دخل ربيع عام 1665 التاريخ البريطاني كبداية لتفشي وباء الطاعون في لندن الذي سرعان ما انتقل الى مناطق اخرى في انجلترا.
وتزامنت مع ذلك التاريخ بداية الرحلة العلمية الطويلة لطالب في جامعة كيمبريدج اسمه اسحق نيوتن، ولكن هل كان الأمر تزامنا ام سببا ونتيجة ام محض صدفة؟ الكاتب توماس ليفنسون في مجلة ذي نيويوركر الأميركية سعى الى الإجابة عن هذا السؤال من خلال الوقائع التاريخية المعروفة، الأمر الذي تطلب منه دحض واحدة من الأساطير المشهورة في تاريخ العلم.
بدأت الحكاية مع التجاء كثيرين من سكان كيمبريدج الى الأرياف لكي «يبتعدوا» عن مركز انتشار الوباء، وكان من بين هؤلاء اسحق نيوتن الطالب المتميز في كيمبريدج الذي انتقل الى مزرعة عائلته الواقعة على مسافة مأمونة من البلدة.
ومن هناك وفي جو من العزلة التامة استطاع ذلك الطالب ان يحدث ثورة كبيرة في علم الرياضيات والجاذبية وعلوم أخرى كثيرة.
هذه هي القصة المتداولة ولكن ما مدى تطابقها مع الواقع؟
القصة تدعو للتفاؤل وسط حالة الكآبة التي تلف العالم بسبب فيروس كورونا وإجراءات التباعد والاقفال التي نجمت عنه.
هذا ساعد على ظهور مقالات كثيرة تقدم قصة نيوتن كمثال على الأمور الايجابية التي تنطوي عليها كارثة كورونا الحالية.
كاتب مقال ذي نيويوركر يدحض هذه الفكرة وبالذات نظرية ان الطاعون أيقظ عبقرية نيوتن لكونها غير صحيحة من جهة ولأنها مضللة من جهة اخرى في تصويرها لقدرتنا على الابتكار خلال طاعون هذا العصر.
انها المغالطة القائلة ان الأفكار العظيمة لا تأتي من العمل المضني المتمثل في الانتباه الدائم والتفكير العميق بل من ومضات الهام لا تحدث إلا في الظروف المناسبة مثل العزلة الإجبارية في زمن الوباء.
صحيح ان نيوتن قدم خلال العامين اللذين أمضاهما معزولا في مزرعة العائلة عددا مذهلا من الاكتشافات وبشكل خاص في مجال الرياضيات وقانون الجاذبية.
ولكن ذلك كله لم يكن من دون مقدمات سبقت تفشي الوباء وحياة العزلة التي فرضها عليه. الحقائق الموثقة جيدا تقول ان نيوتن كان قد بدأ بالتفكير بهذه المسائل العلمية الملحة بينما كان يحضر لامتحاناته الجامعية قبل عام من تفشي الطاعون.
لاحقا سئل نيوتن عن كيفية توصله لقانون الجاذبية فأجاب: «بالتفكير بالجاذبية دائما».
هذا التفكير بدأ قبل عزلته الإجبارية واستمر خلالها ومن بعدها لدى عودته الى الجامعة، ما أنجزه نيوتن لم يكن نتيجة وجوده في العزلة بل نتيجة تكوينه كشخص وإهماله لكل شيء تقريبا عدا التفكير والتحليل وإجراء الحسابات.
العزلة ساعدت نيوتن على استخدام عبقريته ولكنها لم تكن سببا لتلك العبقرية.