Note: English translation is not 100% accurate
كيف أنقذ نفسه من قبضة الانقلابيين؟!
عبدالحليم يغني والسلاح على رأسه
13 يوليو 2013
المصدر : الأنباء



بينما كان عبدالحليم حافظ منهمكا في الغناء في أحد استديوهات الإذاعة المغربية، إذا بمجموعة من العسكريين يحملون البنادق الآلية يتقدمهم شخص يحمل رشاشا ويده على الزناد مصوبا السلاح باتجاه عبدالحليم حافظ مهددا بقتله فورا إذا لم يطع الأمر وينفذ التعليمات.
بالتأكيد ما ذكرنــــاه لم يكن سيناريو فيلم سينمائي خاصــــــة ان عبدالحليم حافظ اشتهر بالأفلام الرومانسيــــة وابتعد عن الأفلام البوليسية ولم يكن إشاعة خطتها احدى المجلات في ذلك الوقت بل هي قصة حقيقية وواقعة وقعت بالفعل لعبدالحليم حافظ في المغرب.. واليكم الحكاية بالتفصيل:
المائدة الملكية
9 يوليو 1971 عيد جلوس ملك المغرب الحسن على العرش كان يوما احتفاليا بامتياز إذ دُعي اليه كوكبة ضخمة من كبار فناني تلك المرحلة وفي مقدمتهم محمد عبدالوهاب وفريد الأطرش وعبدالحليم حافظ ووديع الصافي وشادية وهدى سلطان وسعاد محمد وبليغ حمدي ومحمد الموجي وغيرهم العديد من الشخصيات الفنية، حيث حضر عدد منهم المائدة الملكية التي أقيمت قبل بدء الحفل، فيما اعتذر آخرون عن تكملة الغداء كعبدالوهاب وفريد، بينما قرر عبدالحليم حافظ التوجه نحو الإذاعة لتسجيل الأغنية المخصصة للملك الحسن.
رصاص ومدافع
وبينما كان عبدالحليم منهمكا في احدى غرف المونتاج للاستماع لأغنيته الجديدة التي يسجلها وصلت الى مسامعه أصوات طلقات الرصاص والبنادق والمدافع ليقتحم الإذاعة فجأة عدد من العسكريين بأسلحتهم الرشاشة وليوجهوا أسلحتهم صوب عبدالحليم مطالبين اياه بتنفيذ تعليماتهم بدقة.
قراءة البيان
إلا ان ما لم يحسب له عبدالحليم حسابا هو طلب العسكريين الغريب والعجيب إذ أرادوا منه ان يقوم بإذاعة البيان رقم واحد، وعندما وقعت نظرات عبدالحليم على البيان أدرك ان انقلابا عسكريا تدور أحداثه في الخارج ضد صديقه العزيز الملك الحسن، فتراءت أمام ناظريه أسئلة عديدة عنالكارثة التي حلت وعن كيفية مواجهته للموقف العصيب بذكاء.
موقف سخيف
وجد عبد الحليم نفسه في مأزق وموقف لا يحسد عليه فهو لا يمكن ان يذيع بيانا ضد الملك الذي يرعاه ويتولى علاجه بالخارج على نفقته الخاصة كما لا يستطيع ان يرفض خشية قتله.
ففكر للحظات ثم قال لهم كيف اذيع بيانا وانا مصري ولست مغربيا؟ فنظروا الى بعضهم البعض وادركوا الموقف السخيف الذين اوقعوا انفسهم فيه. وكان الانقلابيون يمنون انفسهم بأن يقرأ بيانهم مطرب العرب الاول الا انهم اقتنعوا بسلامة رأي عبدالحليم.
الضرب المبرح
وبدأت بعدها المشاورات بين عدد من المسلحين عمن سيقرأ البيان فيما كان بعضهم الاخر يوسع العندليب الاسمر ضربا مبرحا لمعرفتهم بالعلاقة العزيزة والوطيدة التي كانت تجمعه لملك المغرب وليقينهم انه كان متواجدا في الاذاعة لتسجيل اغنية تمدح وتهلل للملك الحسن.
الضابط المعجب
وتم انقاذ عبدالحليم من تلك المعمعة بواسطة ضابط من الانقلابيين معجب بفن واغاني المطرب الكبير، فأقنع زملاءه بفكرة خلصت عبدالحليم من مصيبته عندما اشار عليهم بوضع عبدالحليم في احدى الغرف واغلاقها عليه حتى اتمام اجراءات الانقلاب كاملة ليصار بعدها الى تحديد مصيره.
وقبل ان يتم اغلاق باب الغرفة قام الضابط بموقف نبيل حيث اعطى عبدالحليم نسخة من مفتاح الغرفة وهمس في اذنه بعيدا عن كل العسكريين الذين كانوا معه من جنود وضباط بأن يهرب عندما يتسنى له الظرف المناسب في هدوء من الاجواء.
وعندما تأكد العندليب الاسمر من هدوء الموقف بعض الشيء فتح باب الغرفة وخرج متسللا وزاحفا حتى غادر مبنى الاذاعة كلها بعد ان تمزقت ملابسه واصيب بخدوش ورضوض نتيجة ضربات العسكريين له ببنادقهم لكنه في النهاية نجا من الانقلاب وعاد الى القاهرة ليتابع امتاع الجماهير العربية بعدد كبير من الاغنيات الخالدة ولتبقى هذه الذكرى ماثلة في قلوب وعقول معجبيه الذين كانوا يقرأون تلك الحادثة وايديهم على قلوبهم خوفا من تعرض مطربهم المفضل لاي اذى.
عندما زار عبدالناصر «حليم» في منزله
بين عبدالحليم وعبدالناصر حكايات كثيرة، فالرئيس المصري الراحل ورد اسمه كثيرا في اغنيات العندليب، وكان من اشد المعجبين بصوت حليم والمتحمسين للتجربة الحليمية في الغناء العربي والتي ولدت مع اعلان الجمهورية في مصر بعد ثورة يوليو 1952، فالمطرب الشاب غنى «ناصر يا حرية» وغنى «أبوخالد نوارة بلدي» و«ريسنا ملاح ومعدينا، عامل وفلاح من اهلينا»، وغنى «ضربة كانت من معلم».
فكان حليم ابنا شرعيا لهذه المرحلة، مخلصا لها، مؤمنا بمبادئها، راهن مع جميع المصريين والعرب على الزعيم وحلم القومية العربية والوطن العربي الكبير ومع صلاح جاهين كاتبا وكمال الطويل ملحنا، خرجت اعظم الألحان الوطنية المصرية على الاطلاق لتعبر عن يوليو وقائدها وطموحات شعبها، فكان صوت حليم معبرا بحق عن آمال وأحلام عبدالناصر.
زيارة وحيدة
من مذكرات حليم ومن شهود العصر على العلاقة بين «ناصر» والعندليب القت جريدة «شاشتي» المصرية الضوء على ملامح تلك العلاقة في تقرير موسع، وكان افضل بداية لها من الزيارة الوحيدة التي قام بها جمال عبدالناصر لمنزل عبدالحليم في يوليو 1963.
دق جرس الباب في شقة عبدالحليم، فتح السفرجي عبدالرحيم الباب فوجد امامه ذلك الرجل المهاب القوي الجميل جمال عبدالناصر، يسأل بمنتهى الأدب والتواضع عن صحة حليم، فيهرول السفرجي امامه ليجلسه في الصالون ويتطاير الخبر الى عبدالحليم في سريره فَيَهِم بالنهوض رغم مرضه.
الا ان الرئيس ترك الصالون وجاء بنفسه لغرفة حليم، وقال له في هدوء: خليك في سريرك، ثم سحب مقعدا ليجلس عليه وقال: «يا حليم انت تلم نفسك وتسافر ولما تيجي بسلامة الله حاول تتفق مع صلاح جاهين وكمال الطويل وتعملوا 28 اغنية صغيرة تحت اسم ما هي اللغة العربية اي بعدد حروف اللغة وأضاف قائلا: «التلفزيون دخل بلدنا ولسة فيه ناس مش بتقرأ ولا تكتب يمكن لما تعملوا اغاني الناس تقبل على محو اميتها، فكان عبدالناصر يضع عبدالحليم في مكانة عالية ويكلفه بمهام كبيرة لخدمة قضايا مصر، ليست السياسية فقط، ولكن الاجتماعية ايضا لأنه كان يؤمن اشد الايمان بأهمية دور الفن والفنانين في بناء مجتمع افضل.
المسؤولية
سبب الزيارة كان الاطمئنان على صحة عبدالحليم بعد ان هاجمه النزيف بضراوة بعد اداء وصلته الغنائية في حفل عيد الثورة عام 1963، والذي كان يحضره عبدالناصر ومجلس قيادة الثورة وكبار رجال الدولة، وفي هذا الحفل غنى حليم لأول مرة اغنية المسؤولية التي كتبها صلاح جاهين ولحنها كمال الطويل، وفيها اشار حليم الى الرئيس وهو يغني: احلف بكل صبي وصبية.. بعيونهم الحلوة العربية وبجمال وجرح قديم في جبينه.. احلف وأعاهد اعيش مجاهد.. والرب شاهد.. اني امين ع المسؤولية.
كانت هذه الزيارة الوحيدة التي قام بها الرئيس المصري الراحل لمنزل عبدالحليم الا ان لقاءاتهما معا كانت كثيرة في المناسبات القومية التي كان حليم مشاركا اساسيا فيها، وكان المطرب وثيق الصلة بعائلة الرئيس وأبنائه الذين كانوا حريصين على حضور حفلات عبدالحليم وكان عبدالناصر يدعو حليم بشكل شخصي لمناسباته العائلية كأعياد الميلاد او زواج احد افراد الأسرة، وفي كل مرة كان يلتقي فيها الرئيس بعبدالحليم يبدأ حواره معه قائلا: «ها يا حليم عامل ايه ان شاء الله تكون مبسوط وصحتك كويسة»، فكان ناصر حريصا كل الحرص على صحة عندليب ثورته الذي كان صوته ربما يعلو على اصوات المدافع والطلقات وكان يعتبر موهبة عبدالحليم كفيلة بجمع شمل كل الأمة العربية حول اهداف الثورة.
منوم عبدالحليم
وفي فرح ابنة عبدالناصر لاحظ الزعيم التعب على وجه عبدالحليم فسأله من دون مقدمات: «ازاي بتنام يا حليم؟» فأجاب: بمنوم اسمه «الموجادون» فرد عبدالناصر: «لكنه دوا بيخلي الانسان غضبان ومتعصب في الصبح».
فقال لعبدالناصر: احسن حاجة يا افندم انك تمشي شوية قبل ما تنام»، فضحك عبدالناصر وقال: امشي فين يا حليم انا لو مشيت حلاقي موظفين المكتب كلهم ورايا واحد ببرقية من باريس والثاني بشفرة من لندن والثالث بتقرير من الأمم المتحدة فيه تفاصيل كثيرة بتخلي الواحد مربوط في مكانه، ده غير الاجتماعات واللقاءات والسفريات، مفيش وقت يا حليم للمشي ولا حتى للراحة.
الإيراد العام
ومن ضمن المواقف التي تبرهن على عمق الصلة بين حليم وناصر انه بعد اعلان القوانين الاشتراكية عام 1961 بدت مظاهر الحزن على الفنانين، خاصة الكبار منهم بسبب ضريبة الايراد العام فأبدى حليم رغبته في الذهاب على رأس وفد من الفنانين لمقابلة الرئيس المصري ليشرحوا له ظروفهم وما يجب ان يكون لهم من وضع، خاصة تجاه هذا القانون فلم يوافقه احد، ومع هذا اصر عبدالحليم على ان ينفرد وحده بتلك المقابلة فحدد موعدا للقاء عبدالناصر في منزله وعندما ذهب الى هناك بدأ يشرح له باسهاب ظروف الفنان من حياته المعيشية ومسؤولياته وما ينفقه على مظهره، وضرب حليم مثلا بنفسه، وقال: ان لديه اربعة بيوت مفتوحة لأسرته وكل بيت فيه مجموعة من الأفراد هو مسؤول عنهم جميعا، ومهما قال الناس انه يربح فكل ما يربحه لا يكفي بأي حال من الأحوال لتغطية نفقاته.
فقال الرئيس المصري الراحل بعد ان استمع اليه: طيب يا حليم انا عرفت كل حاجة، لكن حليم عاد ليقول في إلحاح: بس من فضلك اسمعني يا ريس اعمل معروف، وانتهت المقابلة بعد ان اخذ وعدا من الرئيس بأنه سينظر الى الوضع برعاية خاصة ولم تمض ايام قليلة حتى صدر قرار جمهوري بخصم 25% من ارباح الفنان الخاضعة لضريبة الايراد العام، كان هذا جزءا من علاقة العندليب بعبدالناصر، فكلاهما كان زعيما في موقعه.