ينعقد اليوم وغدا في القدس الغربية اجتماع أمني ثلاثي رفيع المستوى يضم أمين مجلس الأمن الروسي نيكولاي باتروشيف، ومستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون، ورئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي مئير بن شبات. وهذا الاجتماع الذي يبدو بمنزلة «قمة أمنية ثلاثية» غير مسبوقة وغير عادية في ظروفها وتوقيتها، مخصصة في الأساس للبحث في الملف السوري، بما في ذلك موضوع الوجود الإيراني العسكري، ولكن تطورات الأزمة الأميركية ـ الإيرانية في الخليج والتوتر الشديد الذي أحدثته في المنطقة تهيمن على أجواء الاجتماع وتجعل أن البحث في مستقبل الوجود الإيراني في سوريا بات جزءا وتفصيلا من مستقبل إيران في الشرق الأوسط.
يعتبر هذا الاجتماع الأمني هدية جديدة من الهدايا التي تلقاها بنيامين نتنياهو من الرئيسين الأميركي دونالد ترامب والروسي ڤلاديمير بوتين، وهذه المرة هدية روسية ـ أميركية مشتركة في خضم تطورات إيرانية تقلق إسرائيل، وتطورات إسرائيلية داخلية تقلق نتنياهو. ومن الطبيعي أن يبدو نتنياهو مزهوا بهذا الاجتماع ومتباهيا بالإنجاز الجديد الذي حققه وكان نتيجة للعمل الذي راكمه منذ لحظة التدخل الروسي في سورية عام 2015 عندما وضع هذا التدخل إسرائيل أمام خيارات صعبة وأمر واقع استثنائي، في ظل الخلل الذي أصاب العلاقة مع الولايات المتحدة أيام باراك أوباما. فقد ذهب نتنياهو الى بناء تفاهماته مع بوتين، قبل أن يأتي ترامب الى البيت الأبيض، معززا حضوره بشكل أكبر في الملف السوري من خلال الترتيبات التي أجراها في الجنوب السوري وتأمين حركة طائراته فوق الأجواء السورية. وها هو يأتي بروسيا والولايات المتحدة الى القدس ليؤكد مكانة إسرائيل الحالية على الساحة الدولية، وليفتح مسارا إسرائيليا في مستقبل سورية. وبالتالي هذا إنجاز يحتسب لنتنياهو عن طريق تشكيله حلقة وصل ملائمة بين الروس والأميركيين يمكن استثمار مفاعيلها في الداخل الإسرائيلي، وفي الوقت ذاته تهدف الى التوصل لمقاربة شاملة حول الوضع في سورية، وذلك عبر مدخلين: الأول هو ضمان أمن إسرائيل واستقرارها، والثاني هو تأمين توافق دولي يتعلق باحتواء الوجود الإيراني في سوريا والحد من مفاعيله ونتائجه.
أعدت إسرائيل جيدا لهذا الإجتماع وبلورت خطة جديدة هادفة الى «إخراج القوات الإيرانية من سورية»، بعدما كانت قدمت في السابق عروضا وأفكارا رفضتها روسيا.. كما يبحث الإجتماع الأمني في خطة أميركية خاصة بسوريا عرضها وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو على نظيره الروسي سيرغي لاڤروڤ خلال زيارته الى سوتشي الشهر الماضي، وتتناول مبادئ التسوية السورية و«احتواء إيران». هذه الخطة من ثماني نقاط تتناول تنفيذ القرار الدولي 2254 بهدف التوصل الى حل سياسي والتعاون في ملف الإرهاب و«داعش» وإضعاف النفوذ الإيراني، والتخلص من أسلحة الدمار الشامل في سورية، وتوفير المساعدات الإنسانية، ودعم الدول المجاورة وتوفير عودة اللاجئين.
القمة الثلاثية ترافقت مع تسريبات وتقديرات بشأن أن تسفر عن صفقات محتملة، من نوع أن يصبح الأميركيون في وارد شرعنة وجود روسيا في سوريا والتسليم بدورها ونفوذها عبر تسهيل ولادة الحل السياسي الذي تريده موسكو، مقابل مقايضة ذلك بالوجود الإيراني ودور روسي ضاغط باتجاه إخراج الإيرانيين من سورية. وتحدثت معلومات عن أن الروس والأميركيين، وبمواكبة إسرائيلية، عقدوا سلسلة لقاءات أحدها في إسرائيل قبل فترة قصيرة، ناقشوا في خلالها التوصل الى خطة تنفيذه لوضع نهاية للوجود العسكري الإيراني في سورية، باعتبار أنه بات يشكل عبئا على هذه الدول الثلاث ولأسباب وبنسب مختلفة. وإذا كانت واشنطن، كما قال جيمس جيفري (المسؤول الأميركي عن الملف السوري) تريد خروج القوات الإيرانية من سوريا في نهاية العملية السياسية، وأن هذا الطلب واقعي بحيث يعود وجود القوات الأجنبية في سوريا كما كان قبل العام 2011، فإن موسكو ترغب وابتداء من اليوم أن تركز القمة الأمنية على التسوية السياسية واليوم الذي يليها ومرحلة ما بعد الحرب، بدل حصر التركيز وجدول الأعمال في الأنشطة الإيرانية في سورية والمنطقة.
من الواضح أن واشنطن تسعى الى عقد صفقة موضعية مع موسكو في سوريا تفضي الى مساهمتها في الضغط على طهران لتحجيم قوتها ولجم تطوير قدرات حلفائها، وهذا يعتمد بشكل أساسي على القوة الإسرائيلية من جهة، وعلى ديبلوماسية الصفقات والمقايضة مع الروس من جهة ثانية. ولكن الموقف الروسي مازال حذرا ولا يتعلق الأمر فقط بالأثمان التي ستحصل عليها موسكو مقابل تجاوبها مع العرض الأميركي، وإنما خصوصا بمصالحها وعلاقاتها الاستراتيجية مع إيران وتعريضها للخطر بعدما نجحت في نسج تحالف براغماتي ثلاثي يجمعها مع الصين وإيران، وأتاح لها تحقيق جملة مكاسب وازنة في سياق عالمي سمته اضطراب التحالفات وتفككها.
روسيا على مستوى المواقف والسياسة الرسمية المعلنة، تتعاطى بدقة مع الموضوع، فتؤكد على أن اجتماع القدس لا يهدف الى الخروج بصفقات بل إيجاد آليات مشتركة لدفع التسوية، مع ضرورة أن تراعي الخطوات المشتركة بين الأطراف الثلاثة مصالح كل الجهات الفاعلة بما فيها إيران. وتقول موسكو أيضا إن أبرز أهداف اللقاء هو البحث عن خطوات عملية مشتركة للتسوية في سورية، من دون استبعاد أن يتحول «اللقاء الثلاثي» الى آلية دائمة لمعالجة الملف السوري وملفات الأزمات في الشرق الأوسط.
إشارات كثيرة ظهرت في موسكو حول التعويل على أن اجتماع القدس سيضع أساسا لـ «عمل مشترك» في الملف السوري خصوصا، والوضع في الشرق الأوسط عموما، مع احتمال تحويل هذه الآلية الى «منصة دائمة لمناقشة قضايا المنطقة، الى جانب منصة آستانة والمنصات الدولية الأخرى، في حال نجح اجتماع اليوم، وبالتالي تستبعد موسكو عقد صفقات في القدس (بما في ذلك ما يقال عن صفقة معروضة من جانب واشنطن تقوم على احتواء النفوذ الإيراني في سورية مقابل تسهيل الاعتراف الغربي بنظام الأسد، وبما يعني دفع التسوية السياسية بشكل ينسجم مع طموحات موسكو). ويشير مسؤولون وخبراء روس الى أن العلاقة الشائكة مع إيران لا تقتصر على معالجة الوجود الإيراني في سورية، وأن المصالح الروسية مع إيران أوسع من ذلك بكثير. فقد اتفق بوتين مع ترامب ابتداء من «قمة هلسنكي» على إعطاء أولوية لضمان أمن إسرائيل ولكنه لم يتفق معه بشأن إيران وليس على استعداد للتفريط بالورقة الإيرانية التي يحتاجها في سورية والمنطقة. ولذلك قبل اجتماع القدس جرى تنسيق المواقف بين طهران وموسكو (اجتماع علي شمخاني أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني مع نظيره الروسي باتروشيف في روسيا) وبعد اجتماع القدس سترسل موسكو موفدا خاصا يطلع القيادة الإيرانية على نتائج هذا الاجتماع.