لميس بلال
عندما نتحدث عن الصحة النفسية أو الصحة العقلية فإننا نشير حتما إلى مستوى الرفاهية النفسية أو العقل الخالي من الاضطرابات الذي يتمتع صاحبه بمستوى عاطفي وسلوكي جيد يضمن قدرة الفرد على الاستمتاع بالحياة وخلق التوازن بين أنشطة الحياة ومتطلباتها.. هذا هو المشاع عنه في علم النفس في الأزمنة الطبيعية، أما في زمن الـ «كورونا» فكل شيء مختلف، فمسألة الرفاهية النفسية وخلو العقل من الاضطرابات أصبحت موضع شك، وكذلك باتت القدرة على الاستمتاع بالحياة شبه مستحيلة مع المكوث في المنزل والمخاوف الصحية التي يفرضها انتشار الفيروس، أما أنشطة الحياة فلا مجال للتوازن والموازنة بها في ظل انعدامها شبه الكلي.
وهنا يطرح السؤال نفسه عن حال الصحة النفسية والعقلية في زمن الكورونا، والممارسات الممكنة للحفاظ على هذه الصحة خصوصا في ظل «الحجز» المنزلي.
«الأنباء» طرحت هذا السؤال على عدد من المواطنين واستطلعنا الرأي العلمي، وإليكم التفاصيل:الانزلاق نحو العنف
بداية، قالت ميسون المحمود انه بعد التوقف عن العمل ومجالسة الأطفال طوال اليوم، بدأت الصحة النفسية والعقلية تتأثر نحو السلبية ليس فقط بالنسبة للكبار وإنما الأطفال أيضا الذين زادت لديهم فرص التوجه نحو العنف، إذ باتوا يتعاملون مع الآخرين بعنف ملحوظ.
وأوضحت أنها تنبهت لهذا الانزلاق نحو العنف من قبل أبنائها فلجأت الى البحث في الموضوع بتمعن فاكتشفت انه ليس بالأمر السهل، فلا يمكن تجاهل الصحة النفسية والعقلية، والتي بالتأكيد ستقودنا في اختلالها الى سلبيات غير ملحوظة في البداية إلا ان نتائجها مخيفة في المراحل المتقدمة.
جدول عمل يومي
وأضافت ان بحثها المستفيض أوصلها الى إيجاد عدد من الممارسات الكفيلة بتخفيف هذا الضغط النفسي، حيث وضعت جدولا يوميا لتقسيم العمل على أفراد الأسرة بالتساوي، وإعداد الوجبات الصحية وكذلك الأنشطة التي تفعل التواصل الإيجابي بين أبناء الأسرة الواحدة. ومن الحلول التي اعتمدتها ميسون اختيار موضوع شيق للبحث عنه وتعلمه وإعطاء الفرصة لكل فرد من أفراد العائلة لعمل ملخص عنه وتقديم جلسة نقاشية عائلية حول سبب اختياره العنوان، إلى الهدف ثم طرق البحث وكيفية الاستفادة مما قدمه، هذا يعطي القيمة للجميع بالتعبير عن رأيهم.
ولفتت إلى أن هذه التجربة أثبتت أن حسن الاستماع وإبداء الرأي والنقد البناء تعمل على ترميم الخلل في الثقة بالنفس أوالصحة العقلية التي بالتأكيد تضررت منذ بداية الحجر المنزلي.
وقالت انه عند بداية فترة الحجر كان المكوث في المنزل مع الأسرة جسديا فقط لأن العقول كانت مع الهواتف والأخبار او التلفاز وهو ما خلق تباعدا فكريا لا يمكننا تجاهله خصوصا أن متابعة الأخبار بحد ذاتها خاصة غير الموثوقة تؤثر سلبا على العقل والنفسية بشكل لا يوصف، لافتة إلى أنه بات الوضع افضل بعد اتباع البرنامج اليومي الذي يتضمن الثقافة والتسلية والنظافة والرياضة واكتشاف المواهب.
زيارات افتراضية
بدورها، قالت أريج السجاري انها لم تكن تهتم بمفهوم الصحة النفسية من قبل خصوصا مع الانشغال في الحياة والأحداث اليومية المتسارعة، موضحة انه في بداية الحجر كان الأمر طبيعيا إلا انه مع مرور الأيام أصبح الحجر مرادفا لزيادة في عدد الوجبات والالتصاق بشاشة الهاتف طوال اليوم او مشاهدة التلفاز.
ولفتت إلى أن اختصار النشاط بهذه الأمور الثلاث خلق لديها شعورا بالاقتراب من الانفجار أو الاكتئاب بعد أن تحول الليل نهارا ما أشعرها بالتعب النفسي والعقلي وليس الجسدي في غياب أي مجهود يذكر.
ولفتت الى أن هذا الأمر دفعها لاستغلال التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي للقيام بالزيارات الافتراضية «أون لاين» مع صديقاتها وتحديد جدول مواعيد لذلك حتى تشعر بأهمية هذا الترتيب، وهذا بحد ذاته ينقلها من شعور الروتين الى التغيير الإيجابي.
برامج منزلية
من جهتها، قالت هاجر سلطان ان البقاء بملابس المنزل طوال اليوم خلق حالة من التعب النفسي لها ولابنتها الصغيرة اللتين افتقدتا جدولهما اليومي الذي كان يتخلله زيارة السوق او ممارسة الرياضة والمرور بأحد الكافيهات.
وأضافت انها سرعان ما تداركت الأمر واستبدلت برنامجها الخارجي بآخر داخل المنزل يتضمن رياضة يومية عبر خدمة الأون لاين وابتكار طبق جديد وتوثيقه لمشاهدته والتعليق عليه فيما بعد، ثم اختيار فيلم او برنامج ترفيهي لإنهاء اليوم بأسلوب متميز.
أهل الاختصاص
لكن ماذا يقول علم النفس التخصصي عن هذا الأمر؟
هذا ما أجابت عنه أستاذة علم النفس في كلية العلوم الاجتماعية بجامعة الكويت د.أمثال الحويلة التي أكدت أن الصحة النفسية مهمة بشكل عام للشخص من حيث التوازن النفسي والاستقرار الداخلي والتوافق للشخص نفسه والتوافق الأسري والمجتمعي والوظيفي في الحياة العادية.
وأكدت تأثر الصحة النفسية والعقلية في ظل الظروف الصادمة بوجود هذا الفيروس المهدد لحياة الانسان والذي يقود الى الدخول في حالة مرضية، ما يتسبب في اضطرابات بالنوم والأكل وغيرها.
وشددت الحويلة على ضرورة الاهتمام بالحالة النفسية خلال هذه الأزمة سواء للعاملين على التصدي لها أو للناس الذين يجلسون في منازلهم لدعم جهود مواجهة هذه الأزمة.
ولفتت إلى أنه يجب رعاية الصحة النفسية للخط الدفاعي الأول وهم الطاقم الصحي وقطاع الأمن، خصوصا ان العاملين في القطاعات الأولى معرضون للإصابة باحتراق وظيفي من ضغوط العمل والتعامل مع حالات المرض او الأعداد والمناوبات والسهر والارتداء المستمر لزي العمل وغير ذلك في سبيل تحقيق الواجب الوطني بالاضافة الى مخاوفه الداخلية من التقاط الفيروس، وهذا كله قد يسهم في تسريع الضغوط التي يتلقاها من يعمل في الخطوط الاولى، لافتة إلى أنه من مؤشرات الاحتراق الوظيفي الاضطراب في النوم والأكل وصولا الى الانهيار العصبي وقلة الإنتاجية بالعمل ايضا.
أما الناس العاديون فهم يتعرضون للضغط النفسي بسبب تغير نظامهم وروتينهم اليومي حتى بتلبية احتياجات المنزل وفكرة التباعد الاجتماعي وتهديد الحياة الاقتصادية ومخاوف الأمن الغذائي والصحي والمخاوف من متابعة الاخبار وعدد الحالات والقراءات من حالات مرضية او وفيات والأعداد الهائلة المتزايدة يوميا، عدا عن القلق من الإصابة بالمرض بصورة او بأخرى.
تأثيرات سلبية
وأكدت على التأثيرات السلبية لمتابعة الأخبار في الدول الكبيرة وكيفية عدم قدرتها على السيطرة على هذا المرض عبر وسائل الإعلام والذي يؤثر بالتأكيد على الصحة النفسية على الأسرة بالكامل، وكذلك القصص التي تتداول عبر وسائل التواصل الاجتماعي ورواياتهم المخيفة عن هذا الفيروس.
اضطرابات سلوكية
وقالت ان الشخص الذي يعاني من اضطراب في حالته الصحية السلوكية يواجه مشاكل عديدة، لعل أبرزها الإجهاد والاكتئاب والقلق ومشاكل في علاقاته مع الآخرين وقد يعاني من الحزن والإدمان وقصور الانتباه وفرط الحركة وصعوبات في التعلم واضطراب المزاج واضطرابات نفسية أخرى.
وأوضحت أنه يمكن للمرشديــن النفسيــين والمعالجين ومدربي الحياة وعلماء النفس ومزاولي مهنة التمريض والأطباء أن يساعدوا في إدارة المخاوف الصحية السلوكية عن طريق معالجتها بطرق مثل جلسات العلاج أو الاستشارة أو المداواة، والذي يعد الميدان الجديد للصحة النفسية العالمية هو «مجال الدراسة والبحث والخبرة والذي يضع الأولوية لتحسين الصحة العقلية وتحقيق الإنصاف في مجال الصحة العقلية لجميع الناس في العالم».