في خضم أسوأ موجة من الاحتجاجات تشهدها العاصمة واشنطن وباقي المدن والولايات الأميركية منذ الاحتجاجات المناهضة للعنصرية التي اندلعت عقب اغتيال مارتن لوثر كينغ في ستينيات القرن الماضي، لم يجد الرئيس الاميركي دونالد ترامب غضاضة، في الاحتفاء بإنجازات نسبها الى نفسه كالانخفاض غير المتوقع في معدلات البطالة بحسب تقرير شهر مايو، وما وصفه بتجاوز الولايات المتحدة «إلى حد كبير» أزمة انتشار وباء كورونا الذي لايزال يودي بحياة نحو ألف شخص يوميا في أكثر الدول تضررا في العالم.
وقال ترامب: الأميركيون يعودون الآن إلى أعمالهم ووظائفهم ونشهد تعافيا سريعا. وأضاف: «اعتقدوا اننا سنخسر 9 ملايين وظيفة لكننا وفرنا 3 ملايين وظيفة جديدة».
وتابع: «نريد أن نضع حدا لحالة الإغلاق. ونعيد فتح المدارس». وحينما عرج في خطابه امس على المظاهرات التي أججتها وفاة جورج فلويد الأميركي من أصول أفريقية تحت ركبة شرطي أبيض ركز كعادته منذ بدئها قبل نحو 10 أيام على ما رافقها من أعمال نهب تراجعت وتيرتها بشدة في الأيام الأخيرة، وقال: «لا يمكن أن نسمح بحدوث أعمال نهب وسرقة للمتاجر خلال الاحتجاجات». وقال متفاخرا: «لم يقدم أحد للأميركيين من أصول أفريقية ما قدمته أنا». ولم يفت ترامب بالطبع التحدث عن عدوه الجديد الصين، مؤكدا أن اقتصادها «لن يلحق باقتصادنا».
يأتي ذلك فيما عمت الاحتجاجات، التي باتت تطالب بتغيير نظام العدالة، المدن الاميركية بعد يوم على مراسم تأبين جورج فلويد الاميركي من اصول افريقية الذي قضى مختنقا تحت ركبة شرطي أبيض، وتقابلها الادارة باجراءات أمنية مشددة وغير مسبوقة اثارت انتقادات واسعة في وسائل الاعلام الاميركية.
وشبهت صحيفة الـ«واشنطن بوست» البيت الابيض بالقصور الرئاسية والقلاع المحصنة في الدول الاستبدادية والسلطوية، لشدة الاجراءات الأمنية وكثافة التواجد العسكري في محيطه. وقالت الصحيفة ان الادارة تخطط الى حديقة لافاييت المجاورة للبيت الابيض ايضا، ولفتت الى المفارقة أن هذه الساحة بالذات كانت سوقا لبيع العبيد ايام العبودية.
وانتقدت شبكة «سي. ان. ان» اختباء الرئيس خلف الاسوار العالية التي شيدها حول البيت الابيض، فيما تخوض الامة معركة مصيرية حول مناهضة العنصرية.
وكان الآلاف في منيابوليس وباقي مدن العالم شاركوا في مراسم تأبين جورج فلويد الذي فجرت وفاته الاحتجاجات، فيما تعهد الناشط من أجل الحقوق المدنية آل شاربتون بأن الاحتجاجات ستتواصل إلى أن «نغير نظام العدالة بأكمله».
وبعد المراسم، خرجت تظاهرات اتسمت معظمها بالسلمية في مدن عدة. ففي نيويورك، احتشد الآلاف على جسر بروكلين بينما تم رفع حظر التجول في واشنطن ولوس أنجيليس وتراجع عدد الحشود.
وفي منيابوليس، تعهد المحامي بنجامن كرامب، الذي يمثل عائلة فلويد، بتحقيق العدالة له وقال «لم يكن الوباء الناجم عن فيروس كورونا هو ما قتل جورج فلويد، بل كان وباء آخر هو وباء العنصرية والتمييز».
ووقف الحشد بصمت لثماني دقائق و46 ثانية - هي المدة ذاتها التي قضاها الشرطي ديريك شوفين وركبته على عنق فلويد، في مشهد تم تصويره بالفيديو وانتشر بشكل واسع على الإنترنت.
وبينما اتسعت رقعة المسيرات المطالبة بالعدالة لجميع الأعراق لتصل إلى دول أخرى في العالم، شدد شاربتون على أن وفاة فلويد لن تذهب سدى. وقال القس البالغ 65 عاما «حان الوقت لنقف باسم جورج ونقول أزيحوا ركبكم عن أعناقنا». وأضاف «غيرت العالم يا جورج. سنواصل الكفاح يا جورج». وتابع «سنواصل إلى أن نبدل نظام العدالة بأكمله».
وأقيمت مراسم تكريم لفلويد كذلك في نيويورك حضرها الآلاف بمن فيهم شقيقه تيرنس. وكتب على إحدى اللافتات «صمت البيض عنف» بينما قالت أخرى «فلتجعلوا أميركا غير معيبة من جديد».
وتم تسجيل عمليات توقيف في مانهاتن بعد دخول موعد حظر التجول حيز التنفيذ الساعة 20.00 بينما أثار شرطي دفع متظاهرا مسنا إلى الأرض في مدينة بوفالو غضبا واسعا فيما انتشر تسجيل مصور للحادثة على الإنترنت.
وأفاد بيان للشرطة بأن الرجل الذي بدا أنه فقد وعيه وكان ينزف بشدة من أذنه «تعثر وسقط أرضا».
وذكرت وسائل إعلام محلية لاحقا أن المسن في وضع مستقر بينما تم فتح تحقيق داخلي بشأن عناصر الشرطة المتورطين في الحادثة. وافيد لاحقا أن عنصرين منهم قد تم توقيفهما.
وسياسيا، كشفت السيناتورة الجمهورية عن ألاسكا ليزا موركوسكي أنها «تواجه صعوبة» في تحديد إن كان عليها دعم إعادة انتخاب مرشح حزبها الرئيس الأميركي دونالد ترامب في انتخابات نوفمبر.
وقالت موركوسكي إن ترددها جاء بعد تصريحات جيمس ماتيس، وزير الدفاع السابق في عهد ترامب، والذي انتقد قبل يوم الرئيس «الذي يحاول تقسيمنا». وأفادت الصحافيين «أعتقد أن تصريحات الجنرال ماتيس كانت حقيقية وصادقة وضرورية ومستحقة».
وتشكل تصريحاتها تحولا كبيرا في المواقف حيال ترامب ضمن معسكر الجمهوريين، الذي بقي متماسكا على مدى أزمات عدة بما في ذلك محاكمة عزله وتهديده حاليا باستخدام القوة العسكرية بحق المحتجين.
ورفعت مجموعات في المجتمع المدني الأميركي دعوى ضد ترامب، بعدما أطلقت قوات الأمن رذاذ الفلفل وقنابل الغاز لتفريق المتظاهرين السلميين في ساحة لافاييت مقابل البيت الأبيض قبل أن يتوجه الرئيس إلى كنيسة لالتقاط صور له مطلع الأسبوع.
من جهته، أعرب عضو الكونغرس الديموقراطي جون لويس، الذي شارك في الماضي في مسيرة مارتن لوثر كينغ الابن لمكافحة الفصل العنصري، عن أمله في أن تمهد وفاة فلويد لـ«تغيير أكبر».
وقال رمز الحقوق المدنية البالغ 80 عاما لشبكة «سي بي إس» إن الاحتجاجات الحالية تبدو «أكبر بكثير وشاملة للجميع». كما دان تهديد ترامب باستخدام القوة العسكرية بحق المتظاهرين.