- الأطراف الثلاثة (جنبلاط وجعجع والحريري) ليسوا جاهزين لإطلاق أو إعلان جبهة تحالفية جديدة والموضوع ينتظر التوقيت المناسب والظروف الملائمة
- المعارضة الجديدة تميل إلى تمديد الهدنة مع الحكومة وليست مستعجلة في إفشالها وإسقاطها لأن ذلك سيؤدي إلى تسريع وتعميق «الانهيار المالي»
- الثورة في نسختها الأولى السلمية انتهت.. فهل فصلها الثاني سيميل إلى العنف والفوضى لتسمى «ثورة الجياع والفقراء» الذين لا تحدّ من تحركهم الغاضب خطوط حمر؟
لم يحل ڤيروس «كورونا» المستجد دون الاهتمام بالوضع السياسي المستجد مع حصول خروقات ملحوظة للهدنة السياسية المطبقة في زمن «كورونا»، ولفترة السماح المعطاة للحكومة اللبنانية التي استهلكها وباء «كورونا»، والتلويح مجددا بورقة الشارع، ومن خلفية أن بداية العد العكسي لنهاية وباء «كورونا» ستكون بداية العد العكسي لعودة الانتفاضة.
وسط حالة التعبئة العامة رصدت حركة سياسية ناشطة: وليد جنبلاط يفتح النار على حسان دياب ويعامله كجزء من العهد.. سمير جعجع يلتقي في معراب، وضمن لقاءات سياسية نادرة هذه الأيام، أكرم شهيب ونعمة طعمة موفدين من جنبلاط.. سعد الحريري يعود فجأة الى بيروت ويقطع «إجازته الكورونية» في باريس ويصل على وقع اشتباك سياسي بين «المستقبل» وكل من رئيس الحكومة والتيار الوطني الحر.. السفيرة الأميركية تخرق نظام منع التجول السياسي وتزور جنبلاط في كليمنصو وجعجع في معراب.. الحكومة تخوض مبارزة مع المصارف وحاكم مصرف لبنان، وتلوح بسيف التعيينات المالية في وقت يكتنف الخطة الاقتصادية المالية للحكومة الكثير من الغموض والحذر والتردد.
الأحزاب والقوى السياسية التي كانت في دائرة الاستهداف من انتفاضة 17 اكتوبر واستكانت منذ استقالة الرئيس سعد الحريري، ثم انكفأت عن المسرح والأضواء الى الظل ومارست سياسة انتظار وترقب بعد تشكيل حكومة حسان دياب.. هذه القوى تعود إلى التحرك وممارسة الضغوط على الحكومة، مستندة إلى تبدل حصل في الحالة الاجتماعية والمزاج الشعبي جراء تفاقم الأزمة الاقتصادية والمالية وارتفاع معدلات البطالة والفقر والعوز والتضخم.. ومجمل هذه التطورات السياسية المتداخلة تختزله 4 أسئلة محورية ومتداولة حاليا:
1 ـ لماذا بادر جنبلاط إلى الهجوم الحاد على دياب؟!
2 ـ لماذا عاد الحريري إلى بيروت بهذه الطريقة «العاجلة»؟!
3 ـ هل تقوم جبهة سياسية معارضة على أساس «تحالف ثلاثي»؟!
4 ـ هل تعود الانتفاضة الشعبية بأشكال جديدة؟!
هجوم جنبلاط على دياب
عندما تشكلت حكومة دياب التزم وليد جنبلاط الهدوء وأقام فصلا بين خصومته الثابتة للعهد الذي يعني به «ثنائية عون ـ باسيل»، ومهادنته المؤقتة للحكومة التي يرأسها حسان دياب وأعطاها جنبلاط فرصة وفترة سماح لثلاثة أشهر، خصوصا بعدما جرت مراعاته في التمثيل الدرزي عبر وزيرة الإعلام منال عبد الصمد، وبعدما تلقى تأكيدات من بري أن مراكزه وحصصه في الدولة ستكون محفوظة ومصانة.
ونزولا عند طلب بري بادر جنبلاط الى تأمين النصاب لجلسة الثقة بالحكومة، ولو لم يحضر نواب اللقاء الديمقراطي ما كان حضر نواب المستقبل وما كانت الجلسة عقدت وأخذت الحكومة ثقة المجلس والشرعية القانونية.
قبل أيام فاجأ جنبلاط الجميع بهجوم سياسي حاد مثلث الاتجاهات، أصاب أولا رئيس الحكومة حسان دياب الذي تناوله بـ «الشخصي» وقال عنه انه «حقود»، وإنه موظف عند أحد الضباط السابقين في المخابرات (يقصد به اللواء جميل السيد) وعند جبران باسيل (أوساط رئاسة الحكومة تضع كلام جنبلاط عن «الحقد» و«التبعية» عند الرئيس حسان دياب، في إطار هجمة يشنها الخارجون من السلطة على كل ما يسمى مكاسبهم وامتيازاتهم.. وقد تأكد الآن أن المحميات السياسية تمنع المحاسبة وتعرقل الإصلاح الضريبي، ولا «تستسيغ» التدقيق في حسابات المصرف المركزي وإعادة هيكلته، وإعادة هيكلة النظام المصرفي).. وأصاب ثانيا رئيس الجمهورية العماد ميشال عون وفريقه السياسي بصفتهم شركاء في الحكم منذ 15 عاما ويريدون السيطرة على المصرف المركزي والمصارف، ويتهمون الآخرين بالأموال المنهوبة.. وأصاب ثالثا حزب الله بإشارته التحذيرية الى «أننا ذاهبون الى نظام شبه شمولي جراء إجراءات مثل تأميم المصارف.
يعطي جنبلاط بعدا وطنيا لحملته الجديدة وحجما سياسيا كبيرا، إذ يربطها بعملية انقلاب جارية للإطاحة بالطائف والسيطرة المطلقة على مقدرات البلد وتغيير التوازنات، وخلق أعراف جديدة حول الصلاحيات وتعديلها بالممارسة.. وفي رأي جنبلاط، ان العهد يسعى الى مصادرة القرار في القطاع المصرفي ووضع اليد عليه ثم إعادة تركيبه، بعدما تم إحكام القبضة منذ 3 سنوات على التعيينات في السلك الديبلوماسي والقضاء ومفاصل مهمة في الإدارة وفي أجهزة أمنية وفي قطاع التعليم.
ما يراه جنبلاط أيضا، ولم يكن يتوقعه، أن دياب «مسيّر» وغير قادر على الحسم واتخاذ القرارات، وأن الحكومة غير قادرة على الإنجاز وخطتها الاقتصادية فاشلة، وتأكد له أنها ليست حكومة إصلاح ولا تكنوقراط بل حكومة محاصصة درجة ثانية تتأثر بمجموعة من المستشارين، وأنها حكومة مترددة، بدليل تراجعها لأكثر من مرة عن مقرراتها في مجمل الملفات.
ولكن هناك من يضع «انتفاضة» جنبلاط وإنذاره المبكر الى الرئيس دياب في إطار حسابات واعتبارات خاصة تتصل بوضعه في الدولة، لأنه يخشى أن يصبح خارج اللعبة وأن يتقلص دوره ونفوذه، والسبب المباشر لتحرك جنبلاط الاعتراضي ورفعه الصوت والسقف السياسي ضد الحكومة يعود الى موضوعين:
٭ الأول يتعلق بالتعيينات، وتحديدا تعيين قائد الشرطة القضائية في مديرية قوى الأمن الداخلي، وهذا هو المركز الأمني الوحيد المخصص للطائفة الدرزية ، وتعيين أحد نواب حاكم مصرف لبنان الأربعة الموزعين على الطوائف السنية والشيعية والدرزية والأرمنية.
٭ الثاني يتعلق بالـ «هيركات» وما تردد عن توجه الى الاقتطاع من أموال كبار المودعين في المصارف، وهو حقهم، مقدمة الى وضع اليد على القطاع المصرفي وتغيير الوجه الاقتصادي للبنان.
بالنسبة لجنبلاط، عهد الرئيس ميشال عون يشبه الى حد بعيد عهد الرئيس إميل لحود.. ورئيس الحكومة حسان دياب في النصف الثاني لعهد عون يشبه كثيرا سليم الحص في مستهل عهد لحود.. ولكن هل يشكل جنبلاط ثنائية مع سعد الحريري كتلك التي شكلها مع الرئيس رفيق الحريري في عهد لحود؟! وهل يلعب جنبلاط دور رأس الحربة الذي لعبه بعد اغتيال الحريري ضد النظام السوري وكان المحرك والدينامو لتحالف 14 آذار، أم أنه مازال ملتزما بقواعد اللعبة مع حزب الله منذ العام 2008 ويعرف أن سعد الحريري ليس رفيق الحريري، وأن حسان دياب ليس سليم الحص، وأن زمن 14 آذار قد ولى؟!