تعلو عبارة «قوات سوريا الديموقراطية مرت من هنا» بالخط الأسود العريض جدار بيت متواضع في بلدة الباغوز السورية، حيث تطغى أشجار الرمان المزروعة في حقول منازلها والنخيل الذي يزين شوارعها، على الدمار فيها بعدما باتت بين ليلة وضحاها الملجأ الأخير لتنظيم داعش.
في شارع مليء بالحفر الضخمة وهياكل السيارات والشاحنات الصغيرة المتفحمة، ينتظر مقاتلون من الميليشيات الكردية التي تسيطر على قوات سوريا الديموقراطية «قسد»، بفارغ الصبر انتهاء المعركة ضد التنظيم المتطرف، بينما يتردد على بعد مئات الأمتار منهم دوي قصف جوي ومدفعي يستهدف آخر نقاط عناصر داعش المحاصرين في مساحة لا تتخطى نصف كيلومتر مربع.
من على سطح مبنى سيطروا عليه قبل 3 أيام، يراقب المقاتل حمزة شدادي منطقة المعارك.
ويقول لوكالة فرانس برس «يستهدفوننا ليلا، وتندلع اشتباكات قبل أن يهربوا مجددا، لكننا لا نقترب بسبب المدنيين».
ويؤكد شدادي، الذي يحمل سلاحه على كتفه ويمسك جهاز اتصال لاسلكيا في يده، يقول بثقة: «أيام قليلة ونعلن إن شاء الله شرق دير الزور منطقة محررة بالكامل من الإرهاب».
في الأحياء التي طرد منها، تجري «قسد» عمليات تمشيط دقيقة بحثا عن أنفاق وعناصر متوارين تاركين خلفهم مراكز فارغة وشعارات لاتزال ظاهرة على الجدران، بالإضافة إلى شعار التنظيم الموجود على رايته السوداء.
وفي شارع رئيسي في البلدة، يتمركز مقاتلون أمام المنازل مدججين بسلاحهم ويلف بعضهم الشال الكردي التقليدي المزركش بالورود على أعناقهم فوق زيهم العسكري.
يتسامرون حينا ويلتفتون الى مصدر الصوت الصادر من مكان ليس بعيدا. دقائق ويتردد دوي ضربتين تشنهما طائرة تابعة للتحالف بعد تحليق كثيف في سماء البلدة، ثم تتصاعد سحب الدخان الرمادي.
وعلى جدار قريب منهم رسم التنظيم سهما مرفقا بعبارة «نت الباغوز للنساء فقط» في إشارة إلى مكان مخصص للإنترنت.
وتفتقر الأحياء تحت سيطرة الأكراد لأي حركة إلا للمقاتلين ولسيارات عسكرية تمر مسرعة.
«الباغوز تشكر زيارتكم»
أمام المبنى، يتبادل ضيا حسكة، أحد مقاتلي قسد، الحديث مع رفاقه ويستعيد معهم ذكرياته في الباغوز، في المرة الأولى التي سيطرت القوات الكردية عليها في سبتمبر الماضي قبل أن تعود وتخسرها قبل أشهر بعد هجوم معاكس لداعش.
يشير حسكة إلى أشجار رمان فتية اجتاحها اليباس لكن بعضها احتفظ بثمار تحول لونها من الأحمر القاني الى الأسود بفعل الصقيع، وقربها أشجار نخيل اصفرت أغصانها، وأخرى لم يبق منها سوى جذوعها.
ويقول المقاتل الأسمر، وهو في الثلاثينيات من العمر، لفرانس برس متبسما: «حين دخلنا إلى البلدة قبل أشهر كنا نصعد إلى أسطح المنازل ونقطف التمر والرمان بأيدينا».
ويشير المقاتل الذي يضع نظارتين طبيتين، إلى اختلاف المعركة اليوم عما كانت عليه حينها.
ويقول: «اليوم ضاقت المساحة بهم فاستشرسوا في قتالهم، في السابق لم يقاوموا كثيرا إذ كانت لديهم أماكن أخرى ينسحبون إليها».
وباتت أيام «الدولة» التي أعلنها داعش في العام 2014 على مناطق سيطرته في سورية والعراق معدودة.
«في وقت قصير جدا، لن يتجاوز أياما، سنعلن رسميا انتهاء وجود تنظيم داعش الإرهابي» بحسب تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وبخلاف بلدات وقرى عدة في ريف دير الزور الشرقي، تتميز الباغوز التي ينساب نهر الفرات قربها بطبيعة منازلها الشبيهة بقصور صغيرة أو منازل واسعة مكسوة بالحجر، وهو ما يبرره حسكة ومقاتل آخر وقف إلى جانبه ويتحدر من مدينة البوكمال المجاورة بـ «ثراء» أبنائها كونهم من المغتربين في دول الخليج.
ويقول حسكة: «أي منطقة تمر فيها المياه تكون جميلة لكن أينما حل داعش يحل الخراب معه» بينما يشيح بناظريه الى طريق ترابية رفعت لافتة خضراء عليها تحمل عبارة «بلدة الباغوز تشكر لكم زيارتكم».