Note: English translation is not 100% accurate
رائعة بدر بن عبدالمحسن «توق» أساطير وسراب وعذب الكلام
24 أغسطس 2011
المصدر : الأنباء

شاعرية النص والأحداث المتسارعة لم يغلب عليها التخبط بل كانت محبوكة بمهارة توقعها المشاهدمحمد ناصر
بين اقاصي اوروبا وعمق شبه الجزيرة العربية، وبين خيال الاساطير وصدمة الواقع، وبين غموض البادية وسحر الشرق تحملنا رائعة بدر بن عبدالمحسن «توق» لنعيش تلك المناخات يوميا.
ثلاثة اجواء ومحاور تطرق لها العمل وتباينت في تمايزها صعودا وهبوطا الاول هو مجتمع البادية وما يتضمنه من صراعات عشائرية على الزعامة وسط قصة حب لم يقدّر ان تصل لخواتيمها الناجحة بين فاطمة (سلافة معمار) وفراس (عبدالمحسن النمر)، اما المحور الثاني فكان عالم الجن والخرافة والاساطير التي تمثله توق وغرابة الواقع الذي يمثله «سراب»، اما المحور الثالث فكان علاقة الغرب بالشرق عبر عالمة الآثار القادمة من «ادنبره» هيلين روز.
عوالم مدهشة
اي قلم قادر على صوغ تلك المحاور بشاعرية تطرب المشاهد كقلم بدر بن عبدالمحسن الذي حملنا الى عوالم مدهشة خالجت فيها الكلمة الروح التي كانت تستزيد يوميا من عيون الكلام كعندما يردد سراب «غسان مسعود» عبارته الاشهر في العمل «ما طاح مطر في غير موسمه الا عذاب» او «موت العطش مرات اما الغرق مرة» او «الحياة موت متقطع يوصلنا الى موت مستمر».
شاعرية النص لم تأخذ من طريق احداثه المتسارعة والاحداث المتسارعة لم يغلب عليها التخبط بل كانت محبوكة بمهارة توقعها المشاهد خاصة عندما اقترن تنفيذ رواية «توق» باسم المخرج التونسي «شوقي الماجري» الذي وصل بالتميز لحد الادهاش في الحلقات الثلاث الاولى التي اتت متقنة لدرجة الكمال فأعطى المشاهد فيها جرعات مكثفة من الاحداث المتلاحقة المقرونة بأجمل ما في رواية البدر من اشعار وعذب الكلام ومزينة بصورة اقل ما يقال فيها انها بديعة ولعل الماجري بذلك اراد ان يجبر المشاهد بعد مشاهدة الحلقات الاولى على أن يضع مسلسل «توق» على قائمة خيارات المشاهدة في شهر رمضان.
الجن والخرافة
اخذ العمل بعد ذلك الطابع البدوي فحملنا بين منطقة «العاطشة» و«العيدان» وذلك مع سير العمل بخطوط متوازية مع حكاية «هيلين روز» وحكاية «توق» وان لم يستطع الجانب البدوي في المسلسل الهروب من التقليدية فبدا مكررا ومألوفا في بعض المفاصل كالتنافس على الزعامة بين الشيخ عراك وغريمه، لتكون «توق» اسما على مسمى حيث تم مزج الواقعية التاريخية بأجواء الجن والخرافة والاساطير التي حاول الماجري ربطها بالموروثات التقليدية كالهرة السوداء وما تعنيه من مفاهيم موروثة، وكذلك لحظات ظهور توق وسط اشجار النخيل، ويبقى سدران «جفونه ثقال وعيونه سادرة وكبار» وهي الشخصية الغرائبية التي ارادها «البدر» لتكون روح المسلسل واسطورته.
روعة الصورة
فنيا اتت روعة الصورة لتكون مكملا رئيسيا لنجاح العمل الذي اهتم بأصغر التفاصيل، فبدت ازياء الانجليز ولهجتهم احترافية وكأنك تشاهد فيلما بريطانيا اضافة للديكورات التي تنقلك الى تلك الحقبة الزمنية بكل صدق دون الشعور ولو للحظة بهنة من هنا او خطأ من هنالك، بل كان الاتقان مرادفا اساسيا في العمل الذي نعتقد ان مشاهد الصحراء والغسق والفجر فيها كانت الاجمل، وكذلك الاسواق والمراكب والقطارات كلها دلت على مدى الحرص في اهداء المشاهد متعة بصرية لا تشوبها شائبة، فأحدثت التفاصيل الصغيرة ذلك الفرق الكبير الذي نشاهده حاليا.
سحر الشرق
في التمثيل تألقت سلافة معمار بدور «فاطمة» رغم تعدد المحاور الدرامية فيه من العاشقة المنكسرة الى الارملة الى الزوجة والام فالعجوز ولم يضاهها في التألق الا الممثلة نادرة عمران بدور «ام سالم»، وكذلك الممثل عبدالمحسن النمر بدر «فراس» والممثل «محمود قابيل».
اما غسان مسعود بدور «سراب» فكان قصة وحده حيث اعطى الشخصية روحها الغرائبية، كما تميزت الممثلة اللبنانية كريستين شويري بدور «هيلين روز» ولا نبالغ ان قلنا ان اجمل مشاهد العمل كان عندما بدأت هيلين في الحلقة الثالثة بشرح عشقها للشرق وسحره واساطيره وهي تخطو على رمل الصحراء بكلام بديع نظمه مهندس الكلمة «بدر بن عبدالمحسن» اضافة لمشهد السيل الجارف في الحلقة الثانية.
رونق خاص
تبقى الموسيقى التصويرية الجميلة التي وضعها رعد خلف والتي اضفت رونقا خاصا طبع كل العمل الذي كان سيخرج للمشاهد بشكل اقوى لو تم تفادي التمطيط والتطويل ولو لم يصل لثلاثين حلقة، فكما قال «سراب» لـ«هيلين» في المسلسل «ان السنوات تعد بألقها ونبضها الحي وليس بأعدادها» كذلك كنا نتمنى ان يعد المسلسل بقوته وليس بوجوب ان يصل عدد حلقاته للثلاثين.