عندما كانت أورزولا فون دير لاين وزيرة لدفاع ألمانيا ومرشحة لرئاسة المفوضية الأوروبية قدمت نفسها باعتبارها شخصية متحمسة للدفاع عن قضايا المناخ والبيئة.
وفي كلمة ترشحها لرئاسة المفوضية أمام البرلمان الأوروبي قالت فون دير لاين: «علينا المضي قدما. علينا أن نكافح من أجل المزيد» من الإجراءات لمواجهة ظاهرة التغير المناخي، «أريد أن تصبح أوروبا أول قارة بدون مسببات للتغير المناخي في العالم بحلول عام 2050».
وفازت فون دير لاين بالمنصب الأوروبي المرموق، وصارت رئيسة للمفوضية الأوروبية في ديسمبر الماضي.
وفي ظل قيادتها اقترحت المفوضية الأوروبية إنفاق 25% من ميزانية الاتحاد الأوروبي للسنوات السبع المقبلة وأموال صندوق التعافي من جائحة ڤيروس كورونا المستجد، على مشروعات تساهم في مواجهة ظاهرة التغير المناخي.
لكن حكومات الاتحاد الأوروبي ذهبت خطوة أبعد في مواجهة التغير المناخي، ووافقت على تخصيص 30% من ميزانية التكتل من أجل المناخ، بزيادة 10% عن مخصصات الإنفاق في ميزانية.2020-2014 ، ومع وصول إجمالي حجم إنفاق المفوضية الأوروبية خلال السنوات السبع المقبلة إلى 1.8 تريليون يورو (2.1 تريليون دولار) تصل مخصصات مشروعات التغير المناخي إلى 600 مليار يورو.
ورغم أن هذه الأرقام قد تبدو جيدة على الورق يساور الشك نشطاء الدفاع عن البيئة حيالها.
تقول برنيس دوبو، كبيرة مسؤولي السياسة الزراعية بالمكتب البيئي الأوروبي، وهو شبكة تضم مجموعة من المنظمات البيئية غير الحكومية: «المشكلة الآن هي أن يتحول الأمر إلى مجرد عملية ضخمة لغسيل الذمة البيئية»، في إشارة إلى احتمال عدم إنفاق كل هذه الأموال فعليا على مشروعات تحقق جدوى بيئية.
وتضيف دوبو أنه لا يتم إنفاق أغلب الأموال التي رصدها الاتحاد الأوروبي تحت مظلة مواجهة التغير المناخي - حوالي 50% منها- من أجل البيئة، وإنما تذهب هذه الأموال إلى السياسة الزراعية المشتركة للاتحاد الأوروبي، دون وضع معايير مناخية إضافية لإنفاقها، كما تم دفع جزء كبير من هذه الأموال إلى المزارعين مباشرة لتحسين دخلهم.
وفي حين تتوقع المفوضية أن يحترم المزارعون القواعد البيئية التي وضعها الاتحاد، فإنها تعتبر تلقائيا 20% من المدفوعات المباشرة للمزارعين أموالا موجهة لظاهرة التغير المناخي. وتقول دوبو إنه في ظل عدم مراجعة كيفية إنفاق المزارعين لهذه الأموال لا يمكن اعتبار هذه النسبة المئوية انعكاسا للواقع.
وتقول دوبو إن هذا الأسلوب في إنفاق أموال الأهداف البيئية يفتقد إلى الدليل العلمي ويخضع للضغوط السياسية، حيث إن المفوضية تحتاج دائما إلى موافقة جميع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي على الميزانية، وبالتالي فإنها تسعى إلى تحقيق التوازن في المصالح المتباينة للدول الأعضاء. في المقابل، بحسب دوبو، لا يريد وزراء الزراعة في دول الاتحاد الأوروبي الموافقة على خفض التمويل المباشر للمزارعين وتوجيه الأموال إلى الأنشطة المناخية البحتة بدلا من ذلك.
وترفض المفوضية هذه الادعاءات. وقال متحدث باسم المفوضية لوكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ): «هذه أكبر حزمة استثمار بيئي يراها العالم على الإطلاق... طموحاتنا نحو أوروبا أقل تلوثا وأكثر اعتمادا على التكنولوجيا الرقمية وأكثر مرونة ستظل المبادئ الحاكمة للجيل الجديد في الاتحاد الأوروبي وللميزانية الجديدة طويلة المدى».
وأضاف المتحدث أن المفوضية ستستخدم أسلوبا «واضحا وثابتا» لقياس التقدم الذي يتحقق في مجال التغير المناخي، ويطلق عليه «محددات ريو»، في إشارة إلى نتائج قمة ريو دي جانيرو العالمية للمناخ.
وتقيس محددات ريو ما إذا كان خفض الانبعاثات الغازية المسببة للاحتباس الحراري يمثل هدفا أساسيا لأي نشاط، أم هو هدف ثانوي، ولكنه مهم، أو أن هذا النشاط لا يستهدف مواجهة التغير المناخي من الأساس. ووفقا لهذا التقييم، يتم تحديد النسبة التي توجه إلى مجالات المناخ من أموال هذا النشاط.
لكن دوبو ترى أن استخدام هذا الأسلوب فشل في الوصول إلى نتائج ملموسة، لأنه لا يتضمن دراسة التأثيرات الفعلية للمشروع على المناخ.
ويؤيد ماركوس تريلينغ، منسق سياسات التمويل في منظمة شبكة العمل المناخي المعنية بالدفاع عن البيئة، وجهة نظر دوبو، ويقول إن هناك حاجة إلى مقاييس أكثر وضوحا لتقييم المشروعات والاستثمارات التي يجب تمويلها من منظور بيئي.
لكن المفوضية الأوروبية تقول إن السياسة الزراعية للاتحاد الأوروبي تلزم الدول الأعضاء بالتركيز الكافي على المناخ. وقال متحدث باسم المفوضية: «سيكون على الدول الأعضاء التزام قانوني بإظهار طموح أكبر من الموجود حاليا بشأن الاهتمام بالبيئة والمناخ».
ويقول تريلينغ إنه من المهم أن تلتزم الدول بتعهداتها البيئية عند إنفاق أموال صندوق التعافي الاقتصادي من تداعيات جائحة كورونا، وأن تعكس خطط الإنفاق لديها هذا الالتزام.
وأضاف أنه إذا لم ترصد الدول الأعضاء مبالغ كبيرة لإنشاء نظم نقل أقل تلويثا للبيئة، فإنه يمكن القول إن نسبة الـ 30% من ميزانية الاتحاد الأوروبي والمخصصة للأغراض البيئية ستذهب أدراج الرياح.