جديد يضمه الى سليمان وبري ونصرالله ويفضل مع بري ان يصبح خماسيا بانضمام الحريري اليه، فيما يفضل حزب الله ان يصبح سداسيا بإشراك عون.
جنبلاط أوضح على طريقة الاحتواء لا التراجع، وأغلب الظن انه دخل في مسار سياسي جديد لا رجعة فيه الى الوراء. وهو اذا عاد خطوة الى الوراء، فلكي يتقدم خطوتين الى الأمام لأن التحول الذي يقوم به ليس موقفا عاديا ولا عملية سهلة وهو من النوع الذي يتم على دفعات وتلزمه «جرعات وصدمات متدرجة» وليس من النوع الذي يتم دفعة واحدة وبين ليلة وضحاها. توضيحاته كانت كافية لوقف الانهيار في علاقته مع أقطاب 14 آذار وأولهم الحريري، وربما ليست كافية لتضميد الجرح العميق، وكافية لحث 14 آذار على اعادة صياغة المشروع السياسي بشعارات جديدة، ولكنها ليست كافية لإعادة ١٤ آذار الى سابق عهدها. ولكن الأهم والأكثر إلحاحا ان توضيحات جنبلاط كانت كافية لفك اشتباك بين عملية تشكيل الحكومة وتحوله المفاجئ في توقيته وغير المفاجئ في أسبابه وأبعاده.