يعتبر المؤرخ بنيامين ستورا أن إعادة رفات 24 مقاتلا جزائريا ضد الاستعمار، قضوا في القرن التاسع عشر خلال الغزو الدامي للجزائر، تمثل فرصة لفرنسا لإعادة اكتشاف فصل قاتم من تاريخها.
ويرى انه «عبر هذا النوع من الخطوات، تعيد فرنسا اكتشاف تاريخها. حيث يساهم ذلك في إخراج صفحات قاتمة من تاريخنا من النسيان. كان لدينا شعور بأن الغزو الاستعماري كان قصيرا، لكن بناء مدن كبرى وفق الطراز الهوسماني (نسبة إلى جورج أوجين هوسمان) على غرار العاصمة الجزائر ووهران، وطرق ومستشفيات إلخ، قام على مجازر وأشياء رهيبة».
ويضيف: «استمر الغزو فترة طويلة. بصفة عامة، كنا نظن أن الغزو بدأ عام 1830 وانتهى مع استسلام الأمير عبد القادر عام 1847، لكننا لم نعلم أن هذه الحرب استمرت فعليا فترة أطول بكثير».
ونقل هذا التاريخ الرهيب من جيل إلى جيل داخل العائلات الجزائرية. العلاقة مع فرنسا مؤلمة للغاية، ولا يمكن أن يمر ذلك مرور الكرام. ثمة حركة عالمية لاستعادة تاريخ الشعوب، ولا يمكن أن تبقى فرنسا في منأى منها.
من هم المقاتلون ضد الاستعمار الذين سلم رفاتهم إلى الجزائر؟
خلال الغزو الاستعماري حصل عنف عسكري ومصادرة للأراضي، وكان يسود حينها انطباع علمي زائف يتمثل في إقامة تراتبية بين الأعراق والأجناس. نقل رفات المقاتلين إلى فرنسا (جرى تقطيع أجسادهم بعد إطلاق النار عليهم) لمعرفة لماذا مانعوا إلى هذه الدرجة دخول الحضارة. كان هناك رغبة في فهم لماذا لا يفهمون؟.
ووضع الرفات في متحف الإنسان بباريس وطواه النسيان. فقط اعتبارا من التسعينيات، جرت في الجزائر وفرنسا عودة إلى التاريخ، إلى الذاكرة، وبرزت رغبة لدى الأجيال الشابة لمعرفة ما جرى.
ويستطرد المؤرخ الفرنسي باقلول: «أدركنا أن العنف لم يحصل فقط أثناء حرب الجزائر (1954-1962). اكتشفنا وجود عنف آخر أشد جنونا هز المجتمع الجزائري من 1830 حتى 1902 مع غزو كامل الصحراء».
ويتابع: «عبر البحث في حرب الجزائر، اكتشفنا الحرب الأولى، حرب الغزو. المعارك في الزعاطشة (منطقة شرق الجزائر شهدت انتفاضة عام 1849 قادها الأمير بوزيان الذي جمجمته بين الرفات الذي أعيد الى الجزائر) تظهر بشكل جلي صلابة الممانعة للحضور الفرنسي وامتدادها الزمني. وقعت معارك رهيبة أخرى في توغورت جنوب البلاد ومنطقة القبائل في 1854 و1871 وغيرها، وانتفاضة المقراني (مارس 1871).
وكان الغزو فظيعا وشهد مجازر وعمليات حرق. نتحدث كثيرا عن توماس روبير بيجو، لكن هناك أيضا لويس أوجين كافينياك وجاك لروا سان أرنو وفرانسوا كيرتا دى كانروبير وهيربيون وغيرهم، هذه أسماء رهيبة. لقد كانت حربا فظيعة لأنها حرب بلا أسرى. حتى النساء قتلن بالأسلحة. كان الغزو في الحقيقة حرب الجزائر الأولى.
ويضيف: «نشهد هجوما حول العالم على وجوه من الماضي. هل يجب التخلص من آثار الجنرالات الذين شاركوا في غزو الجزائر؟ لا أظن ذلك. في ما يخص لويس لاموريسيير وكافينياك وكانروبير وسان أرنو والدوق دومال وغيرهم، من الأجدر ربما تخصيص مكان، فضاء أو متحف، نجمع فيه الأجيال الشابة ونشرح لهم من هذه الشخصيات وهذا التاريخ الفرنسي».