أحمد شعبان
لم تكن المشهدية التاريخية التي تخللتها مصافحة الرئيسين «اللدودين» باراك اوباما وراؤول كاسترو في قلب العاصمة الكوبية هافانا، مجرد خرق كبير لنصف قرن من القطيعة بين أكبر الرأسماليات في العالم وبين واحدة من آخر الدول الشيوعية على وجه الأرض.
زيارة أوباما لهافانا ومحادثاته مع شقيق فيديل كاسترو أحد أشرس اعداء «العم سام»، وان كانت سبقت بجهود ووساطات عدة تصدى لها بابا الفاتيكان فرنسيس على وجه الخصوص، إلا أنها جاءت حلقة في مسلسل التغيير الذي أدخله الرئيس الأميركي على سياسات البيت الابيض، الخارجية منها على وجه التحديد.
أول هذه السياسات ـ التعهدات، التي قطعها أوباما على نفسه كان اعادة الجنود الأميركيين الى الوطن وعدم خوض أي حروب خارجية، حتى لو كانت استباقية لمنع الارهاب عن الولايات المتحدة، كما كان يبرر أسلافه وخاصة بوش الاب والابن.
وترجم أوباما هذه التعهدات بالانسحاب من افغانستان ثم العراق، وان كان اضطر لاحقا لابقاء جزء من قواته أو اعادة نشرها على هيئة مستشارين ومدربين كما حدث في العراق. علاوة على ذلك فقد امتنع الرئيس الأميركي عن التدخل البري في الحرب السورية رغم مرور خمس سنوات على اندلاع الحرب، لا بل انه تراجع عن ضرب النظام السوري رغم تجاوزه «الخط الأحمر» الذي سبق وان رسمه له هو بنفسه.
وها هو يكتفي بالضربات الجوية المكثفة في الحرب التي أطلقها قبل أكثر من عام على تنظيم داعش، معولا على قوات محلية في العراق وسورية.
وتجلت هذه السياسة الأوبامية ـ الانكفائية أكثر وأكثر، خلال الأزمة الأوكرانية العصية على الحل حتى الآن.
فروسيا ضمت شبه جزيرة القرم. وأصبح من شبه المستحيل تخيل امكانية عودتها رغم العقوبات التي مضت عليها سنوات. فضلا عن أن اتفاقية مينسك، بين كييف و«جمهوريتي لوغانسك ودونتيسك» المعلنتين من جانب واحد والمواليتين لروسيا، ماتزال في ثلاجة الانتظار.
ولم يتحقق منها سوى وقف اطلاق النار الهش، فلا الحوار السياسي بدأ، ولا تلوح في الافق امكانية اجراء انتخابات محلية لتحديد الوضع المستقبلي لهذه المناطق.
الفصل الأحدث والأخطر، في هذا التغيير الطارئ على سياسات البيت الأبيض، هو الاتفاق النووي مع ايران.
فقد تجاوز أوباما جميع الانتقادات التي وجهها له خصومه في الداخل. وحتى تحفظات حلفاء واشنطن التاريخيين في المنطقة، وتحذيراتهم من تنامي دور طهران التخريبي وتدخلاتها في شؤون جيرانها لاسيما بعد رفع العقوبات الدولية عنها، لم تلق أذانا مصغية لدى الرئيس الأميركي.
فبعد أكثر من 12 عاما من المفاوضات الشاقة حول البرنامج النووي الايراني، تم التوصل الى اتفاق وصفه بـ«الانجاز» لينهي به ولايته الثانية.
وها هي طهران تعود الى الحظيرة الدولية تدريجيا، ومليارات الدولارات يتم الافراج عنها تباعا.
وهنا يطرح السؤال الاشكالي التالي: هل كان بالإمكان حدوث تقارب مماثل بين الادارة الأميركية والدولة الاخيرة على قائمة دول محور الشر؟ وهل يمكن أن نشهد مصافحة تاريخية أخرى بين زعيم كوريا الشمالية كيم يونغ اون وأوباما، لو قيض للأخير البقاء في البيت الأبيض لفترة اضافية؟
الجواب على هذا السؤال مؤجل الى ما بعد انتخابات نوفمبر الرئاسية، لمعرفة ما اذا كانت الادارة الاميركية الجديدة جمهورية كانت أم ديموقراطية، ستستمر على نهج أوباما أم انها ستعيد أميركا الى صدار المشهد الدولي لتعود «أميركا العظيمة» القطب الأوحد الذي يمسك بخيوط جميع الملفات الدولية.