استنادا الى التقارير الديبلوماسية والعسكرية الصادرة عن خبراء ومحللين أميركيين وأوروبيين، واستنادا الى مصادر ديبلوماسية غربية في بيروت، يمكن تلخيص ظروف وسيناريوهات وأطر الضربة العسكرية الاميركية المرتقبة في سورية في المعطيات والنقاط التالية:
1ـ الضربة الأميركية باتت محسومة وواقعة. السؤال لم يعد: هل تنفذ الولايات المتحدة تهديدها وتوجه ضربة عسكرية ضد النظام السوري؟! السؤال المطروح هو: متى توجه مثل هذه الضربة وكيف؟!
2ـ الرئيس الأميركي دونالد ترامب لا يمكنه أن يتراجع عن تهديداته مثلما فعل الرئيس السابق باراك أوباما وتلقى بسبب تراجعه انتقادات أوروبية وخليجية حملته مسؤولية تغير مسار الحرب في سورية لمصلحة روسيا وإيران.
3ـ فرنسا أكثر الدول الأوروبية حماسة للانخراط في «الضربة التأديبية»، وليس واردا لديها التراجع عن تنفيذ قرارها أو طرح مبادرة ديبلوماسية مثل التي طرحتها عام 2013 وسمحت للنظام السوري بتلافي عمل عسكري ضده، ولكن الرئيس ماكرون لا يجاري ترامب في تهديداته لـ «الروس والإيرانيين» حلفاء النظام السوري، كما أنه ليس متحمسا لضربة تذهب الى حد تغيير النظام والإطاحة به. والمفهوم الفرنسي للعملية العسكرية يحصرها ضمن نطاق الرد على الهجوم الكيماوي واستهداف مراكز انطلاق الطائرة التي نفذت الهجوم ومراكز تخزين المواد الكيماوية.
4ـ الضربة الأميركية في أبريل 2018 ستكون أكبر وأوسع من ضربة أبريل 2017 (التي استهدفت مطار الشعيرات ردا على هجوم كيماوي في خان شيخون). الضربة لن تكون محصورة بمطار أو موقع واحد وإنما تشمل عدة مواقع، ولن تتوقف بعد ساعات وإنما تمتد لأيام، والهدف من وراء ذلك يتجاوز مسألة معاقبة النظام على استعماله السلاح الكيميائي الى «إضعاف النظام» وضرب قدراته، ولكن الأمر لا يصل حاليا الى حد محاولة إسقاط النظام أو تغيير موازين القوى وقواعد اللعبة في سورية، لأن ذلك سيجر الى مواجهة أميركية روسية، وواشنطن تتفادى مثل هذه المواجهة ولا تخطط لتورط وتدخل عسكري كبير في سورية بقدر ما تتطلع الى تفاهمات وصفقة جديدة بعد تحسين أوراقها وشروطها وموقعها التفاوضي.
5ـ الخيارات العسكرية التي أعدها قادة الپنتاغون تركز على استهداف مواقع مهمة في سورية مثل المطارات ومراكز القيادة المركزية، وعلى إضعاف وتقليص قدرات الحكومة السورية في سلاح الجو.
مجمل هذه الخيارات تدور حول تنفيذ ضربات جوية وصاروخية مركزة قوية ومحددة، من دون الذهاب الى خيارات مرتفعة المخاطر والتكاليف. المسألة ليست مجرد «عملية تأديبية» يخرج منها الاسد سليما وقادرا على استيعاب ضربة لا تغير شيئا في الواقع ومسار الحرب وميزان القوى وقواعد اللعبة، الضربة المطروحة حاليا تهدف الى إضعاف النظام وإرباكه ودفعه الى تقديم تنازلات، وبحيث يكون صعبا على حلفائه، أي الروس والإيرانيين، مساعدته بسهولة على استيعاب النتائج المترتبة، وإنما يكون عليهم مراجعة الموقف والحسابات.
6ـ بقدر ما تتجه الأنظار الى واشنطن وسط حالة ترقب وحبس أنفاس، فإنها تتجه أيضا الى موسكو، الطرف المقابل واللاعب الرئيسي الذي يمتلك قوى بحرية وجوية كبيرة في سورية تشمل، إضافة الى قاعدة حميميم الجوية التي تتواجد فيها صواريخ مضادة للسفن من نوع «كياك»، غواصات نووية مزودة بطوربيدات وصواريخ «كاليبر» المخصصة لتدمير الأهداف البحرية والبرية.
روسيا تتفادى أيضا المواجهة مع الولايات المتحدة ولا تتوخى تصعيدا كبيرا يخرج الوضع عن السيطرة، ولذلك فإن تعاطيها ظل حتى الآن هادئا واستيعابيا، ولم تقع في فخ الكلام الاستفزازي لها، وتمتنع عن اتخاذ أي قرار مسبق، وإنما تنتظر حصول الضربة كي تبني على الشيء مقتضاه وتتصرف بما يتناسب مع طبيعة الضربة وما تمليه التطورات والوقائع العسكرية والميدانية:
٭ إذا كانت الضربة الأميركية محدودة وتستهدف بعض المنشآت التي يستخدمها الجيش السوري أو الإيرانيون، فإن موسكو لن ترد عسكريا وتكتفي بالإدانة السياسية للهجمات.
٭ إذا كانت الضربة الأميركية واسعة وتهدف الى إضعاف النظام وضرب قدراته الأساسية وبناه التحتية، فإن الرد السياسي الديبلوماسي سيكون قويا للتضييق على واشنطن، وسيضاف إليه تحرك عسكري يهدف الى مساندة النظام بطريقة غير مباشرة عبر توفير الدفاعات الجوية اللازمة أو مده بالأسلحة والحاجات العسكرية.
٭ أما في حال طالت الضربة الأميركية قواعد ومراكز روسية، فإن الرد الروسي سيكون قويا وعبر مواجهة مباشرة، وستتم مواجهة الصواريخ الأميركية باستهداف منصات إطلاقها.
باختصار، فإن موسكو لن تقف مكتوفة الأيدي إذا تعرضت منشآتها ووحداتها العسكرية لخطر مباشر، ولكنها لم تقل إنها ستتحرك وستواجه ضربة أميركية موجهة ضد منسآت للجيش السوري أو ضد قواعد إيرانية، إنما تقصدت استعمال تصريحات هادئة متحفظة لا ذكر فيها لكلمة «المواجهة» إلا مرفقة بعبارة «إذا دعت الحاجة وعند الضرورة».
7ـ لا يمكن إغفال «العامل الإسرائيلي» واحتمال أن تبادر إسرائيل الى استغلال الهجوم الأميركي للدخول على الخط بهدف تعميق التورط الأميركي وتوسيع نطاقه ومداه، وبهدف توجيه ضربات قوية ضد أهداف إيرانية (منشآت وقواعد) في سورية مستفيدة من الغطاء الأميركي ومستقوية به.
في هذه الحال، في حال دخول إسرائيل طرفا في الحرب لتصبح شريكا إضافيا للأميركيين أسوة بالشركاء الأوروبيين، فإن الوضع يصبح خطير جدا والحرب تكون قابلة للتوسع باتجاه مواجهة إيرانية إسرائيلية لا تظل محصورة في نطاق سورية، ويمكن أن تتمدد في اتجاه لبنان في حال قررت إيران، ردا على الضربات الإسرائيلية لقواعدها في سورية، أن تفتح «جبهة لبنان».
حتى الآن، تدل المؤشرات الى ان إسرائيل وإيران تستعدان لمثل هذه المواجهة لكنهما لا تريدانها، ولذلك ترفعان سقف التهديدات المتبادلة: إسرائيل تهدد بمحو سورية ونظامها ورئيسها بشار الأسد من الخارطة والعالم.. وإيران تهدد باستهداف العمق الإسرائيلي من سورية ولبنان.