أثار اغتيال الباحث العراقي البارز هشام الهاشمي مؤخرا مخاوف من دخول البلاد في مرحلة مظلمة وعنيفة، مع وصول التوترات الحادة بين الفصائل الموالية لإيران والحكومة العراقية إلى مستويات جديدة، وفق محللين.
وفيما لا يزال منفذو الاغتيال طلقاء، يلفت خبراء إلى أن هذه العملية تؤشر إلى تحول مأساوي في العنف السياسي المتصاعد منذ انطلاق شرارة الاحتجاجات الشعبية في أكتوبر الماضي.
وفي هذا الصدد، تقول بلقيس ويلي من «هيومن رايتس ووتش» إن «قتل شخص في مكانة الهاشمي يشكل ضربة كبيرة في بلد يشجع الإفلات التام من العقاب فيه بعض الجماعات على ارتكاب انتهاكات جسيمة، فيتمكنون من قتل أي شخص من دون محاسبة».
ويعرف عن الهاشمي، وهو من مواليد بغداد، ظهوره المنتظم على القنوات التلفزيونية المحلية والأجنبية لتحليل أنشطة الجماعات المتطرفة والسياسة العراقية، كما كان وسيطا بين أطراف سياسية عدة لقربه منها جميعها، ما كان يضمن له مستوى من الحماية.
واتخذ الهاشمي موقفا داعما بشدة للانتفاضة الشعبية المطالبة بإصلاح شامل للنظام السياسي العراقي والمنددة بموالاة الحكومة السابقة للمعسكر الإيراني.
وخلال موجة الاحتجاجات التي استمرت ستة أشهر، اغتيل عشرات الناشطين أمام منازلهم بأيدي مسلحين مجهولين غالبا ما كانوا يستقلون دراجات نارية. ولم تتمكن السلطات من كشف الجناة.
في سبتمبر الماضي، قبل بدء التظاهرات غير المسبوقة، هددت جماعات موالية لإيران على الإنترنت، الهاشمي و13 شخصية عراقية أخرى، بالقتل. وهوجم الهاشمي واتهم مع آخرين بأنهم «عملاء» و«خونة الوطن» و«مؤيدون لإسرائيل والأميركيين».
ويقول الباحث العراقي عادل بكوان الذي عرف الهاشمي «المعايير تغيرت منذ أكتوبر2019. كأن هناك أسلوب عمل جديدا وتحولا في المواجهة مع الفصائل الموالية لإيران».
ويقول خبراء آخرون إن نقطة التحول الحقيقية كانت في يناير2020 عندما اغتالت واشنطن بغارة في بغداد الجنرال الإيراني قاسم سليماني ونائب رئيس الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس.
وتعهدت الفصائل المتطرفة داخل الحشد حينها، لا سيما منها الموالية لإيران ككتائب حزب الله، بالانتقام من الولايات المتحدة وحلفائها داخل العراق، مهما كانت التكلفة.
وكشخصية لها علاقات وثيقة مع حكومات غربية، كان الهاشمي يعتبر هدفا محتملا. وقد غادر بغداد لبضعة أيام في أواخر يناير الماضي، كما قال لفرانس برس حينها.
ويقول الباحث ريناد منصور من «تشاتام هاوس» والذي عمل مع الهاشمي لسنوات عدة «كان هشام على علم بأن الأمور قد تغيرت».
ويضيف «مقتل أبو مهدي أطلق العنان لكل تلك الجماعات التي كان يحاول السيطرة عليها وجعلها خاضعة لقرار مركزي. وما زلنا حتى اليوم تحت وطأة ترددات الصدمة».
وقدم الهاشمي المشورة لرئيس الوزراء مصطفى الكاظمي حين كان يشغل منصب رئيس الاستخبارات لسنوات طويلة. ووضعت هذه العلاقة الباحث السياسي في «خطر»، كما يقول مقربون منه.
وبحسب بكوان، هي «المرة الأولى منذ العام 2003 التي يكون فيها تحالف مقدس بين الحكومة ومجموعة مؤثرة من المثقفين. والآن، يتم استهداف الأشخاص الذين هم رموز للاحتجاجات والحكومة على حد سواء».
ويضيف «قد يكون الهاشمي أول شخصية بارزة تغتال، لكنه لن يكون الأخير. هناك أسماء أخرى في هذه القائمة السوداء».
مهمة انتحارية
وتعهد الكاظمي بمحاسبة قتلة الهاشمي، وأقال على وجه السرعة قائد الشرطة في المنطقة التي اغتيل فيها الهاشمي، لكن الأمل بالمساءلة الحقيقية ضئيل. فقبل ذلك أمر الكاظمي باعتقال مقاتلين من كتائب حزب الله بشبهة تنفيذ هجمات صاروخية ضد الأميركيين، لكن تم الإفراج عنهم في غضون أيام لعدم كفاية الأدلة، بحسب متحدث باسم الفصيل الذي تعهد بملاحقة الكاظمي قضائيا.
ويرى السياسي العراقي رائد فهمي ان مقتل الهاشمي يشكل تحديا لحكومة الكاظمي، وقال في تغريدة على تويتر إن هذا «اغتيال سياسي يحمل رسائل تحذير جدية لأكثر من جهة ويمثل تكميما للكلمة الحرة وتحديا للحكومة ورئيسها ولمنهج الإصلاح».
وقال ناشطون عراقيون آخرون لفرانس برس إنهم يخشون منذ فترة استهدافهم بسبب كلام علني لهم ضد جماعات مدعومة من إيران.
ويقول المؤرخ عمر محمد الذي وثق الفظائع التي ارتكبها تنظيم داعش في الموصل «كان من الممكن أن يكون أي أحد منا. لقد تم إخطار أصدقائنا بمغادرة البلاد على الفور».
ويضيف «إذا لم يقم الكاظمي بخطوة قوية، فإن الحياة المدنية في العراق ستختفي. لكنني أخشى أنه لن يفعل ذلك. إنها مهمة انتحارية».