Note: English translation is not 100% accurate
لماذا اعتذر الحريري إذا كان سيعود؟!
15 سبتمبر 2009
المصدر : الأنباء - تحليل إخباري - بيروت
مازالت الأوساط السياسية والشعبية في لبنان منهمكة بالبحث عن الأسباب التي حدت بالرئيس المكلف سعد الحريري الى خطوة الاعتذار عن تشكيل الحكومة ومن ثم العودة الى مهمة التأليف مرة ثانية، وفي ظل الظروف السياسية ذاتها التي أوصلت «التكليف الأول» الى حائط مسدود، فإذا كان الحريري أعطى المعارضة عرضا سخيا ولم يقبل عرضه، فهل هو مستعد لإعطاء «عرض أسخى»؟ واذا كانت المعارضة رفضت التشكيلة التي اقترحها الحريري كموقف مبدئي لأنها ترفض كسر ارادتها السياسية، فهل هي مستعدة لأن تقبل تحت «ضغط الاعتذار» ما رفضته تحت «اغراء ما قبل الاعتذار»؟ واذا كانت صيغة الـ «15 ـ 10 ـ 5» شكلت أساسا للتأليف في المرحلة الأولى ومخرجا استثنائيا لأزمة لاحقة، فهل يمكن تجاوزها وابتداع صيغة أخرى لحكومة وحدة وطنية؟ خصوصا بعدما تحولت عند بري وجنبلاط الى شرط من شروط اعادة التكليف؟ وهل يمكن كسر هذا المأزق من خلال «حكومة أقطاب أو تكنوقراط» تعترضها الكثير من العقبات السياسية والعملية؟ واذا كان العامل الاقليمي يلعب دورا سلبيا في موضوع الحكومة، فما الذي تغير على هذا الصعيد خصوصا ان كل المؤشرات تدل على ان أوضاع المنطقة سائرة الى مزيد من التأزم والاشتباك؟ اذا كان الحريري يريد ان يبدأ هذه المرة من حيث بدأ بعد التكليف الأول وليس من حيث انتهى قبل الاعتذار، فهل باستطاعته ان «يؤلف» وفق قواعد جديدة أم انه سيصطدم بالظروف والمواقف والمعوقات ذاتها؟ واذا كان سيعود الى حيث كان فلماذا اعتذر إذن؟
سعد الحريري اعتذر لإخراج عملية تشكيل الحكومة من المأزق بعد 73 يوما من المراوحة ولكسر «مأزقه» هو في الدرجة الأولى، اذ لا يمكنه ان يظل في الوضع ذاته الذي يأكل من رصيده ومكانته المتقدمة بعد الانتخابات، اعتذر لأنه لم يعد في وسعه التقدم الى الأمام بعدما رفضت «حكومته». ويعود لأنه ليس في وسعه العودة الى الوراء، بمعنى التنحي والاستقالة وخسارة الفرصة الأولى والأهم لتولي زمام الحكم مباشرة، أما الأوساط القريبة من الحريري والمواكبة لعملية الحكومة والظروف المحيطة بها، فإنها تشرح «الاعتذار والعودة» من ضمن اطارين و«هدفين» أساسيين:
الأول: وضع حزب الله أمام مسؤولياته وحمله على القيام بدور مسهل لقيام الحكومة من خلال الضغط على حليفه العماد عون. في تقدير هذه الأوساط ان حزب الله يريد حكومة ولكن بشروطه ويريد سعد الحريري رئيسا للحكومة ويفضل التعاطي مباشرة معه وليس مع أو عبر سواه، ولذلك فوجئ بأمرين لم يكونا في حساباته: ان يبادر الرئيس المكلف الى تقديم حكومة تراعي الصيغة والتوازنات لكن لا تراعي موافقة كاملة ومسبقة من المعارضة، وان يبادر بعد رفض هذه التشكيلة الى الاعتذار، وبالتالي فإن الحريري أراد تحميل حزب الله والعماد عون تبعات مواقفهما وسلوكهما من جهة، واراد اعادة فتح اللعبة الحكومية السياسية على خيارات وآفاق جديدة. وهذا لا يعني بالضرورة ان المطلوب هو وضع صيغة حكومية جديدة بدلا من صيغة الـ 15 ـ 10 ـ 5، بقدر ما ان المطلوب هو وضع قواعد جديدة للتفاوض وللتأليف بحيث لا يعود الحريري مرة جديدة الى خيار من اثنين: الانتظار أو الاعتذار، ولا يوضع مرة جديدة في الواجهة السياسية بتحميله مسؤولية عدم المبادرة، ولا يوضع مرة ثانية أمام المعادلة الصعبة: اما الأخذ بمطالب المعارضة بما في ذلك خصوصا مطلب العماد عون واما لا حكومة.
الثاني: تحريك العامل الاقليمي وفي الاتجاه الذي يساعد على تشكيل الحكومة، والمقصود هنا تحديدا دفع سورية الى بذل جهود ايجابية والى القيام بخطوات محددة في اطار التفاهم السوري ـ السعودي ولإعادة الروح اليه بعدما كان هذا التفاهم حصل حول لبنان عشية التكليف (الأول) وأصابه فيما بعد التعثر لأسباب لم تحدد أو لم تعرف كلها. فهناك من يقول في المعارضة ان الولايات المتحدة ضغطت في اتجاه تجميد الاتفاقات الاقليمية، وهناك من يقول في الموالاة ان السعودية غير راضية عن أداء دمشق وحلفائها في لبنان، وان اعتذار الحريري عكس هذا الانزعاج السعودي بطريقة أو بأخرى. وأيا تكن الأسباب التي تقف وراء تعثر التفاهمات الاقليمية، فإن الحريري أراد من خلال اعتذاره القول انه يرفض البقاء في وضعية الاستنزاف لدوره وموقعه، وأراد أيضا المساهمة في اعادة تحريك الاتصالات الاقليمية، لكن على قاعدة تسهيل التأليف.