قدم فيلم «Ferdinand» العديد من الرسائل للجمهور، ولكن بوضوح أكثر من اللازم، وبتكرار جعله غير صالح للمشاهدين من البالغين على الرغم من محتواه الجيد ورسومه الناعمة، ليثبت أن هناك فارقا كبيرا بين ما تقدمه أستوديوهات الرسوم المتحركة- خاصة في الولايات المتحدة- وديزني الذي ينافس في ذات الموسم السينمائي بفيلم «Coco».
و«Ferdinand» مقتبس من قصة أطفال كلاسيكية قديمة تم نشرها عام 1936، والتي تحولت بعد ذلك بعامين إلى فيلم رسوم متحركة قصير من ثماني دقائق على يد شركة ديزني، وفاز بأوسكار أفضل فيلم قصير، وقامت المعالجة الحديثة للقصة بإضافة العديد من الخطوط للنص الأساسي لجعله أطول وأكثر تماسكا، ومشوقا بروح العصر.
تدور أحداث الفيلم حول الثور «فيردناند» الذي يعيش في مزرعة لتربية ثيران المصارعة الشهيرة بالقرب من مدريد، وكل أقرانه يهدفون إلى تحقيق التميز وأن يختارهم الماتادور ليشتركوا في المصارعة، الا «فيردناند» الذي لا يرغب سوى في أن يترك لشأنه، وبعدما يقتل والده في مصارعة يهرب من المزرعة ويبدأ حياة جديدة مع الصغيرة «نينا» إلى أن يعود مرة أخرى مرغما، ويجد نفسه في صراع للحفاظ على هويته ومبادئه.
ربما يجب العودة للماضي والحديث عن القصة الأصلية قبل الاستطراد في الحديث عن الفيلم، فقد تم نشرها خلال الحرب الأهلية الإسبانية، لينتقدها كل العاملين في مجال تربية ثيران المصارعة، وذلك لرسالتها الواضحة بنبذ العنف والجنوح للسلام، خاصة في المشهد النهائي الخاص بها، وتلك هي الرسالة الأهم والأوضح في الفيلم على الرغم من كون الكثيرين الذين يصنفونه كفيلم «كن أنت نفسك» آخر كسابقه «Ratatouille» من ديزني.
وعلى الرغم من الإضافات للنص الأصلي في المعالجة إلا أن الجانب السردي كان هو الأضعف في الفيلم، فقد جاءت الحبكة ممطوطة جدا مع أكثر من مشهد، وذلك على عكس رسم الشخصيات المميز بحق، والذي أظهر الفروقات بين كل من زملاء «فيردناند» بالمزرعة، وجاءت شخصية الأخير أكثر منطقية من تلك الموجودة في فيلم ديزني القديم وأكثر نضجا كذلك، أما عن روح الدعابة فقد كانت غالبة على النص بصورة ذكية ولطيفة للغاية، وقد وقع عبء الجزء الأكبر منها على المعزة «ليبو» التي قامت بالأداء الصوتي لها كيت ماكينون في أداء متميز كعادتها.
وكان الأداء الصوتي بشكل عام، بالإضافة إلى رسم الشخصيات هما الميزتان الكبيرتان في هذا الفيلم، يضاف إليهما الأغاني الرقيقة التي ربما لا تعلق بالذاكرة كثيرا، ولكنها كانت ممتعة خلال السياق، والتي ترشحت واحدة منها وهي Home لجائزة الجولدن جلوب، بالإضافة لترشيح آخر للفيلم كأفضل فيلم رسوم متحركة، وهو ترشيح شرفي بالطبع لأن نتيجة هذا المسابقة لن تكون بالتأكيد في صالحه أمام المنافسة الشرسة من «Coco».
أما عن جانب الرسوم فقد كانت جيدة، وظهر التناقض الواضح بين مظهر «فيردناند» القوي وشخصيته الرقيقة، هذا بالطبع بجانب باقي الشخصيات، والتأكيد على الملامح الإسبانية للشخصيات البشرية في الفيلم.
ولكن النقطة التي لم نستطع فهمها هو سبب استبعاد كل الشخصيات النسائية، فلم نتعرف على أم «فيردناند» بل تم استبدالها بأبيه، وهو ما لم يكن موجودا في القصة والفيلم الأصلي لديزني، وأيضا الطفلة «نينا» تتربى في كنف أب وحيد بدون أم، ومنزل أصحاب مزرعة الثيران لا يحتوي سوى على الرجال، ربما كانت الشخصية النسائية الوحيدة هي المعزة «ليبو»، هل كان ذلك بغرض التأكيد على أن هذا الصراع ذكوري بحت ما بين العنف المفترض في شخصية الثور والرقة التي اختارها «فيردناند»؟
أيضا من علامات الاستفهام الكبيرة، اللهجة الألمانية للخيول الاستعراضية التي تتعالى على جيرانهم من الثيران، فلم يكن هناك من داع لتواجد هذه الشخصيات من الأساس، ولم تضف جديدا للحبكة ولا كانت خفيفة الظل.
ويبقى ان نقول ان فيلم «Ferdinand» عمل لطيف، لكنه ليس متميزا لتتذكره الأجيال، ولن يترك علامة تذكر في موسم الجوائز أكثر من الترشيحات المتعددة، وتأثير قصته لن يطال سوى الأطفال، وهذا لا يعيبه بشكل كبير، ولكن خسارة تقديم قصة جيدة بصورة متواضعة تفقدها تميزها.