أعادت جائحة كورونا إلى الأذهان أنشطة التنافس العالمي وسرقة الأسرار التكنولوجية، لاسيما الدفاعية، في فترة الحرب الباردة بين الغرب والشرق على صعيد تنافس دول العالم وأجهزتها المخابراتية على السبق لإنتاج لقاحات وعلاجات هذا الوباء القاتل، حيث ذكرت دورية «انتلجنس أونلاين» الأميركية المتخصصة في الشأن الأمني والمخابراتي أن حالة التنافس بين مختبرات دول العالم الكبرى للوصول إلى لقاح واق من الإصابة بڤيروس «كوفيد - 19» قد فتحت مجال اهتمام عمل جديد أمام أجهزة الاستخبارات العالمية للوصول إلى أسرار تركيبات ذلك اللقاح، وخلقت حالة شبهتها صحيفة «نيويورك تايمز الأميركية» بالأقرب إلى حالة «سباق الفضاء» في ستينيات القرن الماضى بين الغرب والاتحاد السوفييتي إبان حقبة الحرب الباردة.
ويقول المراقبون إن عمليات مكافحة جواسيس «كوفيد - 19» التي تقوم بها الأجهزة الأمنية الأميركية هي بشكل عام عمليات دفاعية في المقام الأول تستهدف حماية قاعدة المعلومات العلمية لمراكز البحوث الأميركية من التجسس وسرقة أسرارها ومعلوماتها وإنجازاتها في مجالات مكافحة الأوبئة، فبحسب الدورية الأميركية، اوجدت جائحة كورونا مجالا جديدا للتنافس بين أجهزة الاستحبارات العالمية على صعيد جمع المعلومات عن أشكال ومعدلات الإصابة بالڤيروس، وكذلك معلومات عن العاملين في مختبرات إنتاج اللقاح وأسرار تجاربه وتراكيبه العلاجية.
وأشارت الدورية الأميركية إلى أن أجهزة الاستخبارات الكبرى في العالم باتت توظف كامل طاقاتها في مجالات التجسس العلمي في أنشطة جمع المعلومات البيولوجية والحيوية ذات الصلة بالمجال الطبي وتكثيف أنشطة جمع معلومات في مؤسسات الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية ومراقبة ما تحققه بلدان العالم من تقدم على صعيد إنتاج لقاحات واقية من الإصابة بكورونا، وهي اللقاحات التي سيعتبر إعلان هذا البلد أو ذاك الكشف عنها مؤشرا على مستوى التقدم العلمي فيها، كإنجاز لا يقل عن الانتصار في أي معركة كبرى.
وأشارت صحيفة «نيويورك تايمز» في تقرير لها إلى أن وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية وغيرها من أجهزة المخابرات الغربية باتت تراقب عن كثب أنشطة مكافحة كورونا في كل من الصين وروسيا، واللتين أبدتا نشاطا ملحوظا على صعيد ابتكار علاجات واقية من الوباء، وكذلك في داخل منظمة الصحة العالمية ومن خلال عملاء الاستخبارات الأميركية لدى كلا البلدين على المستوى الخارجي.
أما على المستوى الداخلي فيكثف مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي الذي يعد المسؤول الأول عن أمن الولايات المتحدة الداخلي عملياته لحماية الجامعات الأميركية والمؤسسات الكبرى والمختبرات العلمية الوطنية من أي محاولات للاختراق الداخلي من جانب منافسي الولايات المتحدة وتأمين حركة وسرية عمل العلماء الأميركيين العاكفين على تطوير لقاحات كورونا ونظم العلاج الشافية من هذا المرض ضد محاولات أجهزة الاستخبارات المعادية لابتزاز العلماء الأميركيين أو سرقة ما لديهم من معلومات أو أي شكل من أشكال الاختراقات الأخرى التي تؤثر سلبا على عملهم.
وتعد جامعة شمال كاليفورنيا من أهم المؤسسات الأميركية العاملة في مجال تطوير لقاحات الوقاية من الإصابة بكورونا وكذلك تطوير عقاقير علاج المصابين بهذا الوباء، ولهذا السبب لم يكن مفاجئا لأجهزة مكافحة التجسس الأميركية في مكتب التحقيقات الفيدرالي (اف بي آي) رصدهم لعدة محاولات لاختراق حواسيب وهواتف ونظم معلومات مختبرات الجامعة، لاسيما العاملين في علوم مكافحة الأوبئة التي تتعرض نظمها الحاسوبية لهجمات غامضة من الـ«هاكرز».
وقالت الدورية الأميركية المتخصصة في الشأن الأمني والاستخباراتي إن المعمل المركزي لعلوم الأوبئة في جامعة شمال كاليفورنيا، قد تعرض لمحاولات متكررة لاختراق حاسباته وكذلك رصد مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي محاولات مستمرة ومتزامنه للتجسس الإلكتروني على معامل شركات إنتاج الأدوية وبخاصة أقسام البحث والتطوير في كل من شركات «جلعاد للعلوم الدوائية الطبية» و«نوفا فاكسين للقاحات والمضادات الحيوية» و«شركة مودرنا الأميركية للمستحضرات العلاجية»، وشركات أميركية كبرى أخرى.
ورصدت عناصر مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي كذلك محاولات للتجسس البشري لعملاء بعثات أجنبية على الأراضي الأميركية، إلا أن مجلة «تايم» الأميركية قالت إنه نظرا لحساسية الأمر فضل مسؤولي مكتب التحقيقات الفيدرالي الكشف عن أي تفصيلات حوله خشية إفساد سير التحقيقات، ولهذا السبب ربطت مجلة التايم الأميركية بين هذا الأمر وقرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب في يوليو الماضى إغلاق المكتب القنصلي الصيني في ولاية هيوستن الأميركية الذي يقع على مقربة من مختبرات إنتاج الأدوية في الولاية بعد أن رصدت المباحث الفيدرالية الأميركية محاولات اقتراب وتحقيق اتصال قام بها عناصر من العاملين فيه مع باحثي مختبرات تطوير العقاقير والبيولوجيا الحيوية في المؤسسات الطبية الأميركية.