التقديرات الأولية الصادرة عن خبراء السياسة والمال والاقتصاد وعن ديبلوماسيين ومفكرين وعن مراكز أبحاث، في شأن تداعيات أزمة «كورونا» العالمية ونتائجها على النظام الدولي والتكتلات الإقليمية ومجمل التوازنات والعلاقات، هذه التقديرات تتشابه في توقع تغييرات كبيرة وجذرية، وأن يكون «عالم ما بعد كورونا» مختلفا عن «عالم ما قبل». فهذا الحدث العالمي يعادل «حربا عالمية ثالثة» وينظر إليه كحد فاصل بين مرحلتين وعالمين... وفي التقديرات الأولية لـ «عالم ما بعد كورونا»:
- تغيير كبير في النظام العالمي وتوازن القوى.
- تحول في نظام العولمة الاقتصادية والتجارة الدولية.
- انتقال القوة والتأثير عالميا من الغرب الى الشرق.
- تحول دفة قيادة العالم من الولايات المتحدة الى الصين، أي من عولمة متمحورة حول أميركا الى عولمة تتمحور حول الصين.
- تقوية دور الدولة ومفهوم الحكومة المركزية وتعزيز قبضة الحكومات.
- تعزيز القومية ومناهضة العولمة، ومزيد من الانكفاء على الداخل وسياسة «الاكتفاء الذاتي»، وتراجع القضايا ذات الاهتمام المشترك، وتراجع الاهتمام بالقضايا الخارجية مثل التغير المناخي.
- عالم أقل انفتاحا وأقل حرية... أكثر فقرا وأكثر انغلاقا.
- النظام العالمي يتعرض لضغط كبير وعدم استقرار نتيجة التوتر والخلافات بين الدول وتقلص القدرة الإنتاجية للاقتصاد العالمي، نظام عالمي جديد يحمل ضمانات لحماية الدولة ومصالحها وتسوده تغييرات داخل الدول وفيما بينها.
في كل هذه التقديرات يبرز عنوان رئيسي وبخط عريض هو «الاتحاد الأوروبي»، حيث تتقاطع مختلف الآراء والتوقعات عند خطر التفكك الذي يواجهه الاتحاد الأوروبي بعد فشله في مواجهة الأزمة وانكشاف حالة عدم التضامن بين دوله. فإذا لم يستطع الاتحاد الأوروبي حماية مواطنيه الـ 500 مليون، فإن الحكومات الوطنية سوف تسترد المزيد من الصلاحيات من بروكسل (عاصمة الاتحاد).
هذا التوقع المتشائم بخصوص الاتحاد الأوروبي لا يأتي من فراغ وإنما يستند الى وقائع أزمة «كورونا» وتطورها ومسارها الكارثي على الصعيدين الصحي والإنساني، الى درجة تشبيهها بأزمة الإنفلونزا الإسبانية قبل 100 عام، عندما أودت في نهايات الحرب العالمية الأولى عام 1918 بحياة 50 مليون شخص. ويستند إلى تداعياتها الاقتصادية والمالية الكارثية، إلى درجة مقارنتها بالأزمة العالمية الاقتصادية عام 1930.
بعد 3 أشهر من ظهور هذا الوباء وانتشاره بسرعة وكثافة في الصين، أضحت أوروبا بؤرة ومركز الانتشار عالميا، وخاصة إيطاليا وإسبانيا، حيث تجاوز عدد الإصابات المؤكدة في كل منهما حاجز المئة ألف، بينما تشكل مجموع الوفيات نحو نصف عددها عالميا. وهذا القفز المثير في عدد الإصابات في إسبانيا وإيطاليا خصوصا يعود الى جملة أسباب، منها تأخر حكومتي البلدين في اتخاذ التدابير اللازمة عندما كانت في مراحلها الأولى، إضافة الى العادات الاجتماعية في السياق الديموغرافي، بعدما بينت الدراسات أن التواصل بين الشباب والمسنين هو السبب الرئيسي الذي أدى الى هذا الانتشار السريع للڤيروس في إيطاليا وإسبانيا، ذلك أن الشباب هم الناقل الرئيسي للڤيروس، وهم الأخطر لأنهم في الغالب لا تظهر عليهم عوارض الوباء. وفي هذه الدراسات ما يظهر أن الإسبان والإيطاليون يميلون الى العيش بالقرب من أسرهم والانتقال يوميا الى مركز عملهم، وأن هناك نسبة عالية من الشباب الذين تركوا إقامتهم المنفردة وعادوا الى السكن مع أهلهم بعد أزمة 2008 التي أدت الى ارتفاع نسبة البطالة وتراجع القدرة الشرائية للطبقة الوسطى.
من الناحية الاقتصادية، يواجه الاتحاد الأوروبي أوضاعا اقتصادية غير مسبوقة دفعت برئيس مجموعة اليورو ماريو سنتينو الى تحذير وزراء المال الأوروبيين من خطر تفكك منطقة «اليورو» وقال لهم: «لا شك في أننا سنخرج جميعا من الأزمة مثقلين بديون أكبر بكثير، ولكن هذا التأثير وتداعياته الطويلة يجب ألا يصبح مصدر تفكك».
في الواقع، يتأهب الاتحاد الأوروبي للدخول في ركود شديد وبطالة متزايدة وتراجع حاد، وتواجه الشركات صعوبات وتحديات كثيرة. والانطباع السائد في أوروبا أنه لن يبقى هناك شيء كما كان من قبل، وأوروبا ستتغير والعالم سيتغير... وبالنظر الى الدرجة العالية من حالة عدم اليقين المحيطة بأي تقدير للتأثيرات الاقتصادية للوباء والتطور السريع للتدابير المالية للاستجابة للوضع، فإن الدول الأعضاء تواجه صعوبات في تقديم توقعات اقتصادية ومالية ذات مصداقية.
من الناحية السياسية والشعبية (الحكومات والأحزاب والنخب الفكرية والرأي العام) هناك، وخصوصا في الدول المصابة، نوع من الخيبة لأن فكرة الاتحاد الأوروبي التي نشأ على أساسها هي خلق حالة من التضامن والتعاضد بين دوله، لاسيما في أوقات الأزمات الكبرى، ولكن ما جرى مع عدة دول، خصوصا إيطاليا، يرسم علامة استفهام جذرية بعدما سقط مفهوم التضامن الأوروبي في «امتحان كورونا»، وبعدما أظهرت الأزمة الطارئة أن الآليات اللازمة لتنفيذ الاتفاقيات الأوروبية مصابة بعطب شديد وغير كافية لمواجهة التحديات.
لنأخذ إيطاليا نموذجا.. في هذه الدولة شعور عميق من المرارة والخيبة. إيطاليون يحرقون علم الاتحاد الأوروبي، رئيس البرلمان يطوي علم الاتحاد ويضعه في جاروره، رئيس الوزراء جوزيبي كونتي يقول: «لقد طلبنا المساعدة من الأوروبيين، لكن الجواب لم يكن فقط إغلاق الحدود، بل الترويج بأن المشكلة إيطالية وأن الحل يتوجب أن يكون إيطالياً أيضا»، وزير الداخلية السابق وأحد رموز اليمين المتطرف في «سالفيني» يقول: «عندما تنتصر إيطاليا على الوباء سنغلق حدودنا، لاسيما في وجه الدول التي أغلقت حدودها في وجهنا، وشركاتها التي لم يكن لها سوى هم واحد: القفز على السوق الإيطالية لتحل محل الشركات الإيطالية..».
التجربة الإيطالية كشفت أن عدة دول قامت بإغلاق حدودها وإعادة فرض حدود «الشينغن»، وهو أمر يخالف الاتفاقيات الأوروبية. وكشفت أيضا أن أحدا لم يبادر لإنقاذ إيطاليا، وأن المفوضية الأوروبية تأخرت كثيرا ليس في تحركها فقط وإنما في اعتذارها على التأخر، فكانت النتيجة أن إيطاليا لم تعد تراهن على الاتحاد الأوروبي، وأتت المساعدات الى إيطاليا من الصين وروسيا... ومن الواضح الآن أن هناك طرفين مستفيدين من وباء «كورونا» وفوضى أوروبا: طرف داخلي الأحزاب والتيارات اليمينية المتطرفة والمتشددة التي ستروج من جديد لعدم جدوى الاتحاد وتسعى خصوصا في إيطاليا وألمانيا وفرنسا والمجر الى انفراط عقده، وطرف خارجي «روسيا والصين»، الدولتان اللتان أرسلتا المساعدات والطواقم الطبية لمساعدة الإيطاليين والإسبان، فيما تنتظر فرنسا دورها في المساعدات وفي عالم جديد يولد فيه من رحم «كورونا» محور «أوراسيا».
هناك محاولة أوروبية جادة لتدارك الأخطاء واستلحاق الأزمة والحد من تداعياتها على مستقبل الاتحاد، قبل أسبوع عقدت قمة أوروبية استثنائية عن بعد لوضع خطة طموحة من أجل مواجهة أزمة «كورونا» وتداعياتها الاقتصادية. شهدت القمة مناقشات حامية وانقساما أثاره أحد الحلول الجديدة: إحداث «أداة» لاقتراض مشترك للدول الـ 19 الأعضاء في مجموعة «اليورو» تسمى «سندات كورونا»، وهو ما دعت إليه إيطاليا وإسبانيا وفرنسا، إضافة الى 6 دول أخرى في منطقة اليورو، وهذا ما تطالب به منذ وقت طويل الدول الرازحة تحت ديون في جنوب أوروبا على غرار إيطاليا. لكن دول الشمال ترفضه وتدعو في المقابل الى اللجوء «لصندوق إنقاذ» منطقة اليورو (آلية الاستقرار الأوروبية) الذي قد يمنح الدول المتعثرة خطا ائتمانيا.
ورغم فداحة الأزمة البشرية والاقتصادية التي تمر بها أوروبا، والتي يرجح كثيرون أن تكون أفدح من المتوقع، عادت آلية القرار في الاتحاد لتصطدم بالتعادل بين بلدان الشمال المؤيدة لمبدأ المواجهة المنفردة لهذه الأزمة، وبلدان الجنوب التي تطالب بخطة مشتركة تتقاسم أعباءها جميع الدول الأعضاء. وتجدر الإشارة الى أن تحالف بلدان الجنوب الذي يضم 9 دول تتزعمها فرنسا وإيطاليا وإسبانيا يشكل أكثر من نصف سكان الاتحاد لكنه يرزح تحت 72% من عبء الدين العام الأوروبي، ما يجعل من شبه المستحيل على هذه الدول أن تحصل على ما تحتاجه من موارد لتمويل خطط الدعم والإنقاذ، نظرا للهامش الضيق في موازناتها العامة.
هناك قمة أوروبية ثانية مقررة في التاسع من الشهر الجاري، أي الخميس المقبل، يسبقها الثلاثاء اجتماع لوزراء الاقتصاد لبلورة رد اقتصادي مشترك في ظل وجود تفاهم على العناصر الرئيسية للرد السياسي في هذه المرحلة من أزمة «كورونا»: «تحسين الأنظمة الصحية وتأمين السيولة التي تحتاج إليها الشركات للاستمرار، وتعويض العمال الذين تم الاستغناء عنهم».
بعد القمة الأوروبية الأولى، قال رئيس البرلمان الأوروبي دافيد ساسولي منتقدا النتائج المخيبة للقمة: «إن قصر نظر بعض الحكومات لا يقل خطرا عن الوباء». ماذا سيقول بعد القمة الثانية؟! هل تنتهي الى خيبة متكررة، أم الى اتفاق على طريقة المواجهة بمبادرة دول الشمال الى تعديل موقفها بعد أن تصل موجات انتشار الڤيروس إليها وتدرك أن مواجهة هذه الأزمة بصورة منفردة هي مهمة مستحيلة؟! الواضح في كل ذلك أن أوروبا تتغير وستتغير أكثر، وأن الاتحاد الأوروبي يواجه أخطر أزمة منذ قيامه، ويواجه جديا خطر التفكك.