«إن راح منك يا عين.. هيروح من قلبي فين»، كلام شدت به الفنانة الكبيرة الراحلة شادية لتؤكد أنها إن غابت جسدا فستبقى في قلوبنا بأعمالها الفنية الخالدة التي جعلت منها واحدة من اعظم الفنانات في تاريخ السينما المصرية والعربية، فهي «حمامة السلام» و«صاحبة الملاليم» و«الزوجة السابعة» و«قطر الندى» و«بشرة خير» و«بنت الشاطئ» و«كلمة الحق» و«بائعة الخبز» و«أقوى من الحياة» ومن «بنات حواء» اللاتي عزفن «لحن الوفاء» على «شاطئ الذكريات»، فعاشت «شباب امرأة» و«ربيع الحب» و«معبودة الجماهير» بـ «عيون سهرانة».
شادية كانت «المرأة المجهولة» و«المعجزة» التي عاشت «لوعة الحب» في «ألف ليلة وليلة» مع «امرأة في دوامة» بـ «زقاق المدق»، منتظرة «وداع في الفجر»، لتنتهي حياتها وهي تقول «لا تسألني من أنا» قبل أن تكتشف أنها «أغلى من حياتي»، أعمال سينمائية لا تنسى كلها صنعت نجوميتها بجانب «ريا وسكينة» أيقونتها المسرحية الوحيدة.
خسر الوسط الفني المصري والعربي مساء الثلاثاء الماضي النجمة الكبيرة «دلوعة السينما» شادية عن عمر يناهز 86 عاما، داخل مستشفى الجلاء العسكري بالقاهرة، بعد احتجازها في غرفة العناية المركزة طوال الفترة الماضية عقب تعرضها لجلطة في المخ، ولم تتحسن حالتها الصحية طوال فترة وجودها في المستشفى، حيث شهدت الأيام الماضية تدهورا في الحالة الصحية بعدما أصبحت نسبة الهيموجلوبين في الدم أقل من النسبة الطبيعية، إذ وصلت لستة فقط، وتم نقل دم لها.
وشادية ممثلة ومطربة، تعتبر من أهم الفنانات في تاريخ السينما المصرية، ولقبها النقاد والجمهور بـ «دلوعة السينما»، ولدت في منطقة الحلمية الجديدة في حي عابدين، كان والدها م.أحمد كمال أحد مهندسي الزراعة والري ومشرفا على أراض ملكية.
انطلاقة شادية في الساحة الفنية الحقيقية كانت عند تعاونها مع المخرج أحمد بدرخان الذي اكتشف موهبتها بعدما قدمت له عرضا فنيا مميزا نال إعجابه وكان يريد إشراكها في أحد أعماله لكن المشروع لم يكتمل وتم تأجيله.
ولم تقف عزيمة شادية على الظهور والشهرة عند حدود بدرخان، بل قامت بدور صغير في فيلم «أزهار وأشواك»، وبعد ذلك رشحها أحمد بدرخان نفسه لحلمي رفلة لتقوم بدور البطولة أمام الفنان محمد فوزي في أول فيلم من إنتاجه، وحققت نجاحا كبيرا، وسطع فيه نجمها، وأصبحت فنانة بارزة في عالم السينما المصرية بسرعة قياسية، ما دفع فوزي للاستعانة بها بعد ذلك في عدة أفلام كـ «الروح والجسد»، «الزوجة السابعة»، «صاحبة الملاليم» وغيرها من الأعمال.ولم تأخذ السينما والتمثيل شادية من عشقها الرئيسي وهو الغناء، فعلى مدار حياتها الفنية قدمت العشرات من الأغاني التي مازال يرددها محبوها حتى الآن، منها الأغنية الوطنية الشهيرة «يا حبيبتي يا مصر»، والتي مازالت تعد من أقوى الأغاني الوطنية التي قدمت على مدار تاريخ الفن المصري، و«إن راح منك يا عين هيروح من قلبي فين» و«على عش الحب طير يا حمام على عش الحب»، «سونة يا سونسن جيتلك أهو» و«أحلى كلام هنقوله الليلة أحلى كلام» و«الحب الحقيقي ما ينتهيش ولا يتنسيش طول السنين».
اعتزلت شادية عندما أكملت عامها الخمسين، وقالت حينها عبارات مؤثرة وهي: «لأنني في عز مجدي أفكر في الاعتزال، لا أريد أن أنتظر حتى تهجرني الأضواء بعد أن تنحسر عني رويدا رويدا.. لا أحب أن أقوم بدور الأمهات العجائز في الأفلام في المستقبل بعد أن تعود الناس أن يروني في دور البطلة الشابة، لا أحب أن يرى الناس التجاعيد في وجهي ويقارنون بين صورة الشابة التي عرفوها والعجوز التي سيشاهدونها، أريد أن يظل الناس محتفظين بأجمل صورة لي عندهم ولهذا فلن أنتظر حتى تعتزلني الأضواء وإنما سوف أهجرها في الوقت المناسب قبل أن تهتز صورتي في خيال الناس» وكرست حياتها بعد الاعتزال لرعاية الأطفال الأيتام، لاسيما أنها لم ترزق بأطفال وكانت تتوق لأن تكون أما وأن تسمع كلمة «ماما» من طفلها.
وكان للمسرح المصري نصيب من أعمالها «دلوعة السينما»، حيث شاركت شادية بمسرحية وحيدة هي مسرحية «ريا وسكينة» مع سهير البابلي وعبدالمنعم مدبولي وحسين كمال وبهجت قمر، واستمرت المسرحية لمدة 3 سنوات في مصر والدول العربية، لكنها لم تعاود كرة التمثيل المسرحي، واكتفت بالسينما.
«الابن الوحيد» .. سرٌّ لا يعرفه سوى المقربين
رغم تعدد زيجاتها لم يكتب القدر للفنانة المصرية الراحلة شادية أن تنجب أطفالا، إلا أنها «تبنت» ابنا وأصبح سرا لا يعرفه إلا المقربون فقط.
والفتى الذي اعتبرته شادية ابنا لها هو نادر عماد حمدي نجل زوجها الفنان الراحل عماد حمدي من زوجته الأولى فتحية شريف.
فعقب مرور سنوات على انفصال شادية وحمدي، جمعهما فيلم «الناس والنيل» إلى جانب صلاح ذو الفقار، ومن إخراج يوسف شاهين، وفي ذلك الوقت اقترح عماد حمدي على ابنه نادر، الطالب في معهد السينما، أن يذهب معه إلى أسوان ليشاهد شاهين، وهناك وجد نادر نفسه أمام زوجة أبيه السابقة شادية فعرّفها عليه ليفاجأ الجميع من ممثلين ومصورين بالفنانة الراحلة تندفع وتحتضن نادر، وتصطحبه الى غرفتها وتطلب منه أن يتصلا معا بوالدته.
فوجئ نادر بشادية تطلب من والدته أن تسامحها على موقفها بالزواج من عماد حمدي، رغم أن الأولى مازالت على ذمته، وتوطدت أواصر الصداقة بين شادية وفتحية شريف، وكان عماد في ذلك الوقت قد ترك بيته وتزوج من نادية الجندي، فحاولت شادية أن تخفف الصدمة على فتحية شريف فكانت تتصل بها وتزورها باستمرار، وبسبب تلك العلاقة والموقف الإنساني النبيل، شعر نادر أن شادية هي والدته الثانية.
وقال نادر في حوار صحافي إنه ارتبط بعلاقة نادرة جدا مع والدته الثانية، واصفا إياها بالعلاقة الروحية التي تتجاوز كل معاني الحب والتسامح والرحمة والعطف، كما كان نادر أول من يقوم بتهنئتها بعيد الأم وعيد ميلادها من كل عام، أما في مرضها الأخير فكان بجانبها ويتلقى التكريم بالنيابة عنها.
وصية شادية للمصريين
عرض الإعلامي تامر أمين، خلال برنامج «الحياة اليوم» عبر قناة «الحياة»، المداخلة الهاتفية الأخيرة للراحلة شادية مع الإعلامي عمرو الليثي في برنامجه «بوضوح»، والتي اعتبرت بمنزلة وصيتها إلى الشعب المصري، إذ قالت حينها: «بدعي ليل نهار ربنا يعقل ولاد مصر ويعدل أحوالها ولازم يحافظوا عليها، إزاي نهون على بعض، الواحد مذهول، واحد بيضرب أخوه وابن عمه مش معقول، مش مصدقة إن مصر يحصل فيها كده، مش مصريين اللي بيعملوا كده، ومش ممكن مصري يخرب في بلده، يا رب يحبوا بلدهم، دي مصر لازم يحبوها ويعشقوها، دي مصر بلدي يا رب ينصرها».
..ووصيتها الأخيرة
قالت الفنانة ياسمين الخيام، التي كانت ترافق الفنانة الراحلة شادية في المستشفى لأسابيع منذ مرضها، إن خسارة شادية كبيرة ولن تعوض أبدا.
وقالت ياسمين إن صلاة الجنازة كانت في مسجد السيدة نفيسة، كما أوصت شادية قبل رحيلها، لأنها تحب آل البيت جدا، ثم بعد ذلك تم دفنها في مقابر العائلة.
وأضافت الخيام أن شادية طلبت من كل محبيها في الوطن العربي أن يدعو لها بالرحمة وأن يقرأوا لها سورة «يس».
أسرة شادية: العزاء غدا الجمعة بمسجد المشير
قررت أسرة الراحلة شادية إقامة عزاء أيقونة الفن في مسجد المشير طنطاوي بالقاهرة الجديدة غدا الجمعة.
وكانت جماهير عريضة قد شيعت ظهر أمس جثمان شادية من مسجد السيدة نفيسة، وذلك وسط تشديدات أمنية مكثفة لتأمين الجنازة، فيما هتف محبوها مرددين، «لا إله إلا الله.. الحاجة فاطمة حبيبة الله».
الحكومة المصرية تنعى شادية
في أول تصريح رسمي من الحكومة المصرية، نعى وزير الثقافة المصري حلمي النمنم الفنانة شادية، وقال: الفنانة شادية، لم تكن فنانة عادية، بل كانت صوتا لمصر وللعالم العربي، ودافعت عن قضاياه بصوتها، وقدمت أغنيات لا تزال بيننا حية بكلماتها ولحنها، منها أغنية «يا أم الصابرين»، «يا حبيبتي يا مصر»، «عبرنا الهزيمة» وأغنية «انتفاضة» التي قدمتها للشعب العراقي وأغنية «فوق أرض النيل» لشعب السودان الشقيق.
وأضاف: الفنانة شادية ستظل باقية بيننا بأعمالها الفنية المبدعة، والتي استحقت عنها ألقابا عديدة، لم تحظ بها فنانة أخرى، فكانت معبودة الجماهير ومحبوبتهم، والدليل على ذلك أنه رغم ابتعادها عن الأضواء طوال 26 عاما، إلا أنها احتفظت بمكانتها في قلوب محبيها حتى وفاتها.
حداد على حسابات النجوم
اتشحت حسابات نجوم الفن العربي بالسواد بعد إعلان وفاة شادية، وانهالت تغريدات العزاء وبرقيات الحزن من الفنانة نانسي عجرم ونقيب الموسيقيين المصريين هاني شاكر وغيرهما من عشاقها.
وجمعت النجمة شريهان عشاق شادية عبر موقع «تويتر» وقدمت دعاء بالرحمة للفقيدة قائلة: «اللهم اغسلها بالماء والثلج والبرد ونقها من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم ادخلها جناتك يا رحمن يا رحيم.. العظيمة شادية».
ونعى هاني شاكر الفنانة الكبيرة عبر حسابه الشخصي على «تويتر» قائلا: «إنا لله وإنا إليه راجعون أتقدم بخالص العزاء إلى الشعب العربي والأسرة الفنية في وفاة الفنانة الكبيرة شادية.. رحمها الله وأدخلها فسيح جناته وندعو لأسرتها ولأنفسنا بالصبر والسلوان».
وتقدمت الفنانة اللبنانية نانسي عجرم بالعزاء لكل جمهور الفن في العالم العربي، وكتبت عبر «تويتر»: «معبودة الجماهير شادية وداعا.. أتقدم بأحر التعازي من عائلة الفقيدة والشعب المصري والعربي».
ونشرت الفنانة إلهام شاهين عبر صفحتها الشخصية على «إنستغرام» صورة لشادية وعلقت عليها: «رحلت حبيبتي يا مصر، وداعا حبيبتي، اللهم إنها نزلت بك وأنت خير منزول به، وأصبحت فقيرة إلى رحمتك وأنت أغنى عن عذابها، يا رب ارحمها برحمتك الواسعة».
وكتب الفنان محمد رمضان تغريدة وداع سريعة قال فيها: «الله يرحمك ويسكنك فسيح جناته.. شادية ستظلي في قلوبنا».
ورفضت الفنانة سيرين عبدالنور الاعتراف بوفاة شادية، مؤكدة أنها باقية بفنها، وقالت عبر «تويتر»: «كيف نبكي شادية الفن المصري وبأي كلمات نأسف على رحيل أيقونة السينما العربية.. فكيف يرحل الكبار وهم حاضرون أبدا بإبداعاتهم الخالدة؟ وداعا يا دلوعة الزمن الجميل.. شادية».
بينما ودعتها المطربة شيرين عبدالوهاب بتغريدة حزينة، قائلة: «وداعا دلوعة السينما المصرية شادية، ربنا يرحمك يا أرق صوت غنى للحب، فارقتي دنيتنا ولكن مش ممكن تفارقي قلوبنا أبدا».
وسائل الإعلام العربية والدولية تبرز نبأ وفاة شادية
أ.ش.أ: اهتمت وسائل الإعلام العربية والدولية بنبأ وفاة شادية، فقد ابرزت قناة سكاي نيوز بالعربية هذا الحدث بعنوان على شاشتها تضمن (شادية.. رحيل «دلوعة السينما») فيما أعدت القناة تقريرا عن مشوار الفنانة شادية علي مدار تاريخها الفني.
وفاة المطربة المصرية شادية.. هكذا كان عنوان قناة روسيا اليوم الدولية والتي أبرزت نبأ وفاة المطربة شادية على صفحتها الالكترونية وفي نشرتها الاخبارية، فيما أعدت تقريرا عن حياة الفنانة وتاريخها الفني.
وقناة السومرية العراقية أبرزت نبأ وفاة الفنانة شادية ووضعت له عنوان (رحيل «دلوعة السينما» المصرية عن عمر ناهز الـ 86 عاما)، فيما عرضت لقطات من أفلام الفنانة الكبيرة شادية وأبرزت تاريخها الفني.
«فارقت الفنانة المصرية شادية الحياة بعد صراع مع المرض» هكذا كان نبأ هيئة الإذاعة البريطانية التي أوردت النبأ بشكل عاجل، فيما عرضت فيديو خاصا عن أهم وأبرز أعمال الفنانة شادية ومشوارها الفني.
كما أبرزت قناة الحرة الأميركية نبأ وفاة الفنانة الكبيرة شادية تحت عنوان «وفاة الفنانة المصرية شادية عن 86 عاما»، مشيرة عبر تقرير لها عن حياة الفنانة، وذكرت أن شادية بدأت حياتها الفنية عام 1947 عبر مسابقة لاختيار وجوه جديدة للقيام ببطولة سينمائية ولم يكن يتعدى عمرها حينذاك 16 عاما.
وقناة العربية الاخبارية لم تكن بعيدة عن المشهد وأبرزت نبأ وفاة الفنانة الكبيرة شادية، حيث ذكرت القناة في عنوانها «وفاة الفنانة المصرية شادية بعد صراع مع المرض»، ورصدت القناة تقريرا عن مشوار الفنانة وأبرزت الأدوار السينمائية التي قامت بها.
الأوبرا المصرية: إقامة حفل «وداعا شادية» 7 ديسمبر
نعت دار الأوبرا المصرية الفنانة شادية، وقالت في بيان لها: «إن مصر والأمة العربية فقدت قيمة فنية كبيرة طالما أثرت الحياة الفنية بإبداعاتها في مختلف مجالات الفنون من سينما ومسرح ومسلسلات إذاعية والطرب الأصيل، حيث كانت الفنانة الراحلة أحد أعلام وعلامات الغناء التي أطربت آذاننا على مر العصور، فهى رحلت عن عالمنا ولكنها ستبقى خالدة بمجمل أعمالها في ذاكرة ووجدان الجماهير».
وقررت د.إيناس عبد الدايم، رئيسة دار الأوبرا المصرية، بعد موافقة وزير الثقافة الكاتب الصحافي حلمي النمنم، تخصيص حفل فرقة عبدالحليم نويرة للموسيقى العربية بقيادة المايسترو أحمد عامر، والمقرر إقامته في الثامنة مساء الخميس 7 ديسمبر على المسرح الكبير، تحت عنوان «وداعا شادية» ليكون مهداة لروح الفنانة الراحلة.