صدقت التوقعات واستطلاعات الرأي في فرنسا ولم تتحقق المفاجأة التي حدثت في بريطانيا والولايات المتحدة.
فاز إيمانويل ماكرون «الرئيس المحظوظ» الذي وصل الى الإليزيه مستفيدا من حالة انهيار غير مسبوق في منظومة الأحزاب السياسية التقليدية، وهنا يسجل التالي:
1 ـ هذا انتصار وإنجاز كبير لإيمانويل ماكرون الرئيس الأصغر سنا (39 عاما) في تاريخ فرنسا، الذي كان مغمورا وغير معروف عند الفرنسيين، ودخل عالم السياسة من باب الاقتصاد وأسس حركة «إلى الأمام» قبل سنة فقط، وجاء الى السباق الرئاسي من «فراغ» ونفذ الى الإليزيه متسللا ومستفيدا من حالة تخبط وتضعضع عند الأحزاب، ومن حالة انقسام في المجتمع الفرنسي وفقدان الثقة بالطبقة السياسية الحاكمة المتناوبة على السلطة مند عقود.
2 ـ فوز ماكرون لم يحمل أي عنصر مفاجأة وكان متوقعا.
ما كان مفاجئا ولم يكن متوقعا هو حصوله على 65% من الأصوات وعدم قدرة منافسته مارين لوبن على الوصول الى عتبة الـ 40%.
فالتوقعات للدورة الثانية بين ماكرون ولوبان كانت تدور حول نسبة 60 ـ 40 والمعركة بالنسبة للوبن كانت معركة تضييق الفارق، والمفاجأة كانت منتظرة من جانب لوبن بخرق حاجز الـ 40%.
ولكن جاءت المفاجأة من جانب ماكرون الذي حصد رقما عاليا من الأصوات متجاوزا عتبة الـ 60%.
أما السبب في ذلك فكان المناظرة التلفزيونية التي كان فيها أداء لوبن سيئا ولم تكن مقنعة وظهر عدم إلمامها بالملف الاقتصادي، أما السبب غير المباشر فتمثل في نجاح الجمهوريين في تعبئة قواعدهم لانتخاب ماكرون لقطع الطريق على لوبن في الانتخابات التشريعية المقبلة، وحتى لا تستفيد من زخم الانتخابات الرئاسية لتصبح قائدة «المعارضة».
3 ـ مارين لوبن تتقدم على الساحة السياسية الفرنسية.
وصلت الى الدورة الثانية ونالت 11 مليون صوت (35%) بزيادة نحو 4 ملايين صوت عن الدورة الأولى.
وحققت ضعف ما كان حققه والدها جان ماري لوبان في انتخابات العام 2002 (17%)، ولكن لوبن تخرج من هذه الانتخابات بخسارة مرة فيها «طعم الهزيمة»، ولا تمنحها فرصة الانقضاض على الانتخابات التشريعية ليصبح حزب الجبهة الوطنية «حزب المعارضة» بحصوله على كتلة برلمانية رئيسية، خصوصا أن النظام الانتخابي الأكثري يساهم في قطع الطريق عليها في انتخابات تجري على دورتين وتفتقر فيها الى تحالفات.
4 ـ الرقم الذي ميز الانتخابات الفرنسية الرئاسية وتوقف عنده المراقبون كان رقم «المقاطعة».
25% من الناخبين الفرنسيين، أي 12 مليونا، قرروا عدم المشاركة في التصويت، يضاف إليهم 8% من الأصوات البيضاء أو اللاغية، أي نحو 4 ملايين صوت (مجموع عدد الناخبين في فرنسا نحو 48 مليونا: 21 مليونا لماكرون، ١٦ مليونا «لا أحد»، و11 مليونا للوبن، وهذا يعني أن ماكرون مع حصوله على 60% من الأصوات لم يحصل على تأييد 50% من الفرنسيين، وأن لوبن حلت عمليا في المرتبة الثالثة).
وهذه نسبة غير مسبوقة في مقاطعة الانتخابات جاء من جانب أنصار اليسار الراديكالي (ميلونشون) ومن جانب الجمهوريين الذين رفضوا خيارات «الأمر الواقع» ولم يقنعهم أي من المرشحين.
5 ـ الأنظار تتجه الى الانتخابات التشريعية الشهر المقبل، وستكون الأهم في تاريخ فرنسا:
٭ هذه الانتخابات ستعيد رسم الخارطة السياسية وتحديد موازين القوى بعد حال البلبلة والغموض الكثيف والانهيارات الحزبية التي نجمت عن الانتخابات الرئاسية، وستقرر على وجه الخصوص ما إذا كان سقوط الحزبين التقليديين من جهتي اليمين واليسار (الجمهوريون والاشتراكي) هو سقوط نهائي أم مرحلي، وما إذا كان في وسعهما استعادة توازنهما وزمام المبادرة الشعبية، وما إذا كان الفشل الذي أصابهما هو فشل لأشخاص (فيون وهولاند) أو للمؤسسة الحزبية والنظام السياسي.
فالفرصة مازالت متاحة أمام اليمين لاستجماع قواه وتشكيل أكثرية برلمانية، أما الحزب الاشتراكي، فإن وضعه أسوأ ويصل الى درجة التفكك والانهيار.
٭ الانتخابات التشريعية هي الفرصة المتاحة للرئيس الجديد كي يثبت قدرته على «إزاحة» الحزبين الكبيرين، وكي يضمن حدا أدنى من الاستقرار السياسي لعهده ولا يضطر الى التعايش مع أكثرية برلمانية معارضة، أو مع «ائتلاف حكومي» ضعيف يعكس المشهد السياسي المبعثر.
6 ـ الرابح الأول في الانتخابات هو الاتحاد الأوروبي.
فالوجه الآخر لهذه الانتخابات كان «الاستفتاء الشعبي الفرنسي» على مواصلة مشروع الاتحاد الأوروبي أو الانسحاب منه، والأوروبيون كانوا يتابعون باهتمام وقلق شديدين مجريات الانتخابات التي ما إن أعلنت نتائجها حتى تنفس قادة أوروبا الصعداء، بعدما نجح ماكرون في إجهاض مشاريع لوبن الكارهة للاتحاد الأوروبي والمشككة في جوهره.
فوز ماكرون يعني تفوق تيار سياسي يؤمن بالعولمة محركا للاقتصاد والمجتمع، وبالاتحاد الأوروبي رافعة للازدهار الاقتصادي، وبالليبرالية خيارا لا بديل عنه، وبالعملة الأوروبية الموحدة (اليورو).
ويريد الرئيس الشاب فتح الحدود، ويرفض عزلة فرنسا، ويدافع عن الوطنية، ويرفض القومية المتعصبة والانغلاق على الذات.
وبكلام آخر، فإن ماكرون يقاوم كل ما دعت إليه منافسته، مرشحة اليمين المتطرف، التي يعتبرها خطرا على الديموقراطية، ومنذرة بـ «حرب أهلية»، وتهديدا للبناء الأوروبي.
وشكلت الانتخابات الفرنسية «استحقاقا أوروبيا» حاسما: إما تضع حدا للاتحاد الأوروبي بصيغته الراهنة فيصبح «البريكيت» نموذجا متكررا، أو تنهض فرنسا من تحت الرماد وتتحول الى أكثر التجارب إثارة في القارة الأوروبية والمنارة الطبيعية الجديدة لقيم أوروبا ومنطقة الأطلسي.
وبالفعل، هذا ما حصل واعتبر فوز ماكرون ضربة موجعة للتيارات الشعبوية الداعية الى الطلاق مع الاتحاد الأوروبي، وساد ارتياح بالغ في أوروبا التي تقف عند مفترق طرق وتحتاج الى مثل هذا الرد لمواجهة المشككين في صدقية المسار الاندماجي.