رأت صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية أن إجراءات إغلاق المدن والحجر الصحي والتباعد الاجتماعي رغم نجاحها في خفض أعداد المصابين بڤيروس كورونا لا يمكن أن تستمر الى الأبد، من دون أن يدمر الاقتصاد القومي ومن دون أن تهدد السلامة النفسية للسكان.
ودعت في أحد مقالاتها إلى إجراء نوع من الموازنة الحتمية بين صحة المواطنين التي تتطلب الإغلاق والحجر والتباعدمن جهة، وبين صحة الاقتصاد القومي التي تتطلب سير الحياة اليومية بسلاسة من جهة أخرى، وذلك يحتم على أصحاب القرار امتلاك إطار علمي لتخطيط فترة استمرار الإغلاق، والتاريخ الذي يسمح فيه للاقتصاد اليومي بالعمل، ثم متى وعند أي أرقام سيعاود الإغلاق والحجر مرات أخرى.. وهكذا.
الواضح أن جميع الدول التي لجأت إلى استراتيجية الاستهانة بالڤيروس وإنكار خطورته كان مصيرها الفشل الذريع في مواجهته، حيث ارتفعت فيها الإصابات والوفيات بسرعة، كما في إيطاليا وإسبانيا أو حتى ووهان الصينية منبع انتشار الوباء في مرحلة الإنكار قبل أن تضطر للإغلاق الكامل. بينما نجد جميع الحالات التي لجأت إلى اعتماد إستراتيجيات علمية متطرفة في التعامل مع الڤيروس قد نجحت في تقليل أعداد الإصابات والوفيات، مثلما في هونغ كونغ وسنغافورة وتايوان.
الأولوية العليا هي لحماية أرواح الناس، وهذا يستدعي الحيلولة دون انهيار المنظومة الصحية للدولة بتقليل أعداد المصابين وأعداد الحالات التي تتطلب عناية مركزة، فالإستراتيجية المثلى لمكافحة الڤيروس هي تعطيل انتشاره بهدف كسب سباق الوقت ضده، بحيث تتمكن الدولة من تعزيز قدراتها الصحية، بما يسمح لها بعلاج كل المرضى وشفائهم، من دون أن تصاب المنظومة الصحية بالشلل.
الواضح أن سيناريو الإجراءات العلمية المتطرف هو المقبول والأنجح، والغاية منه هي كسب سباق الوقت ضد الڤيروس لحين اكتشاف عقار طبي يعالجه، بما يجعلنا نتغلب عليه، كما حدث مع مرض شلل الأطفال والملاريا وغيرهما من قبل. وهذا ليس مستحيلا. لكن المشكلة أنه سيتطلب نحو عام أو عامين على الأقل، لحين تطوير عقار قادر على التصدي للڤيروس. والمشكلة الأخرى هي أنه لا يوجد اقتصاد في العالم قادر على الصمود تحت ظروف الإغلاق لمدة عام أو عامين، لذا فالحل الوحيد أمامنا هو اللجوء إلى نظام الدورات: دورات فرض الإغلاق والحجر لمنع الڤيروس من الانتشار، ثم دورات إنهاء الإغلاق ورفع الحجر لمنع الاقتصاد من الاحتضار، ثم العودة الى فرض الإغلاق والحجر مرة أخرى، وهكذا دواليك لحين العثور على العقار المطلوب.
يشبه الأمر لعبة شد الحبل بين الاقتصاد والڤيروس، فساعة سيحتضر الاقتصاد ويطالب برفع الإغلاق، وساعة سيحتضر البشر ويطالبون بتفعيل الإغلاق والحجر. وهكذا ستعتمد لعبة الشد والجذب هذه على خصوصية كل دولة وعلى طبيعة اقتصادها وقدرته على الصمود في ظروف الإغلاق، وعلى طبيعة سكانها وإرادتهم الشعبية ودرجة إنتاجيتهم حتى في ظروف الإغلاق.
وينبغي على صانعي القرارات فهم اختلاف طبيعة المناطق والقطاعات التي يخططون لإغلاقها أو فتحها وطبيعة العلاقات والتفاعلات الشخصية داخل كل قطاع، وما إذا كانت تسمح بنقل الڤيروس، كما في حالات الاتصال المباشر والحميم داخل الأسر الممتدة، وهنا يتطلب الأمر إجبار الناس على التباعد القسري رغما عنهم بمنع عادات التزاور والتقارب الاجتماعي، أو انها قطاعات يمكن فيها تفعيل الإجراءات الصحية التي تقلل العدوى وتمنع انتشارها، كما في الإلزام بارتداء الأقنعة والقفازات في كثير من مواقع الإنتاج والبيع.
ببساطة، يجب على صناع القرار ومنفذيه ألا ينشغلوا فقط بتنفيذ الإجراءات وتقديس الوسائل، بل عليهم أن ينشغلوا بفهم الهدف والغايات وراء تلك الإجراءات، فالتعامل الأعمى مع الإغلاق يصيب السكان بالهلع.. الإغلاق ليس طقسا مقدسا ينبغي تنفيذه بشكل أعمى ومن دون وعي، بل ينبغي التركيز على الغاية من الإغلاق. فعلى كل مجتمع أن يحدد أعداد الإصابات اليومية التي يمكن للمنظومة الصحية أن تتعامل معها بشكل معقول من دون أن تصاب بالشلل، ثم يحدد النقطة التي يتحتم عندها إنهاء الإغلاق قبل أن يتسبب في شلل اقتصادي وهلع نفسي للمجتمع. فالموازنة السليمة هي تلك التي ينبغي أن يجريها صانع القرار بين شلل المنظومة الصحية وشلل المنظومة الاقتصادية.
ولابد أن تتوافر لصانع القرار أرقام دقيقة عن القدرة الصحية لكل منطقة، بحيث لا يسمح بتجاوز أعداد المصابين فيها أعداد الغرف والأسرة بالمستشفيات وكذلك أعداد أجهزة التنفس التي يتطلبها علاج الڤيروس. كما أن عليه أيضا معرفة الأرقام اليومية للخسائر الاقتصادية ومدى قدرة الاقتصاد القومي والمحلي على احتوائها، ومعرفة درجة هلع السكان وكيف يمكن تخفيفها.
باختصار، ينبغي تحديد رقم الإصابات غير المسموح بتجاوزه، ومقارنته بأرقام الخسائر الاقتصادية غير المسموح بحدوثها، وتكون مهمة صانع القرار هي توقع نقطة الموازنة بين هذين الرقمين، بحيث يتخذ قرار الإغلاق والفتح استنادا إلى هذه النقطة، وهذا يعتمد على طبيعة نمط الاقتصاد في كل دولة وقدرات منظومتها الصحية.