مع إغلاق قطاعات كاملة من الاقتصادات الوطنية مثل الفنادق والمطاعم وتجارة التجزئة غير الضرورية والسياحة وجزء كبير من نشاط التصنيع، ووسط غموض الأمور وعدم توقع إلى أي مدى ستتواصل مخاطر ڤيروس «كورونا» تتوقع مؤسسات مالية واقتصادية دولية أن يدخل الاقتصاد العالمي حالة ركود تاريخي لم يشهد مثيلا له منذ ٩٠ عاما، وتعجز أكبر دول العالم عن معرفة درجة وشدة الركود المحتمل، وخسائر الاقتصاد العالمي ومدته.
فالقيود المفروضة على السفر والتباعد الاجتماعي لإبطاء انتشار المرض، أثرت بشكل مباشر على عروض العمالة والنقل والسفر بطرق لم تكن موجودة خلال الأزمة المالية.
وهذا الڤيروس سيكبد شركات النقل الجوي العالمية خسائر في الإيرادات تتراوح بين ٦٣ و١١٣ مليار دولار.
كما أن أسهم شركات الفنادق الكبرى تراجعت، فيما يتوقع أن تتلقى المطاعم والأحداث الرياضية والخدمات الأخرى ضربة كبيرة للإيرادات.
وسيشهد العالم انكماشا في دخل الفرد، والنمو سيتحول إلى وضع سلبي بشكل حاد في عام ٢٠٢٠.
وستكون الدول الأكثر فقرا الأشد معاناة، وسط هروب مبالغ كبيرة من رأس المال بما يتجاوز ١٠٠ مليار دولار على مدى الشهرين الماضيين، فضلا عن تراجع التحويلات وتراجع أسعار السلع الأساسية.
كما أن الاستثمارات التي هربت من الأسواق الناشئة، خلال الأسابيع الماضية، تزيد بثلاث مرات على الاستثمارات التي هربت خلال الأزمة المالية العالمية ٢٠٠٨، ويقدر إجمالي احتياجات التمويل الخارجي للأسواق الناشئة والدول النامية بمليارات الدولارات، ولا يمكن لهذه الدول تغطية كل هذه الاحتياجات بمفردها، وسيتسبب ذلك في فجوات تمويلية تقدر بمئات المليارات من الدولارات.
كما أن التداعيات الاقتصادية لوباء «كورونا» يمكن أن تزيد من الفقر العالمي بما يصل إلى نصف مليار نسمة.
الضربة الاقتصادية الناجمة عن ڤيروس «كورونا» ستستمر آثارها لفترة طويلة، والعالم كله يعول على سرعة اكتشاف عقار يعالج هذا الوباء.
وحتى يظهر هذا اللقاح فقدر العالم أن يتعايش مع هذا الوباء، خصوصا أن تحفيز النشاط الاقتصادي سيستغرق وقتا أطول بالنظر إلى سياسات الإبعاد والعزل الاجتماعية المفروضة في معظم الدول.
لذلك بدأت أوروبا وأميركا الخروج من الصدمة الاقتصادية الى التعايش مع الوباء وإعادة فتح تدريجي للاقتصاد:
1 - أوروبا بدأت رسميا مرحلة النهوض من حالة الشلل الاقتصادي والاجتماعي الذي لم تعرف له القارة مثيلا في تاريخها، والتي لن تكون عادية بالمعنى المألوف والمتعارف عليه، عبر تخفيف إجراءات العزل وتحريك الاقتصادات الراكدة.
وستبدأ بعض الدول الأوروبية بالخروج من حالة الإغلاق تدريجيا اعتبارا من ٣ و١١ مايو على التوالي، خلافا لبعض الدول الأوروبية الأخرى التي مددت الإغلاق.
وستتم العودة الى الحياة العادية على مراحل مع إبقاء الإجراءات الاحتياطية والاحترازية، وأولها إلزامية وضع الكمامات في الأماكن العامة.
والقاسم الوحيد المشترك بين خطط العودة إلى ما يشبه الحياة الطبيعية في أوروبا هو الحذر الشديد في تحديد الجداول الزمنية والتدابير الوقائية المرافقة لاستئناف النشاط الاقتصادي.
وهو حذر نابع من المجهول الواسع الذي تتحرك فيه كل خطوة، ومن الانتكاسات المتربصة وراء كل هفوة أو خطأ في الحسابات والتقديرات التي من شأنها أن تقضي على أسابيع عديدة من الجهود والتضحيات الجبارة وتعيد الكارثة إلى فصلها الأول.
حقيقة الأمر أن الدول الأوروبية واقعة بين مطرقة الأخصائيين الذين يدعون إلى الحذر وينبهون من التسرع في وضع حد للحجر، ومن مغبة الإفراط في التفاؤل والانسياق وراء تراجع الأرقام لتخفيف التدابير الوقائية ودفع الناس إلى الاعتقاد بأن النهاية قد بدأت.
وبين سندان أرباب العمل والاقتصاديين الذين يشددون على ضرورة العودة الى إحياء الدورة الاقتصادية لأن الخسائر الإضافية التي سيمنى بها الاقتصاد سيصعب لاحقا التغلب عليها إذا استمر الوضع على حاله.
وتستعد حكومات دول عدة لتخفيف جزئي للقيود المشددة، التي أجبرت نصف البشر على التزام منازلهم لأسابيع، فيما تهيئ سكانها للتأقلم مع واقع التباعد الاجتماعي الجديد.
ويبدو أن الحصيلة اليومية للوفيات في الدول الغربية بدأت تستقر، بل وتتراجع، لكن تسري مخاوف في مناطق عدة من احتمال عودة الوباء في موجة ثانية تعقب رفع القيود على الحركة.
وتبتكر الحكومات سبلا لتخفيف تدريجي لتدابير الإغلاق من أجل منع العودة المفاجئة لمظاهر الحياة الطبيعية، وبالتالي تفشي الڤيروس مجددا، وسط تحذيرات من منظمة الصحة العالمية بأن أجسام المتعافين قد لا تكون طورت مناعة تمنع إصابتهم مجددا.
2 - الولايات المتحدة الأميركية بدأت بتخفيف إجراءات العزل لتحريك اقتصادها الراكد، بعدما بدأ الاقتصاد الأميركي يترنح ونسب البطالة ترتفع وقطاع النفط يئن تحت وطأة تهاوي الأسعار العالمية، بينما تضخ الحكومة الفيدرالية مبالغ طائلة لتحفيز الاقتصاد.
وقال مستشار اقتصادي للبيت الأبيض إن توقف النشاط الاقتصادي الأميركي بسبب جائحة ڤيروس «كورونا» صدمة ذات أبعاد تاريخية، من المرجح أن ترفع نسبة البطالة في البلاد إلى 16% أو أعلى في الشهر الجاري، وتتطلب المزيد من التحفيز لضمان تعاف قوي.
وقبل الجائحة، كان معدل البطالة في الولايات المتحدة يحوم عند أقل مستوى في 50 عاما عند 3.5%. ووجد الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضالته في التظاهرات التي عمت عددا من الولايات للمطالبة برفع الحظر وإنهاء قيود البقاء في المنازل وإعادة فتح الاقتصاد.
وبالفعل، بدأت بعض الولايات في خطط تخفيف إجراءات العزل، حيث سمح لسكان هذه الولايات باستئناف حياتهم، على أن تفتح الأعمال التجارية تباعا، ومنها المطاعم.
كما ستفتح الغالبية العظمى من الشركات أبوابها اليوم الموافق الأول من مايو ، إضافة الى المتاجر الكبرى وبعض شركات البيع بالتجزئة، كما سيتمكن الناس من الوصول إلى الشواطئ العامة.
لكن مسؤولي الصحة العامة يقللون من التوقعات بالعودة السريعة للوضع الاقتصادي إلى حالته الطبيعية، مؤكدين على ضرورة احتواء الڤيروس المميت أولا، لأنه من دون السيطرة على الڤيروس فإن الانتعاش الحقيقي، اقتصاديا، لن يحدث، خصوصا مع ارتفاع حالات الإصابة بالڤيروس في الولايات المتحدة وتجاوزها عتبة المليون إصابة، وارتفاع حالات الوفيات إلى ٦٠ ألف حالة، نصفها تقريبا في ولاية نيويورك وحدها.
في ظل هذه الكارثة، يواجه الرئيس ترامب الانتخابات الرئاسية المقبلة في غضون ستة شهور. لذلك يحث ترامب حكام الولايات على السماح للشركات التجارية والمكاتب والمصانع بإعادة فتح أبوابها.
ويطالب الكثير من أعضاء مجلس الشيوخ والنواب عن الحزب الجمهوري بهذا الأمر لخشيتهم من حدوث تسونامي سياسي في نوفمبر.
وكشف استطلاع رأي أن 20% فقط من الأميركيين يرغبون في إنهاء القيود المفروضة على النشاطات العامة.
أما نسبة الـ80% المتبقية، فتفضل الانتظار ويحذر خبراء في مجال الصحة العامة من أن الوضع لن يكون آمنا حتى يتوافر عدد كاف من معدات الاختبار، وإجراء مزيد من الاختبارات.
وفي حال لم تتوافر أعداد كبيرة من أجهزة الاختبار، فلن يقدم حكام ولايات، خصوصا المنتمين منهم للحزب الديموقراطي، على إعادة فتح ولاياتهم بسرعة.
الأثر السلبي للڤيروس أصاب القطاع الاقتصادي والاجتماعي بشكل مباشر.
وإذا كان من الممكن محاصرة الآثار الصحية بالوقاية والحجر خلال فترة زمنية محددة، إلا أن آثاره على الاقتصاد مستمرة، وتنذر بأزمة طويلة حتى بعد انتهاء الوباء.
ولتقليص الأثر السلبي لـ «كوفيد 19» على الاقتصاد العالمي، هناك ضرورة لتطبيق سلسلة إصلاحات مستدامة وقوية، تعيد آلية النمو والتطور.
وفي هذا المجال، ترى كثير من الدول ضرورة اعتماد أسس واستراتيجيات اقتصادية ومالية سليمة وعلى مرحلتين:
٭ المرحلة الاولى: تطلق من خلالها سياسات اجتماعية رعائية لدعم الأشخاص الأكثر حاجة، كذلك تدخل إصلاحات غير تقليدية للأسواق المالية والسياسة النقدية، حيث إن سياسة خفض الفوائد مثلا في زمن الركود وانعدام الدخل، لن تحرك عجلة الاقتصاد، بسبب انعدام الطلب أو الرغبة في الشراء.
فالعالم يعيش اليوم حالة وباء مخيفة، والسياسات التقليدية لن تنفع رغم أنها قد تكون شعبية في واقعنا السياسي الراهن.
٭ المرحلة الثانية: تبدأ مع السيطرة على انتشار الوباء والانتهاء منه وتأمين الحاجات الأساسية للناس، وذلك عبر التركيز على الأنشطة والقطاعات المنتجة كالزراعة والصناعة والتربية والبنى التحتية.. إلخ ، وفي هذه المرحلة بالتحديد، يجب على المعنيين الابتكار لضخ السيولة المطلوبة، عبر الاعتماد على مشاريع الشراكة بين القطاعين الخاص والعام للنهوض بالاقتصاد، وأيضا عبر تخصيص دعم خاص للشركات الصغيرة والمتوسطة كأساس لخلق فرص العمل.
ومن روحية المرحلتين الأولى والثانية، بدأ الكثير من الدول بوضع سياسات جدية للتخفيف عن شعوبها وتحضيرا لمرحلة ما بعد «كورونا»، وقد خصصت ما يفوق عن 7.4 تريليونات دولار أو 23% من ناتجها المحلي لإعادة بناء الاقتصاد (أميركا، ألمانيا، بريطانيا، فرنسا، ايطاليا).
وخصصت كمرحلة أولى اعتماد سياسات لدعم الأسر الأكثر حاجة والعاملين في معظم القطاعات، عبر دعم الرواتب التي تم اقتطاعها بسبب التوقف عن العمل والتغطية الصحية المجانية، وحتى تحويل مخصصات مالية شهرية.