تأتي تصريحات المبعوث الرئاسي الأميركي الخاص لمحادثات الحد من التسليح النووي مارشال بيلينغسلى، بأن روسيا والولايات المتحدة تأملان في عقد جولة ثانية من المحادثات في العاصمة النمساوية (ڤيينا) حالما، كان ذلك ممكنا من الناحية العملية ربما في أواخر يوليو أو أوائل أغسطس، لتؤكد أن الآفاق المستقبلية لمحادثات التسلح النووي بين (واشنطن) و(موسكو) ممتدة وتعتريها الكثير من الصعوبات والتحديات.
بدأت جولة المحادثات الأولى بين واشنطن وموسكو بـ ڤيينا للحد من سباق التسلح النووي في الثاني والعشرين من يونيو 2020، وانتهت بدون إصدار تصريحات رسمية عن التقدم الذي أحرزته هذه الجولة سوى أنها كانت لمناقشة القضايا المقرر التفاوض بشأنها مستقبلا، خاصة مع اقتراب موعد معاهدة «نيوستارت» للحد من الأسلحة الإستراتيجية التي ينتهي العمل بها في فبراير من العام المقبل.
آفاق مفتوحة
يأتي لقاء الجانبين قبل أقل من عام من انتهاء اتفاقية «ستارت» الجديدة، وهي آخر اتفاقية باقية حاليا للحد من الأسلحة النووية بين الولايات المتحدة وروسيا، اللتين تمتلكان معا نحو 90% من الأسلحة النووية في العالم.
أسفر اللقاء الأول عن إطلاق مجموعات عمل فنية، وسوف تواصل المفاوضات خلال الأسابيع المقبلة قبل جولة جديدة بين الجانبين، مقررة أواخر شهر يوليو أو مطلع أغسطس، ولا تتفق موسكو وواشنطن في رؤيتهما بشأن الدول التي يجب أن يتم ضمها إلى هذه المحادثات.
ثمة اعتبارات جوهرية تجعل آفاق التفاوض بين واشنطن وموسكو بشأن الحد من الأسلحة النووية، آفاقا ممتدة ومفتوحة، ولعل من أبرز تلك الاعتبارات.. أولا: إصرار أميركا على ضم الصين لهذه الاجتماعات، وأكدت واشنطن أن اتفاقياتها الثنائية للحد من التسلح مع روسيا لم تعد مجدية، وتريد إدراج الصين في أي اتفاقيات مستقبلية بشأن الأسلحة النووية، حتى مع قول بكين مرارا إنها غير مهتمة بالانضمام.
وقال المفاوض الأميركي مارشال بيلينغسلي غداة استئناف المحادثات في ڤيينا بين موسكو وواشنطن: «من الواضح أن بكين تشعر بالحرج، إنهم ملزمون بالتفاوض بحسن نية معنا ومع الروس»، وأضاف أنه بغيابها عن هذا الاجتماع فإن الصين لم تعاند فقط الولايات المتحدة وروسيا وإنما العالم أجمع.
ويضغط الرئيس الأميركي دونالد ترامب على (بكين) لتشارك في اتفاق مقبل يشكل بديلا من المعاهدة الثنائية الروسية الأميركية (نيو ستارت) التي وقعت في 2010 وتنتهي مفاعليها في الخامس من فبراير 2021.
من جهتها، اعتبرت روسيا أن إصرار الولايات المتحدة على إشراك الصين في محادثات الحد من التسلح أمر «غير واقعي»، موضحة أنها لا تنوي استخدام نفوذها لدى الصين كما يرغب الأميركيون، لجلب (بكين) إلى طاولة المفاوضات.
وفي حين تريد الولايات المتحدة من الصين الانضمام في إطار ثلاثي، تسعى روسيا إلى محادثات متعددة الأطراف تشمل القوتين النوويتين الأوروبيتين، بريطانيا وفرنسا.
وكتبت وزارة الخارجية الصينية في تغريدة مؤخرا: «ينبغي على الولايات المتحدة تخفيض مخزونها من الأسلحة النووية بشكل كبير، ما سيخلق الظروف لتنضم قوى نووية أخرى إلى المحادثات متعددة الأطراف للحد من التسلح النووي».
ثانيا: لم تتضح رؤية الجانبين الأميركي والروسي من خيار تمديد معاهدة «نيوستارت 3» للأسلحة النووية التي تنتهي بعد ثمانية أشهر من الآن، وتفرض معاهدة «نيوستارت» الحالية القيود الأخيرة المتبقية على نشر الولايات المتحدة وروسيا الأسلحة النووية الإستراتيجية، فهي تنص على ألا تنشر أي من الدولتين أكثر من 1550 سلاحا و700 قاذفة إستراتيجية، ويمكن تمديد أجل المعاهدة إلى 5 سنوات إذا وافق الطرفان.
كانت الولايات المتحدة قد انسحبت من معاهدة مهمة للصواريخ النووية التي أبرمتها مع روسيا، واتهمت (موسكو) بانتهاك المعاهدة، وهو أمر نفاه الكرملين، وأبرم المعاهدة الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان عام 1987، مع الزعيم السوفييتي الأسبق ميخائيل جورباتشوف، وتحظر المعاهدة على الجانبين وضع صواريخ قصيرة أو متوسطة المدى تطلق من البر في أوروبا ويتراوح مداها بين 500 و5500 كيلومتر، مما يقلل من قدرتهما على توجيه ضربات نووية مباغتة.
ولاتزال روسيا والولايات المتحدة تملكان معا أكثر من 90% من الأسلحة النووية في العالم، وفق التقرير الأخير الصادر عن المعهد الدولي لأبحاث السلام في ستوكهولم (سيبري) وتملك (واشنطن) في 2020 نحو 5800 رأس حربي نووي و(موسكو) 6375 مقابل 320 لبكين و290 لباريس و215 للندن، وفق المعهد السويدي.
ثالثا: التخوف من لجوء أميركا إلى المماطلة والتسويف حتى تنتهي فترة الانتخابات الرئاسية الأميركية، وفي هذه الحالة لا يمكن التكهن بمصير هذه المفاوضات في ظل الساكن الجديد للبيت الأبيض، خاصة أن معاهدة «نيو ستارت» تعد آخر اتفاق نووي ساري المفعول بعدما سحب ترامب بلاده من 3 اتفاقات دولية حول الحد من التسلح: الاتفاق حول البرنامج النووي الإيراني والاتفاق حول الصواريخ البرية المتوسطة المدى واتفاق الأجواء المفتوحة للتحقق من التحركات العسكرية وتقليص الأسلحة.
يبقى القول إن مؤشرات الجولة الأولى من اللقاء الأميركي ـ الروسي بشأن الحد من التسلح النووي، تؤكد أن ثمة جولات جديدة من الحوار الشائك بين الجانين تراعي الحسابات والمصالح الاستراتيجية للطرفين حالا ومستقبلا، خاصة مع ظهور الحروب السيبرانية والبيولوجية وحروب الفضاء التي أصبحت أكثر فتكا من السلاح النووي في العالم.