حياة الفهد تلك القامة الفنية الجادة، والمتزنة، والباحثة بمسؤولية المحافظة على مسيرتها واسمها الذي صنعته بتعب الصبر، وبصبر العنفوان، وبعنفوان الفن، والفن هو القلق والخوف والترقب، وهذا هو الحمل الصعب، وحياة تمكنت من استيعاب كل هذا بنجاح وترقب وطفولة حتى غدت ضمانة في الفن الخليجي، وتحديدا الدراما.
هي لم تدخل عالم النجومية بالصدفة، ولم تتعثر بالفن منذ البداية، ولم تسع لخطف الشهرة بقدر ما جاءتها بقناعة واستحقاق، لذلك ظلت أمينة لمشوارها، ولعادات بلدها، وجامحة في عشق التراث والإنسان فيه.
أخذت حياة الفهد العمل بالفن بمسؤولية، وأدركت منذ نجاحاتها الأولى أن هذا ما رسم لها كي تعطي ما لديها، وكي تقدم صورة ناصعة للمرأة الخليجية والعربية، فكان الاتزان في أن تكون هي المرأة التي تقف بجانب الرجل، وقد تتفوق عليه، ومن دون شك هي شريكته في بناء وترميم، وتجميل جسور الفن لتبقى ثقافة يسير عليها الأجيال القادمة بثقة، وبعيدا عن عذابات ما ذاقته هي وجيلها المؤسس.
نجحت حياة الفهد في إعطاء صفحات من ذهب في مجتمع كان يقيد عمل المرأة، في الفن، والأهم أنها نجحت بتفوق في ترك بصمة تحسب لمجتمعها، وتصفع منتقدها، ويفاخر بها من كل من سيسير على طريق الشوك والجمال، فكانت زينة العطاء، وردة الجهود الثقافية، وامرأة من حديد في مواجهة صغار العقول، ومن يصاب بمرض غيرة المهنة، وضعفاء المنافسة.
تسلمت مهام الرقابة في الفن، وأخذت من صفعات الزمن الدروس التي حفرت في وجدانها، ومنها انطلقت لتحافظ على قيم الفن وحق الفنان بعيدا عن العنصرية، والشوفينية، والغرور، ولا عجب أن تعلن اعتزالها الفن ذات مرحلة إيمانا بوقوفها إلى جانب زميلها الهرم الكبير عبدالحسين عبدالرضا، ولا يستهجن المتابع أن تقف حياة مع حق المظلوم، وهي التي ظلمت وذاقت جحود بعضهم، وإيمانها بالخالق، وبموهبتها فرضا نجاح طريقها وأسلوبها وخطها ومشروعها، فعاشت الشباب بينما تراكم الغبار على رفاق دربها، وأصابت الشيخوخة شبابا تاه في نجومية كاذبة!
التجربة علمت حياة الفهد أن الحفاظ على النجاح يتطلب البحث، والجدية، واختيار ما يناسب العمر، والمرحلة، والمشوار، والحسم في لحظات تتطلب الحسم، وإعطاء فرصة لحقيقة كانت مغيبة، وتجديد المشوار، وعدم النوم في نجاحات الماضي، فأغدقت عليه نجاحات إضافية شكلت المحافظة على واجهة اشراقة الدراما الخليجية، لا بل في كثير من زحمة المنافسة العربية الرمضانية انقذت سمعة التواصل والجوائز والحضور!
استفادت النجمة المتألقة حياة الفهد من وجود النجوم الكبار في مسيرتها فصنعوا معا مدماكا لتأسيس الفن الخليجي، وراية في الفن العربي، منهم من غيبه الموت، وظل في الذاكرة، ومنهم يتخبط بسوء الاختيار فيصر على أن يتدخل، ويغير، ويلغي، وألا يكبر في العمر، ولا يتعلم من هفواته وسقوطه، وقلة قليلة حافظت على استمراريتها في الصفوف الأمامية، وحياة الفهد هي من الصنف الأخير، والدليل تعاليها على هفوات ضعفاء النفوس، وتعساء الاستمرارية في النجاح، وتقديمها في كل عام الأعمال التي أبقتها الأولى، وسيدة الشاشة الخليجية، والبنك الذي يفتح حساباته الجديدة لكل موهبة شابة تنتظر أن يكون لها أول حساب في طريق الفن.
وهذا العام قدمت حياة الفهد المسلسل الكوميدي الاجتماعي «رمانة»، والذي حصد المركز الأول في غالبية احصائيات الدول العربية، منافسا أعمال كبار نجوم الوطن العربي، ومنها ما جاء في تحقيقات جريدة «البيان»، وبعض الصحف السعودية والخليجية، وهذا ليس جديدا على تجربة حياة، ولكنه يطرح الأسئلة الواجبة، ومنها كيف تستمر حياة بالمحافظة على النجاح والتميز، واستطاعتها أن تجعل كل الأجيال تتابعها باحترام وإعجاب في وقت تسقط فيه أوراق تجارب غيرها؟
كيف لهذه المرأة أن توفق في الاختيار، وغيرها ينظر، وينتقد، ويفبرك، ويحارب، والنتيجة متواضعة؟
اعتقد ان السبب يعود لمصداقية حياة مع حياة، ولاعتبارها أن النجاح من أسهل ما يكون، والأصعب المحافظة على هذا النجاح، والأهم من كل ذلك أن حياة تنظر إلى تجربتها كما لو كانت في بدايات المشوار وليست في بداية الطريق، وأن التواضع من شيم الكبار، والحسم من تصرفات من يحافظ على اسمه وفنه، وهذه هي حياة.
من يعرف حياة الفهد أم سوزان شخصيا يدرك أهميتها كأم لا تعرف النوم إلا إذا قدمت الراحة لأسرتها، وأيضا يدرك شغفها بالمحافظة على صداقاتها بعيدا عن نجوميتها، بل تقترب كإنسانة لا كفنانة، وبذلك تحافظ على روح الإنسان في الفنانة الصديقة.
ومع الإعلام حياة الفهد واضحة، مباشرة، حاسمة، تدرك قيمة هذا، وتفهم غايات ذاك، وتلجم تطفل الكثير، لذلك لا تخاف حياة من الإعلام بقدر فهمها لدوره، وللدخلاء فيه!
حياة الفهد امرأة كويتية كسرت المألوف وتألقت، وخليجية اقتحمت الممنوع وحافظت على الموروث الذي تفاخر به، ولم تشوه الاتزان، وعربية نافست وتفوقت بعيدا عن التنازلات التي تسجن الفنان في قلب الشهرة والسلام، من هنا، وبكل ثقة وجب البوح بأن حياة الفهد مدرسة، وبصمة، وجب قراءتها، والاستفادة من مشوارها، والتعلم منها مهما كانت الظروف.