مارين لوبن الوريثة التي تحلم بفوز اليمين المتطرف بالرئاسة الفرنسية
تراهن زعيمة اليمين المتطرف الفرنسي مارين لوبن على استياء الفرنسيين حيال البطالة والهجرة، في سعيها لتحقيق انتصار تاريخي في الانتخابات الرئاسية بعد فشل والدها قبل 15 عاما، مدعومة في ذلك بموجة قومية تجتاح أوروبا.
وبعد سنوات من الجهود الحثيثة «لتحسين صورة» حزب الجبهة الوطنية، تنوي المرشحة البالغة من العمر 48 عاما تكذيب استطلاعات الرأي التي تتوقع لها منذ أشهر تخطي الدورة الأولى في 23 أبريل بنسبة عالية، لكنها تشير إلى هزيمتها في الدورة الثانية في السابع من مايو لعدم تجيير عدد كاف من الأصوات لها.
وتخوض ابنة جان ماري لوبن، احد مؤسسي حزب الجبهة الوطنية عام 1972، حملة تقوم على «الوطنية» و«الأفضلية الوطنية».
وهي تدعو إلى الخروج من اليورو وفرض ضرائب على المنتجات المستوردة، كما تعد بتعليق اتفاقات شينغن لحرية تنقل الأفراد داخل الاتحاد الأوروبي، وطرد الأجانب المدرجة أسماؤهم على لوائح التطرف لدى أجهزة الأمن، وإلغاء حق الجنسية للمولودين على الأراضي الفرنسية.
وتقول مارين لوبن التي اختارت شعارا لها عبارة «باسم الشعب»، في إعلان حملتها الانتخابية الذي يعكس عنها صورة حميمية «لو طلب مني أن أصف نفسي، أعتقد في الحقيقة أنني سأرد ببساطة أنني بما لا جدال فيه فرنسية في الصميم، باعتزاز وإخلاص.
أتلقى الإهانات الموجهة إلى فرنسا وكأنها موجهة إلي مباشرة».
وفي تجمعاتها الانتخابية، يتابع أنصارها من شتى الأعمار والأوساط الاجتماعية خطاباتها بانتباه شديد، ويقاطعونها مرارا هاتفين «نحن في ديارنا»، في شعار يصفه خصومها بأنه «صيحة معادية للأجانب»، فيما تعتبره هي «صرخة حب» لفرنسا.
وأوضحت عالمة السيميولوجيا مارييت داريغران أن المرشحة تتخذ موقعا «أسطوريا» و«تطرز» حول مفهوم الوطنية «حلقات، كما في سلسلة تلفزيونية: مارين في بلاد بوتين، مارين تغلق باب الهجرة...».
عندما سرت شبهات حولها في قضية وظائف وهمية في البرلمان الأوروبي، رفضت الاستجابة لاستدعاء من القضاة، مؤكدة أنها ضحية «حملة سياسية». وطلب القضاء الفرنسي من البرلمان الأوروبي رفع الحصانة النيابية عنها.
وقام متظاهرون مناهضون لها بمقاطعة عدد من مهرجاناتها الانتخابية حيث تقف وقفة حربية لإلقاء خطاباتها الشديدة اللهجة، وهو ما حصل في ليل (شمال) وأجاكسيو (كورسيكا) ونانت (غرب).
أثارت صدمة شديدة حين نفت مؤخرا مسؤولية فرنسا في حملة توقيفات شملت أكثر من 13 ألف يهودي في باريس إبان الاحتلال النازي للعاصمة الفرنسية، رغم اعتراف باريس رسميا بذلك منذ 1995، وواجهت على الإثر غضب خصومها وجمعيات يهودية وإسرائيل.
ويرى المؤرخ نيكولا لوبور أن تصريحاتها الأخيرة حول ماضي فرنسا تشير إلى أنها «تسعى لتمييز نفسها مرة جديدة كمرشحة مناهضة لنظام السلطة» في حين تصنفها استطلاعات الرأي في طليعة المرشحين «منذ فترة طويلة ولكن بدون أن تحقق تقدما».
عمدت منذ توليها رئاسة الجبهة الوطنية خلفا لوالدها الذي باتت علاقاتها معه مقطوعة رسميا، إلى استبعاد المسؤولين الأكثر تطرفا والناشطين المعادين للسامية التواقين الى الجزائر الفرنسية وربما بالنسبة للبعض الى نظام فيشي المتعاون مع المانيا النازية، والكاثوليك المتزمتين.
وحتمت عملية اعادة تنظيم الحزب هذه إبعاد والدها الذي كان يثير فضيحة تلو الاخرى بتصريحاته المعادية للسامية وهجماته على المهاجرين. ففي مطلع مايو 2015 وعلى اثر تصريحات جديدة معادية للسامية صدرت عن جان ماري لوبن، وقعت القطيعة نهائيا بين الاب وابنته التي أقصته من الحزب.
وكانت استراتيجية إعادة ترتيب الحزب هذه مجدية إذ بات يحقق تقدما متواصلا في كل انتخابات.
وفي سعيها لنيل مصداقية دولية، قامت بعدة رحلات إلى الخارج سمحت لها بتسجيل نقاط.
في يناير، نشرت صور لها في بهو «برج ترامب» في نيويورك، من دون أن تلتقي الرئيس المنتخب. وفي فبراير، رفضت خلال زيارة إلى لبنان وضع حجاب للقاء مفتي الجمهورية. وفي نهاية مارس، التقت في موسكو الرئيس فلاديمير بوتين معلنة أنه يعرض «رؤية جديدة» لـ«عالم متعدد الأقطاب».
لم يكن من المفترض اساسا بمارين لوبن، الاصغر بين بنات جان ماري لوبن الثلاث المطلقة مرتين والام لثلاثة اولاد وهي تعيش حاليا مع احد مسؤولي الحزب لوي آليو، خوض المعترك السياسي. بل كان من المقرر عوضا عن ذلك ان تخلف شقيقتها ماري كارولين والدهما الذي هيمن على الحزب لحوالى اربعين عاما.
غير ان الحياة السياسية الصاخبة والمتقلبة للجبهة الوطنية والخلافات العائلية في التسعينيات فتحت الطريق امام هذه المحامية صاحبة الأطباع النارية.
واطلت مارين لوبن المعروفة بشدتها في المعارك السياسية الى حد الضراوة، على الرأي العام في الخامس من مايو 2002 في ليلة الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية، لتدافع بضراوة عن والدها بعدما هزم بفارق كبير امام جاك شيراك.
ماكرون الطامح إلى الإليزيه
باريس ـ أ.ف.پ: أصبح إيمانويل ماكرون البالغ من العمر 39 عاما والذي يحدد موقعه بأنه «ليس من اليمين ولا من اليسار»، واحدا من أبرز المرشحين للانتخابات الرئاسية الفرنسية، وقد تعهد بـ«تغيير البرمجيات» في مشهد سياسي عاجز عن تجديد نفسه.
استقبل محترفو السياسة من كل التوجهات ماكرون حين خاض الحملة وهو لم يسبق أن تولى أي منصب منتخب، ببعض الازدراء، وسخروا لفترة طويلة بغموض مشروعه، غير أن وزير الاقتصاد السابق في حكومة الرئيس الاشتراكي فرنسوا هولاند بين أغسطس 2014 و2016 خالف تأكيدات كل الذين اعتبروه مجرد «فورة» إعلامية.
واستفاد من المتاعب التي واجهها مرشح اليمين فرنسوا فيون الذي اتهم رسميا بعد فضيحة وظائف وهمية لصالح أفراد من عائلته، وحظي بدعم شخصيات أساسية مثل السياسي الوسطي فرنسوا بايرو، مسجلا تصاعدا تدريجيا في استطلاعات الرأي.
وباتت مطروحة فرضية انتقاله إلى الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية في 7 مايو، ليواجه مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبن.
يمثل ماكرون نموذج الطبقة الفرنسية المثقفة، وهو موظف كبير سابق في الدولة تخرج من معاهد النخب ثم عمل مصرفي اعمال، ودخل السياسة عام 2012 مستشارا للرئيس هولاند.
ومن هذه الخبرة في ظل السلطة والتي تبعتها سنتان على رأس وزارة الاقتصاد، يقول إنه استخلص عبرة أساسية وهي أن النظام السياسي الحالي يعاني من «اختلال وظيفي».
وقال فرنسوا هولاند مؤخرا في جلسة مصغرة «أعتقد أن ماكرون، وتحديدا لأنه كان من خارج الحياة السياسية التقليدية، حدس أن الأحزاب الحاكمة ولدت نقاط ضعفها بنفسها، وفقدت جاذبها الخاص، وباتت بالية، متعبة، هرمة».
وحمل هذا الحدس الوزير الشاب في مطلع 2016 على تأسيس حركته التي اختار لها اسم «إلى الأمام!»، ووصل عدد منتسبيها حوالى 200 ألف.
واستقال بعد ذلك من الحكومة وقدم ترشيحه للانتخابات الرئاسية عارضا برنامجها له توجه اشتراكي ليبرالي.
يبني ماكرون كل طروحاته حول خط أساسي يقضي بالتوفيق بين «الحرية والحماية»، فيدعو إلى إصلاح مساعدات العاطلين عن العمل ويقترح تدابير «تمييز إيجابي» لصالح الأحياء الفقيرة.
ويستهدف برنامجه بشكل أساسي الطبقات الوسطى التي يقول إنها «منسية» سواء من اليمين أو اليسار.
ويعتمد المرشح خطابا خارجا عن إطار الأحزاب التقليدية، يتسم بالليبرالية بالمعنى الأنجلوسكسوني للمفهوم، أي ليبرالية اقتصادية إنما كذلك اجتماعية، فيجتذب شبان المدن وأوساط الأعمال.
غير أنه لا يحظى بالتأييد ذاته لدى الطبقات الشعبية والريفية المعارضة للعولمة التي يدعو إليها.
«مرشد روحي»
ماكرون من هواة الأدب، يزين خطاباته باستشهادات من شعراء، وغالبا ما يصعد اللهجة في تجمعاته الانتخابية، وقد وصفه مرشح اليمين بأنه «مرشد روحي»، فيما نعته خصمه من اليسار الراديكالي جان لوك ميلانشون بانه «فطر مثير للهلوسة».
وغالبا ما ينتقده المرشح الاشتراكي بونوا آمون آخذا عليه ماضيه كمصرفي، فيقول إن «حزب المال لديه الكثير من المرشحين في هذه الانتخابات».
يطرح ماكرون نفسه كمرشح «الغضب الحقيقي» والتجديد، في مواجهة «الوجوه ذاتها منذ ثلاثين عاما» في الطبقة السياسية، مؤكدا «لا يمكن أن تستمر الأوضاع كما هي!».
جهد هذا المناصر لأوروبا «في الصميم» غير أنه يفتقر إلى الخبرة على الساحة الدولية، لتعزيز موقعه على هذا الصعيد، فقام بزيارة إلى لبنان في نهاية يناير والتقى المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل في منتصف مارس في برلين، وهو يثير الاهتمام والتعاطف في ألمانيا.
في فرنسا، أثار صدمة بوصفه موظفات مسلخ بأنهن «أميات»، كما واجه انتقادات لاذعة من اليمين واليمين المتطرف بوصفه الاستعمار الفرنسي بأنه «جريمة بحق الإنسانية».
وخلافا لمنافسيه، لا يسعى لإخفاء حياته الخاصة ويقوم بحملته برفقة زوجته بريجيت، وهي معلمته السابقة للغة الفرنسية تكبره بـ24 عاما.
ونفى علنا مؤخرا شائعات تنتشر منذ أشهر على شبكات التواصل الاجتماعي تفيد بأنه مثلي.
وقال مدافعا عن نفسه «ثمة الكثير من الهجمات والتلميحات، لكن ليس لدي ما ألوم نفسي عليه».
فرنسوا فيون المحافظ «مقاتل يحمل جرحاً»
باريس - أ.ف.پ: بعد ان انطلق في حملته الانتخابية «حريصا في المقام الأول على اظهار وجه مثالي»، قبل أن توجه التهمة رسميا إليه في 14 مارس في قضية وظائف وهمية استفاد منها أفراد عائلته، بات مرشح اليمين فرنسوا فيون يصف نفسه بأنه «مقاتل يحمل جرحا».
أعلن فيون في أكتوبر الماضي خلال حملة الانتخابات التمهيدية اليمينية «من يمكنه تصور الجنرال ديغول يواجه تهمة؟»، وفاز في هذه الانتخابات بفارق كبير عن منافسيه بفضل صورته كرجل نزيه، ووعوده الجذرية بالنهوض بالبلاد، متقدما على الرئيس السابق نيكولا ساركوزي الذي تولى في عهده رئاسة الحكومة، ورئيس الوزراء السابق آلان جوبيه.
وحين يستشهد اليوم بالجنرال ديغول، فذلك ليتحدث عن «الشجاعة» و«الصمود» وعن «موجة لا تفتت الصخر».
وفي كل من تنقلاته، يستقبل بالقرع على الطناجر، وعمد إلى الحد قدر الإمكان من تواصله مع الناس منذ زيارته لمعرض الزراعة في مطلع مارس، حيث صاح به العديدون «سارق!» و«أعد المال».
وكان هذا الليبرالي الذي لا يخفي إعجابه بمارغريت ثاتشر، والذي يعرض برنامجا من الاقتطاعات في الميزانية و«الفخور بقيمه» المتعلقة بالأسرة، انطلق في الحملة في موقع المرشح الاوفر حظا للفوز بالرئاسة بعد خمس سنوات من الحكم الاشتراكي.
وتحدثت الصحافة الفرنسية في ذلك الحين عن «انتصار السيد نكرة».
وفي موسكو، أثنى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على «مهني كبير»، ما اثار جدلا في فرنسا حول علاقات فيون بالكرملين.
لكن في نهاية يناير، واجه فيون المولع بسباق السيارات والذي يقول أصدقاؤه إنه «لا يحتمل أن يكون في المرتبة الثانية»، فضيحة قضت على شعبيته، مع كشف الصحافة عن قضية وظائف وهمية استفادت منها زوجته بينيلوب واثنان من أولاده الخمسة.
فواجه جلسات تحقيق ومداهمات، ووجهت التهمة إليه رسميا بـ«اختلاس أموال عامة»، وصولا إلى ورود أسئلة حول «هدية ودية» قدمها له محام مشبوه السمعة اشترى له بدلات بقيمة 13 ألف يورو.
«تمساح»
يؤكد فيون أنه ضحية «مؤامرة» ومحاولة «اغتيال سياسي»، غير أن القضية التي باتت معروفة بـ«بينيلوب غيت» باتت تطغى على خطاباته حول التقشف وترميم هيبة الدولة ومكافحة جنوح الأحداث والتعبئة ضد «التوتاليتارية الإسلامية» من أجل إنقاذ «الديموقراطية».
وبالرغم من سحب عدد متزايد من أفراد معسكره دعمهم له، إلا أن اليمين لم يتوصل إلى توافق على ترشيح بديل عنه.
وفي نهاية الأمر، فرض فرنسوا فيون نفسه بعد عرض قوة شارك فيه عشرات الآلاف من أنصاره في باريس.
وقال «كل يوم، أتلقى عواصف جديدة تهب في وجهي.
أقاوم، أتقدم، أحافظ على وجهتي وأشق طريقي»، وهو واثق من فرصه في الفوز بالانتخابات بين أبريل ومايو.
وتخلى عن شعاره السابق «شجاعة الحقيقة»، ليعتمد «إرادة من أجل فرنسا».
لكن فرصه في تخطي الدورة الأولى تراجعت كثيرا، وتشير استطلاعات الرأي الأخيرة إلى تقدم كبير لمرشحة اليمين المتطرف مارين لوبن والوسطي إيمانويل ماكرون الوزير السابق في حكومة الرئيس فرنسوا هولاند.
يصفه انصاره بانه شديد التصميم في حين يعتبره خصومه انتحاريا، وهو يقدم نفسه في التجمعات بانه «متمرد لن ينجح النظام في وقفه».
وفيون ابن كاتب عدل، ولد في مان في وسط غرب فرنسا في الرابع من مارس 1954.
وفي 1976 خطا فيون الذي نال اجازة في الحقوق، خطواته الاولى في الحياة السياسية كمساعد نائب لبلدة سابليه - سور- سارت الصغيرة القريبة من مان.
لدى وفاة مرشده في السياسة في 1980، حل فيون مكانه ليصبح في 1981 أصغر نائب في الجمعية الوطنية.
شارك بين 1993 و2005 في جميع الحكومات اليمينية، ثم شغل مقعدا في مجلس الشيوخ من 2005 إلى 2007 قبل ان يصبح لخمس سنوات رئيسا للحكومة في عهد ساركوزي.
تختلف الآراء حول فيون ما بين «سياسي محنك» و«انتهازي»، وقال رئيس الوزراء السابق جان بيار رافاران ان هذا السياسي «يحسن ركوب أمواج الآخرين».
وقال عنه احد الوزراء في حكومته في 2012 «انه كالتمساح، يعطي يظهر وكأنه نائم، لكنه جاهز لالتهام أي كان على الضفة».
ميلانشون «المتمرد» وجه اليسار الراديكالي
باريس ـ أ.ف.پ: نجح جان لوك ميلانشون الخطيب المفوه ذو المواقف الجذرية، والاشتراكي السابق الذي أصبح وجه اليسار الراديكالي، في فرض نفسه تدريجيا على مر الحملة كمرشح اليسار الراديكالي للرئاسة الفرنسية التي تجري على دورتين في أبريل ومايو.
ويثير ميلانشون الذي يتبع في خطابه مبدأ «التحدث بإسهاب وبلا مواربة»، مشاعر متعارضة، فيندد خصومه بشعبوي يساري فيما يشيد أنصاره بمدافع عن الشعب بوجه القلة الحاكمة، وقد اختار هذا السياسي المعجب باليسار الأميركي اللاتيني شعارا لحملته «فرنسا المتمردة».
وارتقى بحسب استطلاعات الرأي الأخيرة إلى المرتبة الثالثة بين المرشحين، منافسا مرشح اليمين فرانسوا فيون وخلف زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبن والوسطي إيمانويل ماكرون.
كان المرشح الملقب «ميلوش» وهو درس الفلسفة ومعجب بالثوري الفرنسي ماكسيميليان روبسبيار كما بالرئيس الڤنزويلي الراحل هوغو تشافيز، من مسؤولي الحزب الاشتراكي على مدى ثلاثين عاما، قبل أن يخرج منه، وهو اليوم من أشد منتقدي الحزب الاشتراكي من يساره، فيما ينتقده إيمانويل ماكرون من يمينه.
لم يفقد ميلانشون في سن الـ65 أيا من راديكالية مواقفه، غير أنه بات أكثر ميلا للفكاهة ويحسن إطلاق عبارات قوية تنطبع في الأذهان، متخليا عن نوبات غضبه العنيفة التي شكلت لفترة طويلة سمة له.
ويقول اليوم «إنني أكثر تعقلا من أي وقت مضى، وأقل نزقا. الصدام أثبت حدوده».
غير أنه في المقابل لا ينكر أيا من مواقفه ويقول «لا يمكن طرح ما أطرحه بوجه ساذج بريء وصوت هزيل. أحيانا لا يكون هناك خيار سوى اقتحام الأبواب ركلا».
لوبن عدوته اللدودة
طلاقة هذا السياسي الفرنسي المخضرم تجعله يحصد أعدادا قياسية من المتابعين على الإنترنت، حيث تضعه شبكته على موقع يوتيوب في طليعة السياسيين الفرنسيين، ويترقب أكثر من مليون متابع له على تويتر نوادره وتعليقاته الساخرة.
ويمكنه الإنترنت من نشر أفكاره بدون المرور عبر وسائل الإعلام التي يقيم معها علاقات صعبة جدا وعاصفة.
ويثبت خلال التجمعات الانتخابية عن براعة خطابية، فيأسر الحضور ملقيا كلماته بدون الاستعانة بأي ملاحظات، وعمد مؤخرا إلى إلقاء خطاب بالتزامن في عدة مدن من خلال الظهور فيها عبر صورة هولوغرام افتراضية.
يقول أحد رفاقه السابقين النائب السابق جوليان دراي «إنه ابتكر العرض الكوميدي السياسي، أصبح استعراضيا.
هذا الأسلوب يسمح له بتفادي توجيه انتقادات عنيفة للغاية. بات يتبع نهجا تعليميا، إنه الأستاذ السابق الذي يلقي درسا عن العالم وكيفية تغييره».
ولد ميلانشون في طنجة بالمغرب، وكان ناشطا طلابيا من التيار التروتسكي، ثم انضم إلى الحزب الاشتراكي في الـ25 من عمره.
انتخب عن منطقة إيسون بضاحية باريس وشارك في الحكومة بين 2000 و2002 وزيرا منتدبا للتعليم العالي.
كان على خلاف شديد مع الحزب الاشتراكي وزعيمه آنذاك الرئيس الحالي فرانسوا هولاند، ما حمله في 2008 على الخروج من الحزب.
تحالف مع الشيوعيين وحصل على 11.1% من الأصوات في الدورة الأولى من الانتخابات الرئاسية عام 2012، متخذا موقفا «إلى يسار اليسار» وموجها هجمات عنيفة على الليبرالية الجديدة.
غير أنه فشل في الانتخابات التشريعية التي واجه فيها زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبن في معقلها بشمال فرنسا، منافسا عدوته اللدودة على أصوات الناخبين الشعبيين.
ورأت الباحثة سيسيل ألدوي أن «مفارقة جان لوك ميلانشون تدور حول مفهوم الشعب.
فهو يحاول مطابقة مفهومه للشعب المثالي، ذلك الشعب الذي يقاتل من أجله، شعب العاطلين عن العمل والمأجورين وذوي الأوضاع الهشة.. مع الشعب الذي يحضر فعليا مهرجاناته الانتخابية، المنبثق في غالب الأحيان عن الطبقات الاجتماعية المهنية الأكثر ارتفاعا: موظفون وموظفو دولة وأساتذة».
يحمل باستمرار على أوروبا «الليبرالية»، داعيا إلى وقف العمل بالمعاهدات الأوروبية، ويوجه انتقادات لاذعة إلى ألمانيا المحافظة بزعامة المستشارة أنجيلا ميركل.
كما يدعو إلى الخروج من الحلف الأطلسي وتبني فرنسا «سياسة عدم انحياز» إلى القوى الكبرى.