من المعروف أن التكهنات خادعة، خاصة عندما يتعلق الأمر بالانتخابات الأميركية. ولكن هناك احتمالا قويا على الأقل بأنه بعد أربع سنوات من شراكة رائعة من الممكن أن يواجه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الحياة السياسية في القريب العاجل بدون الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
ويقول الكاتب الأميركي الإسرائيلي زئيف شافيتس في تقرير نشرته وكالة بلومبيرغ للأنباء انه رغم أن الكثير من حلفاء الولايات المتحدة الآخرين قد يجدون في هذا مدعاة للشعور بالارتياح، من المحتمل أن يكون رد الفعل بالنسبة لنتنياهو أكثر تعقيدا. فقد أغدق ترامب عليه هدايا لا تقدر بثمن من الاعتراف بسيادة إسرائيل على هضبة الجولان المحتلة، ونقل السفارة الأميركية إلى القدس، والسماح له بشن حرب سرية ضد إيران. ولقد مزق ترامب الاتفاق النووي الإيراني بناء على طلب نتنياهو وتبنى مخطط الأخير الخاص بدولة فلسطينية مصغرة في الضفة الغربية.
وأضاف شافيتس - الذي تربى وتلقى تعليمه في الولايات المتحدة ثم هاجر إلى إسرائيل، حيث قضى سنوات في مجالات الجيش والحكومة والسياسة، وما زال يمارس نشاطه في الإعلام - أنه خلال الحملات الانتخابية الإسرائيلية الثلاث الأخيرة، بذل ترامب جهدا كبيرا ليبقى نتنياهو في منصبه. والآن ترامب هو الذي يسعى لإعادة انتخابه. ويتوقع الرئيس الأميركي تماما أن يرد نتنياهو الجميل. ولكن الولاء والعرفان بالجميل ليسا من ضمن فضائل نتنياهو. وقد أظهرت استطلاعات الرأي الأخيرة أن ترامب يتراجع عن منافسه بهامش كبير.
ويشير الديبلوماسيون الإسرائيليون في واشنطن الى أن الجمهوريين يشعرون بالإحباط بصورة متزايدة بالنسبة لنتائج الانتخابات الرئاسية المقبلة بينما يشعر الديمقراطيون بالابتهاج.
ويرى شافيتس أن نتائج استطلاعات الرأي لم تكن أيضا في صالح ترامب عام 2016، ولكن هذه المرة تعتمد النتائج على أدائه الفاشل في منصبه أكثر من اعتمادها على شخصيته. فقد أخفق ترامب في إدارة أزمة ڤيروس كورونا، وتراجع ازدهاره الاقتصادي إلى أعلى معدلات بطالة منذ الكساد العظيم، وإلى انخفاض كبير للغاية في إجمالي الناتج المحلي. واتسم رد فعله تجاه الاحتجاجات الجماعية التي شهدتها البلاد بتهديدات عدوانية تتعلق بالقانون والنظام أغضبت حتى كبار المسؤولين العسكريين الذين ليست لهم علاقة بالسياسة عادة. وهناك لهجة هستيرية في دعاياته السياسية الأخيرة، في الحقيقة إنه لم يعد يبدو كشخص فائز.
ويقول شافيتس إن فوز المرشح الديموقراطي جو بايدن سيعني انقضاء شهر العسل بين نتنياهو وترامب، ولكن لن يكون بالضرورة كارثة بالنسبة لنتنياهو. فبايدن صهيوني طوال حياته وله سجل طويل من الدعم لإسرائيل في مجلس الشيوخ. وأثناء الخلاف الشديد بين نتنياهو وأوباما بشأن الاتفاق النووي الإيراني، نجح بايدن وهو نائب الرئيس قي ذلك الوقت في تجنب أي قطيعة مع نتنياهو، الذي كان يصفه بأنه «صديق عظيم، عظيم».
وبايدن ليس فقط صديقا لنتنياهو طوال 20 عاما، ولكنه أيضا يتبنى تيارا وسطا في حزب لا يدعم جناحه التقدمي إسرائيل. وفي حال توليه الرئاسة لن يمس المساعدات العسكرية، كما فعل السيناتور الديموقراطي بيرني ساندرز الذي دعا إلى وقف المساعدات للضغط على إسرائيل. وليس من المحتمل أن يتراجع بايدن عن الاعتراف بضم إسرائيل للجولان أو أن يعيد السفارة الأميركية إلى تل أبيب. وسيكون هناك اختلاف بشأن كيفية التعامل مع إيران ومع القضية الفلسطينية. ومن المحتمل ألا يكون اختلافا كبيرا.
وقال شافيتس إنه مهما كان يبدو موقف ترامب ضعيفا وهو يقترب من انتخابات نوفمبر، لن يقطع نتنياهو علانية تعامله معه قبل الانتخابات. إذ إن ترامب سيعتبر ذلك خيانة، ومن المؤكد أنه سيسعى إلى الانتقام. وفي حالة هزيمة ترامب يخشى نتنياهو أن يصفه مؤيدو ترامب بأنه خائن وناكر للجميل، ولذلك يريد نتنياهو أنه إذا كان هناك انفصال فمن الأفضل أن يكون وديا.
ورغم كل ما فعله ترامب لصالح نتنياهو، من المحتمل أن يتبع نتنياهو مبدأ الحياد التام بالنسبة لانتخابات الدول الأخرى.
ويوضح شافيتس أنه إذا ما فاز بايدن، فإنه سيكون لنتنياهو ثلاثة أهداف رئيسية وهي:
1 - الفوز بدعم اقتصادي جديد كبير من واشنطن أثناء ما يبدو أنه كساد اقتصادي شديد.
2 - تبني الإدارة الأميركية الجديدة رأيه بأن إيران هي العدو اللدود لإسرائيل والولايات المتحدة على السواء.
3 - الحفاظ على خطة ترامب للسلام.
ومن الممكن أن يحقق هدفه الأول، فما زال هناك قدر كبير من دعم الحزبين الجمهوري والديمقراطي لإسرائيل في الكونغرس. ومن المحتمل ألا يحقق الهدف الثاني، فاسترضاء إيران يعتبر ركيزة حتى بالنسبة للسياسة الخارجية للديمقراطيين المعتدلين.
وبالنسبة للهدف الثالث، فإنه سيتطلب نوعا من تغيير المسمى، ومن المحتمل إعادة تسمية صفقة القرن التي تبناها ترامب ليطلق عليها «حل واقعي لدولتين» أو شيء ما قريب من ذلك. وهذا ليس أمرا بعيد الاحتمال.
وحتى القيادة الفلسطينية التي أعلنت مؤخرا استعدادها لاستئناف المحادثات مع إسرائيل، تبدو أنها توصلت إلى هذه النتيجة. ومن الممكن أن تسميها الإدارة الجديدة «خطة بايدن». وربما ينجح هذا الأمر.
ويقول شافيتس في نهاية تقريره إن نتنياهو مازال يريد أن يفوز ترامب، فالفراق بينهما أمر صعب. ولكن كما تقول كلمات أغنية غالبا ما تصحب ترامب في تجمعاته «لا يمكنك دائما أن تحصل على ما تريد، لكن إذا ما تصرفت على نحو صحيح، يمكنك الحصول على ما تحتاج».