في مطلع العام الحالي 2020، كان للولايات المتحدة عدة آلاف من العسكريين في العراق يقدمون المساعدة المباشرة لأجهزة الأمن العراقية.
وفي أعقاب مقتل قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني في يناير الماضي، وافق البرلمان العراقي على قرار غير ملزم يدعو إلى إنهاء وجود القوات الأجنبية، وأساسا القوات الأميركية، في العراق. وقد أشعل هذا التصويت، وما أعقبه من تصاعد حدة التوترات مع إيران، من جديد الجدل حول الغرض من المهمة العسكرية الأميركية في العراق.
وفي هذا الإطار، نشرت مؤسسة البحث والتطوير الأميركية (راند) مؤخرا دراسة مطولة تتضمن تقييما لسحب الولايات المتحدة قواتها من العراق، والمخاطر الاستراتيجية التي ينطوي عليها اتخاذ مثل هذا القرار.
وتتضمن الدراسة تقييما لخيارات الانسحاب العسكري الأميركي من العراق خلال العام الحالي، في إطار استراتيجيات الولايات المتحدة السياسية المعلنة وأهداف سياساتها منذ عام 2005.
وخلصت الدراسة إلى أن القيام بدعم دولة عراق مستقرة وصديقة، يصب في مصلحة الولايات المتحدة المستمرة وطويلة الأمد، وأن هذا لا يتطلب مواصلة مهمة المساعدة القتالية في العراق على المدى الطويل، ولكن يتطلب الاحتفاظ بقوة صغيرة من المستشارين العسكريين للمساعدة في تدريب وتطوير الإمكانات العسكرية لبغداد حتى يستطيع العراق الدفاع عن نفسه.
وتناولت دراسة مؤسسة (راند) بالتفصيل أربعة خيارات تتعلق بالانسحاب العسكري من العراق، تتراوح بين عدم الانسحاب، والانسحاب الجزئي (المحدود)، والانسحاب الكامل، وإنهاء الارتباط تماما.
وخلصت إلى أن كل مستويات الانسحاب تلحق الضرر بالجهود التي تهدف إلى مواجهة إيران في العراق، وغيرها، وأنه في ضوء النوايا الإيرانية الصريحة والشريرة والأعمال المستمرة ضد أميركا، سيوفر أي انسحاب جزئي بعض المكاسب لطهران، في حين أن عدم الانسحاب سيوضح لإيران أن الولايات المتحدة والقوات المتحالفة التي تقودها ستظلان شريكين دائمين وموثوقا بهما للحكومة العراقية، وأن الضغط الإيراني لن يحقق النتيجة المرجوة، وهي الانسحاب الأميركي.
وترى الدراسة أنه من المؤكد أن وقف المساعدة القتالية المباشرة للقوات العراقية سيخلف فجوة يمكن أن يملأها الحرس الثوري الإيراني، أو قوات الحشد الشعبي، التي تعمل لحساب إيران، وبذلك يتم تعزيز قبضة إيران على قطاع الأمن العراقي وتقويض سيادة العراق.
أما الانسحاب الكامل فإنه سيزيد من إتاحة الفرص أمام المستشارين والعملاء الإيرانيين للتسلل داخل قواعد تدريب قوات الأمن العراقية. ومن ناحية أخرى، فإن إنهاء الارتباط تماما من جانب الولايات المتحدة سوف يسفر عن سعي العراق للتوصل إلى ترتيبات دعم مالي ومادي قوية، وحتما ستشمل إيران.
لذلك يوصي واضعو الدراسة بأن يكون هناك اختيار دقيق بين عدم الانسحاب والانسحاب المحدود، معتبرين أن أيا من هذين الخيارين سوف يساعد في تحقيق السياسة الأميركية المطلوبة، وهي الالتزام بوجود استشاري دائم على نطاق ضيق، فعدم الانسحاب يبعث برسالة قوية لإيران، ولقادة الميليشيات التي تدعمها طهران، ولكل العراقيين وللعالم أجمع بأن الولايات المتحدة لن تخشى أي تهديد قد يدفعها إلى التخلي عن التزام عسكري واضح للغاية تجاه دولة حليفة.
كما أن الحفاظ على مستويات القوات الحالية سيحول أيضا دون تخفيض في القدرة القتالية ضد تنظيم داعش، وسوف يعظم من النفوذ الأميركي بالنسبة لقوات الأمن العراقية. ومع ذلك، ترى الدرسة ان هذا الوضع يحمل في طياته خطر تعزيز ما يردده القادة الإيرانيون وبعض العراقيين من أن الوجود العسكري الأميركي إهانة للسيادة العراقية. ومن الممكن أن يحول هذا بعض تركيز الاحتجاجات ضد الحكومة العراقية الجديدة وضد إيران صوب العسكريين الأميركيين.
ويمثل الانسحاب المحدود وضعا عكسيا في إطار سياسة الالتزام الدائم العامة. إذ يظل يتضمن الاحتفاظ بوجود استشاري على نطاق محدود، لكنه يبدأ بخفض واضح وقريب الأجل في المستويات الحالية للقوات.
وترى دراسة مؤسسة (راند) أنه إذا ما تم الانسحاب العسكري الأميركي من العراق بحرص، وفي ظل تواصل ديبلوماسي، فإنه قد يحد من التوترات الحالية مع الحكومة العراقية وقد يفسد جهود إيران لتحويل تركيز المحتجين العراقيين نحو الولايات المتحدة.