بعد أشهر من الغياب والجمود، عادت الحركة الديبلوماسية تنشط مجددا على الساحة اللبنانية، وعاد الاهتمام الدولي بلبنان يبرز من جديد، ورصدت مؤشرات عدة تدل على وجود استعداد خارجي للتعامل إيجابيا مع الحكومة لتنفيذ خطتها المالية والاقتصادية التي قوبلت بارتياح دولي لما تضمنته من خطوات إصلاحية، كما تدل على وجود إمكانية لدى الحكومة لاختراق «الموقف - الجدار» الدولي وتكوين شبكة أمان اقتصادية ومالية.
ومن هذه المؤشرات إعلان الجامعة العربية عن استعدادها، حين تفرج الحكومة عن خطتها، لطرق أبواب الصناديق العربية طلبا للمساعدة، واتصال الدعم الذي أجراه وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان برئيس الحكومة، معربا عن تأييد فرنسا لبرنامج الحكومة الإصلاحي واستعدادها لمساعدة لبنان مع صندوق النقد الدولي وتحضيرها لعقد اجتماع لمجموعة الدعم الدولية من أجل لبنان فور انتهاء إجراءات الحظر المتعلقة بوباء «كورونا».
إذا كان موقف باريس متوقعا في سياق تمايز السياسة الفرنسية وخصوصيتها في لبنان، وحيث تعتبر فرنسا نفسها معنية بهذا البلد أكثر من غيرها وتربطها به صلات ومصالح وتخشى عليه من أن يسقط ضحية تجاذب بين المحورين الأميركي والإيراني، فإن موقف واشنطن هو الذي شكل مفاجأة وشهد «اختراقا» لمصلحة الحكومة لمجرد أنه صار متوازنا الى حد ما، ولم يعد سلبيا وتحريضيا على الحكومة أو متجاهلا لها.
في هذا الإطار، لا تشكل زيارة السفيرة الأميركية دوروثي شيا الى السراي الحكومي نقطة التحول، إذ لا يمكن فصلها عن سياق زيارات كثيرة شملت الجميع تقريبا، ولكن ما استرعى الانتباه هو الموقف السياسي الذي انطوى على رسالة واضحة فحواها: تجديد الدعم (المشروط بالإصلاح) للحكومة، والتشديد على ضبط النفس والحفاظ على الجيش والمصارف، والامتناع عن العنف والأعمال الاستفزازية في الشارع ، وهذا يعني أن الأميركيين يوازنون في موقفهم بين الحكومة والشارع، فيعطون الحكومة فرصة إضافية مع إبقائها تحت المراقبة والاختبار، ويعطون المعارضة الشعبية فرصتها في الاحتجاج والنزول الى الشارع مع الحفاظ على «الطابع السلمي».
في تفسير وتقدير هذا التبدل في طريقة التعاطي الأميركي مع الملف اللبناني، تبدل يعد «التفاتة» ولا يصح وصفه بـ «الانعطافة»، يمكن إيراد الأسباب التالية:
1 - المنحى الذي أخذته الأمور على الأرض مع ظهور طلائع الثورة المتجددة وجنوحها السريع باتجاه العنف والفوضى، مع بروز مخاطر تدهور دراماتيكي يصيب بشكل مباشر ثلاثة مرتكزات وعناصر قوة متبقية في الوضع اللبناني، ويوليها الأميركيون أهمية وعناية خاصة: «الأمن، الجيش، المصارف».
2 - الخشية من خروج الوضع عن السيطرة وانزلاقه الى ما سيؤدي للإطاحة بالوضع الأمني، والى ما يشبه «حربا أهلية جديدة» لا أحد يريدها ولا أحد جاهز لها، شعبيا وماليا، وقادر على تحمل كلفتها وأعبائها.
وأي شيء من هذا القبيل يضعف الدولة ومؤسساتها ويقوي حزب الله ويعزز نفوذه وسيطرته، لأنه الطرف الأقوى والأكثر تنظيما وقدرة على «الاستثمار في الفوضى».
3 - نجاح الحكومة في إثبات وجودها وفي اجتياز اختبار المئة يوم الأولى مخالفة التوقعات التي كان تقول بأن عمرها قصير ولا تملك القدرة على الصمود ولا تستحق الفرصة المعطاة لها.
ومقابل ذلك عدم نجاح المعارضة في توحيد صفوفها وأهدافها الموزعة بين العهد والحكومة وحزب الله، وحيث لا مؤشرات الى إحياء تحالف ١٤ مارس أو قيام جبهة سياسية موحدة.
وبالتالي، فإن الأميركيين ليسوا واثقين من قدرات وجهوزية حلفائهم غير الواثقين من جهتهم أيضا بثبات الدعم الأميركي والمدى الذي يصل إليه.
4 - السبب الأهم هو المتصل بالحسابات الأميركية للمرحلة المقبلة الفاصلة عن موعد الانتخابات الرئاسية، والتي باتت العامل الأساس المتحكم بسياسة أميركا في الشرق الأوسط.
فهذه الانتخابات طرأ عليها تحول ملموس في مسارها نتيجة أزمة «كورونا» وتداعياتها الاقتصادية التي أفقدت الرئيس ترامب ورقة قوة أساسية.
وبعدها كان ضامنا لولاية رئاسية ثانية هبطت حظوظه وفرض عليه التفرغ لمشاكله الداخلية والاقتصاد عن كل أنواع المغامرات والمخاطر الخارجية وتجميد كل شيء في المنطقة، وترجمة ذلك لبنانيا أن واشنطن لا ترغب في رؤية انهيارات أمنية ومالية في لبنان أو حربا على أرضه، أهلية أو إسرائيلية، وتريد للستاتيكو الحالي أن يستمر حتى نهاية العام.
والمفارقة أن تقاطعا حاصلا عند هذه النقطة بين واشنطن وطهران التي عادت تراهن على سقوط ترامب وتنتظر عودة «نهج أوباما» مع الديموقراطي جو بايدن.