إسرائيل راضية تماما عن مسار التطورات الدولية التي تخدمها وتصب في مصلحتها، وبدأت استثمارها والبناء عليها ولا يتعلق الأمر فقط بالرئيس دونالد ترامب، وإنما أيضا بالتطورات السياسية الدراماتيكية في أوروبا، بدءا من الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي، مرورا بالانتخابات القريبة في فرنسا التي ستأتي على الأرجح برئيس يميني مؤيد لإسرائيل، وصولا الى تبدل السياسات والاولويات لأوروبا الغارقة في مشاكل الأمن والإرهاب والهجرة، والمنصرفة عن مشاكل وأزمات المنطقة بما فيها أزمة الشرق الأوسط وملف «الصراع السلام» الفلسطيني ـ الإسرائيلي... ومجمل هذا الوضع أدى الى ضعف الجبهة المناوئة لإسرائيل داخل الاتحاد الأوروبي.
ولكن يبقى أن وصول ترامب الى البيت الأبيض يشكل التطور الأهم الذي انتظرته إسرائيل بفارغ الصبر وهللت له، استنادا الى مواقفه المتقدمة جدا من إسرائيل التي أطلقها في حملته الانتخابية (ضد إيران ومع فرض عقوبات جديدة عليها، تفهم الاستيطان، نقل السفارة الأميركية الى القدس، التشكيك في حل الدولتين)، والتي تعاكس تماما سياسة سلفه باراك أوباما ولكن أجواء «الارتياح والترحيب» التي سادت إسرائيل بعد انتخاب ترامب بدأت تتقلص وصارت مشوبة بـ«الحذر والترقب» وسط انطباع متزايد بأنه من الصعب جدا معرفة ما يدور في رأس ترامب وتوقع ما سيفعله وكيف سيتصرف والتغييرات التي سيدخلها على السياسة الخارجية. وهذا الحذر نشأ إثر تقلبات حدثت وتغييرات طرأت في مواقف الإدارة الجديدة مقارنة بما كان صدر عن ترامب إبان حملته الانتخابية... وهذا ما حصل في ثلاث نقاط أساسية:
١ ـ الموقف الذي أصدره البيت الأبيض تجاه توسيع الاستيطان في الضفة الغربية وحل الدولتين (ردا على قرار إسرائيلي ببناء نحو ٦ آلاف وحدة سكنية في الضفة).
ومع أن الإدارة الأميركية تبنت مقولة تل أبيب إن «الاستيطان القائم حاليا لا يشكل عقبة في طريق السلام»، فإنها أوضحت أن ذلك لا يعني أن يتم إطلاق مشاريع استيطان جديدة، وحذرت من أن مثل هذه المشاريع الجديدة قد تعرقل مسار حل الدولتين، و«قد لا تكون عاملا مساعدا» لحل النزاع الإسرائيلي ـ الفلسطيني.
وبدا واضحا أن ترامب أراد من خلال لهجة جديدة أن يرسل رسالة الى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الذي يلتقيه قريبا، مفادها أن هناك حدودا لما يمكن أن يقبل به في مجال البناء الاستيطاني، وأن يوضح للعالم العربي ولأوروبا أنه لم يكن شريكا مع حكومة نتنياهو في إقرار الخطط الاستيطانية الجديدة.
٢ ـ التريث الأميركي في نقل السفارة الأميركية الى القدس بعدما بلغ الى ترامب خصوصا من الملك الأردني عبدالله الثاني خطورة هذه الخطوة وما ستولده من ردات فعل في العالم العربي والإسلامي ومن تأثير سلبي على عملية السلام، وأيضا على جهود مكافحة الإرهاب والتطرف.
٣ ـ التأخر في تعيين السفير الأميركي ديفيد فريدمان. وعلى الرغم من أعلان ترامب رسميا عن ترشيح فريدمان لهذا المنصب، فإنه لم يجر التصديق على تعيينه حتى الآن، خلافا لتعيين كثير من السفراء الجدد.
ويسود تقدير في تل أبيب بأن تعيين فريدمان يجابه معارضة من قبل مسؤولين كبار في الحزب الجمهوري، بسبب معارضته لحل الدولتين للشعبين، ودعمه لمشروع الاستيطان، ويسبب إعلانه بأنه سيعمل من القدس. ويزيد هذا التأخير، إن كان مقصودا أو ينطوي على موقف سياسي، من القلق الإسرائيلي من التغييرات التي يلمسها المسؤولون في تل أبيب في سياسة ترامب، والفارق ما بين الوعود الانتخابية والممارسات العملية المناقضة.
منذ تولي دونالد ترامب الرئاسة الأميركية، وإسرائيل في حراك داخلي ونقاشات بين مطمئن إلى مستقبل أفضل لإسرائيل وحذر من خطر المغامرة.
نقاشات تدور حول السؤال التالي: ترامب جيد لإسرائيل أم مدمر لها؟ بالنسبة إلى اليمين ترامب هو السند القوي لإسرائيل والفرصة لتحقيق أهدافها.
ووصل الأمر برئيس حزب البيت اليهودي الاستيطاني، وزير التعليم أن يقول إنه «المخلص الذي ينتظره الإسرائيليون منذ خمسين عاما».
ورئيس الوزراء نتنياهو يذهب أبعد من ذلك ليتحدث عن عهد جديد في التاريخ. ويعتبر كل ما طرح ويطرح في العالم يشأن حل الدولتين هو بمثابة العهد القديم.
لكن في المقابل هناك تيار إسرائيلي لا يتحمس لترامب ويعتبره «مقلبا» وقعت فيه السياسة الأميركية. فيسخرون منه وممن يتحمسون له بعد انكشاف مواقفه المتهورة والمنعزلة عن الوقائع.