دلال العياف
المعاناة تصنع فناً وفنانين عظماء تفوقوا في زمنهم على أنفسهم، وتركوا إرثا عظيما يورّث لمدارس فنية تدرّس أجيالا بعدهم، لعلهم يستفيدون من واقع تجارب هؤلاء الذين اثبتوا ان الطريق الوعر يحتاج الى شخصية قوية وصبر وتحدّ كبير، فهناك عظماء حققوا المستحيل واصبحوا في القمة بتعبهم وحبهم الشديد وشغفهم بالفن وسلكوا طريقه أيا كانت صعوبته وأيا كانت الحواجز والعراقيل والتي كانت هي سبب تربية نفوسهم، فلولا المعاناة لما صقلوا أدوارهم في الحياة كما صقلوا ادوارهم خلف الشاشة.
المعاناة تخلق الرغبة في التميز والتقدم الى الامام، فقد يقف الانسان امام الظروف الصعبة ويرجع الى الوراء ويخاف من كل شيء، كما يقول المثل «من لسعته الأفعى يخشى من الحبل»، ولكن هؤلاء أصروا على تحدي كل الظروف وإظهار امكانياتهم واستخدموا افضل ادواتهم الفنية.
ومن امثال هؤلاء العظماء والقامات الفنية الذين أرّخ التاريخ والمسيرات الفنية الطويلة حكاياتهم ومعاناتهم وفنهم العظيم «العندليب الأسمر» عبدالحليم حافظ والذي بدأت معاناته منذ ميلاده وصاحبته حتى مماته، ورغم كل ذلك وقف كالسد العالي لا يهزه شيء ويتحمل، ويقف امام جمهوره كي يطربه بأعظم الاساطير الفنية.
ولد هذا الطفل المليء بالبراءة والموهبة، وفارقته أمه، ومن ثم حاولت بعض النسوة قتله كي يتخلصوا منه وارضعوه حليب أمه الميتة كي يموت معها، واعتبروه «فال شؤم» على حسب معتقداتهم، ولكن اخذه اخوه وهرب به الى خاله لينقذ حياته، وشهدت قريته الريفية «الحلوات» طفولته ونموه خطوة خطوة، وانتقلت اليه «البلهارسيا» من خلال لعبه مع الاطفال في ترعة القرية، وبدأ المرض يجتاحه وينمو معه حتى اصبح شابا، وبدت الاعراض تظهر عليه بشكل واضح وتؤذيه.
ظهرت ملامح موهبة الاسطورة عبدالحليم حافظ في ملجأ الايتام، حيث خرج منه ليلتحق بمعهد الموسيقى العربية، وبدأ مشواره الفني الذي واجه فيه الكثير من الصعوبات حتى اصبح «العندليب» اشهر مطربي عصره وكل العصور، واستمرت معاناته مع الألم، وكان وهو بقمة شهرته يثقف نفسه وكانت اخلاقياته رائعة ويجتمع مع الفنانين والشعراء والملحنين ويأخذ برأيهم ويتجاذب معهم اطراف الحديث بكل رحابة صدر، وتمثلت قوته بإصراره على البقاء، وايمانه الشديد بأنه سيكون ما هو عليه رغم انه عانى من الحرمان، ولم ينس وسط ذلك اخوته وبالأخص اخته العظيمة الست علية شبانة والتي كانت بمنزلة الأم له، وحتى ثروته فقد تركها بالتساوي بين اخته واخوانه وابنة اخته التي كانت تقطن معهم، وكانت تلك المواقف هي المعاني الحقيقيه للوفاء.
ويأتي «النمر الأسود» أحمد زكي ليكون هو الآخر مثالا من العظماء والقامات الفنية التي سيظل التاريخ يذكر حكاياتهم ومعاناتهم وفنهم العظيم، فعندما يذكر احمد زكي يكون الجميع مرعوبا من ادائه التمثيلي غير الاعتيادي، فهو بالفعل لا يمثل بل ينقل واقعا يعيشه عبر الشاشة في كل مرة يعالج فيها امرا ما او قضية، واما عن المعاناة فقد لعبت دورا اساسيا طوال حياته، ويمكن ان نقول انها تقاسمها جوانب كثيرة من حياته مع «العندليب»، لذلك رأينا الروح متشابهة عندما جسّد زكي دور عبدالحليم حافظ في فيلم «حليم» بمنتهى الاتقان، فهو ايضا كان يتيما وكان يتمنى ان تكون له اسرة كبيرة ممتدة العروق، ولكن لم يسمح له القدر بذلك، فإرادة الله اقوى، ونعم بالله.
عانى «النمر الأسود» من سرطان الرئة، ولكن هذه المعاناة لم تمنعه من تجسيد شخصية «العندليب» وهو ينازع المرض ويصارع الموت، حتى انه فقد بصره اثناء تصوير مشاهد الفيلم، وتوفي في نفس الشهر الذي توفي فيه «العندليب الأسمر».
«العندليب» و«النمر» جمعهما حب الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، فهما ابناء الثورة، واللذين سجلا اسميهما بحروف من ذهب في ذاكرة الفن المصري والعربي، ويتشابهان في امور كثيرة، فهما من محافظة الشرقية، وفي الجانب العاطفي نجد عبدالحليم فقد حبه الاول كما يحكي المقربون منه عبر وسائل الاعلام بأنها ماتت ورحلت عن الدنيا، كما ان احمد زكي فقد الراحلة هالة فؤاد والتي ربطته بها قصة حب تكللت بالزواج وإنجاب ابنهما هيثم، وتوفاها الله عز وجل في شبابها.
انتهت رحلة «العندليب» و«النمر الأسود» الصعبة، الشيقة، المتعبة والجميلة في الوقت ذاته، وهما مثال رائع للتفاني وحب الفن من صميم القلب، وهذا ما ظهر لنا عبر الشاشة الفضية طوال تلك السنوات من الصدق والعمق وأصالة التعبير والأخلاقيات الرائعة، رحمهما الله.
وجل الاماني ان يسمو البعض من جيل اليوم بتلك الاسماء المهمة وبأخلاقيات الفن، وأن يكون هناك قدر من الاحترام لزميل المهنة، ولتثقيف الروح والوجدان والعقل والأخذ بالمشورة بكل رحابة صدر، وهذا ليس اقلالا من احد، ولكن لعلهم يعتبرون من هؤلاء، وهذا الكلام ليس للجميع لكن للبعض، مع احترامي للجميع بالنهاية.